عام

حكايات ملك ابراهيم ١

كانت الساعة سبعة إلا ربع الصبح لما وقفت حنين قدام المراية الصغيرة اللي في أوضتها، بتلم شعرها الأسود الطويل في توكة بسيطة وهي بتحاول تداري أثر السهر اللي باين تحت عينيها.

 

الشقة كانت هادية على غير العادة، مفيش غير صوت المية وهي بتغلي في الكنكة في المطبخ، وصوت بتاع الخضار وهو بينادي في الشارع تحت.

 

حنين بنت في أوائل العشرينات، وشها هادي وملامحها بريئة من غير ما تحط حاجة، عيونها واسعة بلون العسل، وفيها حزن خفيف كده كأنها اتعودت تستخبى جواه. كانت لابسة بلوزة بيضا بسيطة وجيبة سودا قديمة بس مكوية بعناية، لأن الحاجة الوحيدة اللي كانت بتحرص عليها إنها تبقى نضيفة ومرتبة حتى لو مش غالية.

 

فجأة الباب اتفتح بقوة وبسمة دخلت وهي ماسكة موبايلها بإيديها الاتنين ومش مصدقة اللي بتشوفه ، وقالت بصوت متقطع: “حنين! حنين، إلحقي، إنتي شفتي الأخبار اللي مالية النت؟”

 

حنين لفت لها وهي بتعدل التوكة، وابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: “صباح الخير يا بسمة، إيه صوتك العالي ده من الصبح؟ الجيران صحو على صوتك .”

 

بسمة قربت منها بسرعة وفضلت تبص لها بعيون مفتوحة على الآخر وقالت: “جيران إيه بس! اللي حصل ده مصيبة. اقري كده الخبر دا.”

 

ومدت إيدها بالموبايل. حنين خدته وهي مستغربة، وبصت في الشاشة. أول حاجة وقعت عليها عينيها كانت صورة، صورة ما كانتش محتاجة تتأكد منها لأنها كانت حافظة الوش ده أكتر من وشها هي. كان رائف الحريري، صاحب الشركة اللي بتشتغل فيها، واقف جنب عربيته في صورة قديمة من حفلة، والعنوان فوقها بخط أحمر كبير: “فضيحة في الأوساط الراقية.. خطيبة رجل الأعمال رائف الحريري تُضبط في فيلا منافسه أحمد الصياد.”

 

إيد حنين اتجمدت على الموبايل، وحست إن الأرض بتتهز تحتها شوية. كملت القراية بعينيها بس مش بتفهم كل كلمة، الكلام كان بيجري قدامها: سهرة، فيلا، ميرهان شوكت، خناقة، حرس، وفسخ خطوبة. رفعت عينيها لبسمة بعد دقيقة كاملة وقالت بصوت واطي: “ده… ده كلام حقيقي؟”

 

بسمة قعدت على طرف السرير وهي بتهز راسها: “الخبر نازل من كل المواقع، والبوستات مولعة على الفيس. فيه ناس بتقول إن في صور كمان بس لسه ما نزلتش. أنا ما نمتش من ساعة ما شفته.”

حنين رجعت تبص في الشاشة تاني، وحست إن قلبها بيوجعها وجع ما كانتش مستعدة له: “مش معقول. ميرهان شوكت دي تخون رائف الحريري؟ إزاي؟ ده راجل أي بنت في الدنيا تتمنى تبقى جنبه. إزاي واحدة تعمل فيه كده؟”

 

بسمة قالت بنبرة فيها نص ضحكة ونص غيظ: “ما هي دي ميرهان يا حنين، اللي ماشية رافعة مناخيرها في الشركة كأنها هي اللي مالكاها. أنا ما كنتش مرتاحة لها من أول يوم شفتها فيه. بتبص للموظفين كأننا مش بنأدمين زيهم.”

 

حنين فضلت ساكتة، وبصت من الشباك للسما اللي لسه لونها رمادي. كانت لسه فاكرة آخر مرة شافت فيها ميرهان، من أسبوعين تقريبا، لما دخلت الشركة بفستان ضيق وكعب عالي وصوت ضحكتها مالي الطرقة، ومشيت مع رائف لحد مكتبه وإيدها متعلقة في دراعه. وقتها حنين كانت واقفة قدام ماكينة التصوير، وحست إن كل حاجة حواليها اتحولت لخلفية باهتة، وما فضلش في الدنيا غير الصورة دي.

 

بسمة لاحظت سرحانها فقالت بهدوء: “حنين، إنتي كويسة؟”

 

حنين لفت لها بسرعة وحاولت تبتسم: “آه كويسة، أنا بس… مصدومة. هو صعبان عليا إن واحد زيه يتخان.”

 

بسمة رفعت حاجبها وقالت بنبرة كلها معرفة: “صعبان عليكي هو ولا صعبان عليكي قلبك؟”

 

حنين وطّت راسها وما ردتش.

