
طلعت، ولقيت دانتي واقف قدام الشاشة الكبيرة، عليها صورة من كاميرا المراقبة الخارجية.
رجل طويل، شعره بدأ يشيب، نازل من عربية سوداء.
عرفته في ثانية.
أبويا.
رجلي ما بقتش شايلاني.
دانتي قال
جالك خطاب رسمي من محاميه. بيقول إنك بنت مفقودة وإنه عايز يرجعك مصر.
هو عارف إني هنا؟
واضح إنه عارف.
قعدت على الكرسي.
هتسلمني له؟
دانتي بصلي نظرة طويلة.
إنت لسه ما فهمتيش؟ أنا مش هسلّمك لحد.
لكن قبل ما أقدر أتنفس، موبايله رن.
المرة دي كان المتصل المحامي.
دانتي رد على مكبر الصوت.
لقينا مستندات جديدة، قال المحامي. فيه تحويلات مالية خرجت من حساب شركة يوسف قبل وفاته بيومين، والتوقيع الإلكتروني المستخدم فيها مرتبط بجهاز موجود في مكتب كريم البدري.
سكت لحظة، وبعدين أضاف
والأهم إن فيه تسجيلًا صوتيًا من اجتماع قديم بين كريم وفيكتور سالفاتوري، بيتكلموا فيه عن تعطيل تسليم مستندات معينة ليوسف.
حسيت إن قلبي وقف.
يعني هما اللي كانوا ورا الحادثة؟
المحامي رد بحذر
التسجيل وحده ما يثبتش إنهم تسببوا في الحادثة، لكنه دليل مهم على إنهم كانوا بيحاولوا يمنعوه من كشف المعاملات.
دانتي بصلي.
لازم التسجيل يوصل للجهات المختصة، وتتراجع الأدلة كلها بشكل قانوني.
هزيت راسي، وأنا بحاول أتمسك بالأمل.
لكن الباب اتفتح فجأة.
دخل رجل من رجالة دانتي، وشه شاحب.
باشا، عندنا مشكلة.
اتكلم.
تليفون المكتب اتراقب، وفيه حد حاول يدخل على ملفات القضية من حساب داخلي.
دانتي سأل بحدة
مين الحساب؟
الرجل تردد.
وبعدين قال اسمًا واحدًا.
توني مراد.
مدير الورشة اللي كنت بثق فيه من أول يوم.
الرجل اللي خان دانتي… لكنه ما خانش إيلينا
دانتي ما اتكلمش لمدة ثوانٍ.
وبعدين طلب من رجاله يجيبوا توني.
دخل توني المكتب، ولما شافني واقفة جنب دانتي، فهم إن كل حاجة اتكشفت.
دانتي حط قدامه صورة من سجل الدخول الإلكتروني.
عندك حاجة تقولها؟
توني بص للأرض.
أنا ما كنتش عايز أوصل الموضوع لكده.
دانتي وضع كفه على المكتب.
إنت سربت معلومات من مكتبي! فيه تفسير غير الخيانة؟
توني رفع عينيه.
أنا سربت معلومات عن مواعيد الشغل، وعن الملفات القديمة. لكن ما سربتش مكان إيلينا، وما كنتش أعرف هي مين في الأول.
اتجمدت.
إنت كنت عارف؟
توني بصلي بأسف.
من شهرين، شفت ورقة قديمة في درج مكتبك فيها اسمك الحقيقي. ما فتحتهاش، لكن شفت صورتك اللي كانت جواها. وبعدها عرفت إنك البنت اللي بيدوروا عليها.
وسكت؟
أيوه. لأني شفتك كل يوم بتيجي تشتغل وإنت خايفة، وكنت عارف إنك مش هربانة عشان تسرقي أو تأذي حد.
دانتي قال ببرود
ولما عرفت، قررت تبيع معلوماتي؟
توني أخرج موبايله من جيبه.
ابني عليه ديون كبيرة بسبب عملية نصب، وكريم وصل له. حذرني إنه هيأذيه لو ما ساعدتوش يعرف مكان الملفات اللي بتراجعوها. أنا ما ادتلوش كلمة سر الخزنة، وما اديتلوش التسجيل. كنت بحاول أعرف هو عايز إيه بالضبط.
وكان ممكن تيجي تقولي، دانتي قال.
توني هز رأسه.
كنت خايف.
دانتي فضل ساكتًا.
أنا كنت غاضبة، لكني كنت فاهمة معنى الخوف اللي يخلي الإنسان يتصرف غلط وهو فاكر إنه بيحمي حد بيحبه.
قلت
هل تعرف إذا كان كريم عنده نسخة من المستندات الأصلية؟
توني رفع رأسه.
أيوه. هو عنده نسخة من ملف يوسف، وفيه ورقة واحدة بالذات كان بيسأل عنها في المكالمات.
إيه هي؟
سجل صيانة العربية قبل الحادثة، والأسماء اللي وافقت على تغيير بعض أجزائها.
دانتي سأله
عندك النسخة؟
توني أومأ.
أنا احتفظت بصورة من السجل قبل ما أسلّم باقي الملفات لكريم. ما كنتش أعرف إنها مهمة بالشكل ده، لكن لما سمعت اسمه في التسجيل، خفت.
أخرج فلاشة صغيرة، ووضعها على المكتب.
كل حاجة هنا.
دانتي أخذها، لكنه ما سمحش لتوني يمشي.
هتفضل تحت المراقبة لحد ما المحامي يراجع كل اللي عندك. ولو طلعت بتكدب في أي تفصيلة، مش هقدر أحميك من عواقبها.
توني أومأ.
وقبل ما يخرج، بصلي.
أنا آسف يا إيلينا.
ما سامحتوش في اللحظة دي.
لكنني فهمت إن الحقيقة مش دايمًا بتتقسم بين ناس طيبين وناس أشرار. ساعات الخوف بيخلّي ناس كويسة ترتكب أخطاء كبيرة، والفرق الحقيقي بيبان لما يقرروا يصلحوا اللي عملوه.
المواجهة الأخيرة مع أبي
بعد يومين، المحامي أكد إن المستندات الجديدة بتدعم وجود مخالفات مالية خطيرة، وإن فيه أدلة تستدعي تحقيقًا رسميًا في حادثة يوسف.
وفي نفس الوقت، وصلني طلب من أبويا لمقابلتي.
ما كانش طلبًا حقيقيًا.
كان بيقول إنه عايز يشوفني خمس دقايق، وإنه مستعد يتنازل عن كل حاجة لو رجعت معاه مصر.
وافقت على مقابلته، لكن بشروطي.
مكان عام، والمحامي موجود، ومفيش أي محاولة لإجباري على السفر.
دانتي عرض ييجي معايا.
رفضت في البداية، لكنه قال
مش هتكلم بدل منك. هكون موجود بس لو احتجتي مساعدة.
وافقت.
قابلت أبويا في قاعة اجتماعات صغيرة داخل مكتب المحامي.
أول ما دخل، وقف مكانه.
بصلي من رأسي لرجلي، وكأنه مش قادر يستوعب إن البنت اللي كان بيختار لها كل حاجة، واقفة قدامه بإرادتها، من غير ما تستأذنه حتى في طريقة لبسها.
قال بصوت مخنوق
إيلينا…
ما رديتش.
قرب خطوة.
إنتِ عارفة أنا دورت عليكي قد إيه؟
قلت بهدوء
دورت عليا عشان كنت خايف عليا، ولا عشان كنت خايف الناس تعرف إن بنتك رفضت الجوازة اللي رتبتها؟
وشه اتغير.
إنتِ مش فاهمة حاجة. أنا كنت بحميكي.
ضحكت بمرارة.
بتحميني من إيه يا بابا؟ من إني أختار جوزي؟ من إني أقول لأ؟ من إني أعيش حياة مختلفة عن الحياة اللي رسمتها لي؟
وضع كفه على الترابيزة.
كريم كان مناسب! كان هيحافظ على اسم العيلة، وكان هيضمن مستقبلك!
مستقبلي؟ ولا مستقبل شركاتك؟
سكت.
طلعت صورة المستندات اللي المحامي جهزها، وحطيتها قدامه.
يوسف اكتشف التحويلات المالية قبل ما يموت. وإنت كنت عارف إنه بيجمع أدلة. وبعد موته، بدل ما تحاول تعرف الحقيقة، قررت تزوّجني لكريم.