 

بسمة بصت لها بحنية وقالت: “أنا بنت عمك وعارفاكي أكتر من نفسك. أنا الوحيدة اللي عارفة سرك، وعارفة إنك بتحبيه من أول يوم دخلتي فيه الشركة. بس يا حنين، افهميني، هو ما يعرفش إنك موجودة أصلا.”

 

حنين قالت بصوت خافت جدا: “عارفة. أنا عمري ما فكرت إنه يعرفني او لا. كفاية عليّا إني بشوفه.”

 

بسمة : “بتشوفيه؟ إنتي بتشوفيه من بعيد زي ما كل الناس بتشوفه! هو في مكتب في الدور العشرين وإنتي في الأرشيف في البدروم… يعني هو بالنسبه لك زي القمر اللي مستحيل توصلي له”

 

حنين ضحكت ضحكة صغيرة فيها وجع: “أهو القمر حتى لو بعيد بيفضل ينور حياتنا .”

 

بسمة زفرت وقامت وقفت وقالت: “أنا مش عارفة أعمل فيكي إيه والله. يلا بينا يا بنتي، الميكروباص مش هيستنانا، ولو اتأخرنا هتتخصم علينا ساعة.. “

 

حنين هزت راسها بحزن وخدت شنطتها القديمة وطلعت وراها، وقلبها ما رضيش يسكت لحظة واحدة طول الطريق وهي بتفكر فيه. في الميكروباص قعدت جنب الشباك وهي بتبص للعربيات والناس، لكن مفيش حاجة منهم دخلت عينيها. كانت بتفكر في رائف، في الراجل اللي عمرها ما كلمته إلا مرة واحدة بالغلط لما اصطدمت بيه في الأسانسير وقالت له “آسفة يا فندم” وهي مش قادرة ترفع عينيها. وهو يومها رد بكلمة واحدة بس: “ولا يهمك”، ومشى. كلمة واحدة، لكنها فضلت تعيدها في دماغها أسبوع كامل.

 

وهي دلوقتي بتفكر: يا ترى هو حاسس بإيه؟ راجل زيه، قوي وكبير وعمره ما ينكسر قدام حد، إيه اللي بيحصل جواه لما يعرف إن اللي كان بيحبها خانته؟ ودموعها نزلت من غير ما تحس، فمسحتها بسرعة قبل ما بسمة تشوفها.

 

بسمة كانت شايفاها طبعا، بس سكتت وحطت إيدها على إيدها وضغطت عليها بخفة.

 

أول ما وصلوا برج الحريري، البرج الزجاجي الضخم اللي كان بيلمع تحت شمس الصبح كأنه جبل من الألماس، حنين رفعت عينيها له زي كل يوم بإحساس مزيج من الرهبة والانبهار. المكان كان كبير وفخم، وكل حاجة فيه بتقول إن اللي بناه راجل عارف هو عايز إيه.

 

لكن في اللحظة اللي دخلوا فيها اللوبي، حسوا إن الجو مش طبيعي. الموظفين واقفين مجموعات صغيرة، بيتهامسوا وعيونهم بتتحرك يمين وشمال، وأول ما حد يلمح حد غريب يسكت ويبدل الموضوع. مفيش حد كان بيضحك، ومفيش حد كان بيشرب شاي بهدوء زي كل يوم.

 

واحدة من البنات في الاستقبال، كانت دايما مبتسمة، همست لزميلتها وهي مفكرة إن محدش سامعها: “قولتلك إن اللي زي ميرهان شوكت دول كلهم مش مضمونين. بس زعلانه على رائف بيه، دا كان بيحبها آوي .”

 

واحد من الرجالة اللي واقفين عند الأسانسير ضحك ضحكة مكتومة وقال لصاحبه: “أنا ما استغربتش أبدا. واحدة زي دي ما بتعرفش تكون لراجل واحد.. الله يكون في عون المهندس رائف.. الفضيحة كبيرة اوي “

 

بسمة شدت حنين من إيدها وقالت بصوت واطي: “يلا ننزل الأرشيف بسرعة ونشوف شغلنا.. شكل محدش هيسكت النهاردة .”

 

نزلوا في الأسانسير الصغير بتاع الموظفين، كانت حنين حاسة إن القلق بياكلها. لما وصلوا الأرشيف، حطت شنطتها على الكرسي وقعدت قدام جهازها، لكن إيدها ما كانتش قادرة تمسك الماوس. الملفات اللي قدامها كانت بتتحرك قدام عينيها من غير ما تقرأها.

في استقبال الشركة.. كانوا لسه الموظفين بيتكلموا.. وفجأة سمعوا صوت خطوات كتيرة وسريعة في الطرقة، وبعدها صوت حد من الموظفين بيقول: “كله يسكت ! الباشمهندس رائف وصل!”

 

وفي اللحظة دي، فتح الباب الزجاجي الكبير للشركة ودخل رائف الحريري.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى