
نظرات ثاقبة وحادة، والغرور مرسوم على وجهه، يسير بشموخه المعتاد. لاحت بسمة الانتصار على وجهه اليوم؛ سيحصل على كل ما أراده. فعل هذا المشروع من أجل أن يفوز بتلك الصفقة منذ أربع أعوام، عقد مشروع على كلية الهندسة، والتي كانت كليته السابقة، سيدرب المتفوقين من الفرقة الرابعة. ستكون هذه الفكرة منحة للطلاب والجامعة، وسيختار أكفأ متدرب ويقوم بتعيينه في شركته.
في مثل هذا اليوم جميع الطلاب يحضرون المحاضرة، المتواجد بها الجميع يتمنون أن يحظوا بمثل هذه الفرصة. الفتيات جميعهن يبتسمن حين يأتي؛ فهو فتى أحلام كل منهن.
سار بطريقه نحو مكتب عميد الجامعة، يشعر بهمهمات الجميع، ولكن لم يلتفت لكلام أحد. أوقفت إحدى الفتيات قائلة بدلال بعد أن قدمت له بيدها وردة حمراء:
آسفة جداً إني وقفتك، بس حبيت أقدم دي. ما تتصورش من يوم ما دخلت الكلية وكنت في سنة أولى وأنا مستنية اليوم دا، ونفسي تختارني بأي طريقة. ممكن تقبل مني الوردة دي؟
نظر لها ببرود لتلك المشاعر الساذجة والتي جاءت لتقدمها من أجل مصلحتها. هو لا يحب هذا النوع من الفتيات. رد عليها ببسمة ساخرة ثم قال بهمس:
يبقى هتستني كتير، ومش هتتقبلي. بلاش أسلوب الدلع معايا؛ لأني مش بحبه.
تركها ورحل، فنظرت له بضيق، بينما هو ابتسم بسخرية وقال لنفسه:
إيه جو رد قلبي اللي بتعمله دا.
اليوم استيقظت من نومها متأخرة، شعرت بأن الحظ ليس معها. فكل يوم تقوم بنشاط، ولكن النوم غلبها، حيث كان العمل بليلة الماضية مرهقاً بشدة. ارتدت ملابسها في سرعة ثم نزلت من منزلها. خرجت من بنايتها صاحبة الأساس القديم ووقفت تنتظر سيارة أجرة؛ فاليوم لن تتحمل المواصلات.
بتلك اللحظة وضع أحد يده على كتفها الصغير مما جعلها تشعر بالرهبة. استدارت بكل خوف بعد أن شهقت قائلة بذعر:
مين!
ست حنان.
ابتسمت الست حنان بنفور ثم قالت ببرود:
شوفتك من بعيد، فقولت أسألك على الإيجار. أصل عمك حسان بيلم الإيجار وقالي شوفي يقين.
تنهدت يقين بضيق ثم نظرت إلى ساعة يدها خائفة من التأخير؛ يجب أن تظهر بهذا اليوم، التزامها الشديد. أخيراً وبعد أن رأت سيارة أجرة بجانبهم، وبهدوء شديد ردت عليها وقالت:
هقبض بكرا إن شاء الله وأجيب لك الفلوس، واشكري لي عم حسان إنه صبر عليا الأسبوع اللي فات.
لم تمهلها الفرصة حتى ترد عليها. أسرعت من أمامها وأخذت سيارة الأجرة التي مرت من جانبهم، وأمرته أن يسرع لمقر كلية الهندسة:
بسرعة لو سمحت على كلية الهندسة.
وبعد مرور القليل من الوقت وصل السائق وأوقف محرك سيارته أمام الكلية.
نزلت بسرعة رهيبة واتجهت نحو مكتب عميد الكلية. نظرت من النافذة فوجدت الشاب الذي ينحني الجميع لذكائه ولسلطته، يجلس أمام العميد. أول مرة ترى وجهه عن قرب. الجميع يتحدثون عنه، ولكنها لا تبالي إلا بمشروعه الذي سيحقق لها النجاح والمال فيما بعد.
عدلت ملابسها وتأكدت بأنها ليست متوترة. دقت على باب المكتب، وحين سمح لها بالدخول رفعت رأسها بثقة ودلفت.
بصوت رقيق قالت:
صباح الخير يا دكتور مهاب.
ثم نظرت إلى دكتور إحدى المواد الخاصة بها والمميز لديها وقالت ببسمة صغيرة:
صباح الخير يا دكتور أحمد.
حدق بها أحمد بنظرات فخورة ثم أشار نحوها ونحو الشاب المشهور وقال:
أحب أعرفكم ببعض، بما إنكم من أشطر الطلاب اللي درستلهم. وإن شاء الله يا جواد واثق جداً إن يقين هتكون زيك بالظبط.
حزن ووجع وانقباض، كل هذا يصيبها بشدة. دموعها على خديها لا تتوقف. شعورها بالحرمان يحتل قلبها، ليس بحرمان من الطعام أو المال؛ فهي تمتلك كل شيء، ولكنها انحرمت من أهم إحساس ممكن أن تعيشه أي فتاة بحياتها. قامت من فراشها واتجهت نحو المرآة، تنظر لنفسها، تحدق بجمالها الذي أصبح لا قيمة له، إلى عيناها البنية التي تجذب من ينظر إليهما. ابتسمت بسخرية ثم قالت بحسرة:
كل دا مش هيفيد وأنا مش قادرة أجيب عيل أحس وهو موجود بأحلى إحساس ممكن تعيشه. الست جمالي قدام علي ولا حاجة قدام كلمة بابا.
عادت وجلست مكانها، وشردت في كل أحلامها التي تمنتها وتمنت أن تفعلها مع طفلها.
بتلك اللحظة دلف علي ومعه بعض الزهور التي قطفها من حديقة منزله. لم تشعر به. بدأ يسير باتجاها ببطء حتى لا تنتبه له، جلس خلفها حين وصل للفراش، ثم همس بصوت حنون يملؤه الحب:
حبيبتي بتفكر في مين؟
انتبهت له فابتسمت بحب، استدارت لتنظر في عينه وقالت بترحيب:
حمدلله على السلامة يا حبيبي، هقوم أعملك آكل.
قامت من مكانها وكأنها تتلاشى. الجلوس معه يرى خلف ابتسامتها الجميلة والتي تحذبه شبح، نعم الشبح الذي يهدد حياتهما، وهو الحزن. فقط هو من يشعر بما يحدث معها منذ أن أحبها وسكنت بداخله، وهو يشعر بأوجاعها. بحب شديد أمسك يدها وقال:
مريم!
نظرت له مريم ورفعت حاجبيها باستغراب. ما الشيء الذي سيقوله لها؟ تفكر بشدة. هناك من يوسوس بداخل أذنيها ويخبرها بأنه يريد تركها من أجل أن ينجب.
حكاية عادل ومريم
كان هذا فهي مستعدة على فعل أي شيء من أجل سعادته.
ردت بذعر:
قول يا حبيبي.
وقف أمامها، مسح على وجهها بحب كعادته ثم قال بحنو:
مين مزعل أميرتي؟
كيف لها أن تقول كل ما بداخلها؟ هي لا تريد أن تسبب له إزعاج. ردت عليه باقتضاب:
مافيش يا حبيبي، متشغلش بالك بيا. يالا بقى خليني أجهز لك الأكل؛ إنت كنت سهران في الشركة للصبح، أكيد جعان.
تنهد علي بقوة ثم قال باقتراح:
استني بس، أنا بكرا عندي أجازة، وبابا ممكن لو طلبت منه يديني يومين حلوين، نروح ونرجع أيام الفرحة.
باعتذار ليس له أي مبرر قالت:
مليش نفس يا حبيبي.
تأفف بشدة، فقد نفد صبره. رد عليها:
أنا عارف إن موضوع الخلفة تعبك، بس إنتي عندك 24 وأنا 30، يعني لسة في أول شبابنا. هنتعالج سنة وإتنين وعشرة، ولو محصلش نصيب عادي نعمل حاجة تانية، وبعدين أنا أصلا مش عاوز أطفال دلوقتي.
مد يده ببعض الزهور وقال:
نسيت اديكي الورد يا وردتي.
وكأنه يجعلها تنسى ما قاله. كيف لهم ألا يكون لديهم طفل صغير يملأ حياتهم؟ ابتسمت بهدوء ثم قالت بلامبالاة:
شكراً، حطه جنبك، هروح أعمل الأكل.
عاد للمنزل بعد أن تذكر أنه لم يترك ملف الاجتماع. كاد أن يفتح باب منزله، ولكنه سمع صوتاً. نعم، هذا الصوت مألوف عليه بشدة، يعلم بقوة من صاحبه. كان الصوت ضعيفاً جداً، ولكن الضحكة التي تصدر عالية ليست إلا صوت ضحكة زوجته. وضع مفتاح شقته في سرعة وفتح الباب. تأكد بالفعل أن هذا صوتها. كيف هذا وهي تستيقظ بعد العصر؟ وإذا حدثها قبل هذا الوقت تقول له بغضب أنها لا تحب من يوقظها من غفلتها. كان سيبعت سواقه لأخذ هذا الملف منها، ولكنه فضل ألا يزعجها. انكمش حاجبه بضيق، تحدث بانفعال طفيف:
يعني هي بتصحى تكلم صحابها، ولو أنا اللي صاحتها تتعصب؟
كان سيناديها بتلك اللحظة، ولكنه سمع منها ما جعله مصدوماً، حيث قالت:
يا بني عادل، جوزي نزل وبيرجع على بليل، تعالى نخرج، أصلك وحشني، أو أجيلك البيت. من يوم ما تفرقنا بسبب وأنا اتجوزت، وأنا بقيت عايشة في تعاسة.
ابتلع عادل ما في حلقه بصدمة. أي تعاسة هذه؟ هو كان يعطيها كل شيء. سار ببطء نحو غرفة النوم. كان باب الغرفة مفتوحاً، ولكنها لا تشعر به، حيث كانت تقف أمام المرآة وتقول بدلع:
عارف أنا لبسة إيه دلوقتي؟ لبسة قميص نوم باللون اللي بتحبه، واللي ما لبستهوش لجوزي.
كاد قلبه أن يتوقف عن العمل. كرامته تنهار. زوجته تقتله بكلام قاسٍ. تنفس بصعوبة. ما جريمته حتى تفعل هكذا؟ هو كان يقدرها ويعاملها بما يرضي ربه.
لم يستطع أن ينتظر أكثر. شعر بأن الله بعته بتلك اللحظة حتى لا تخدعه أكثر. زاد احمرار وجهه بقوة، كور يده بشدة ثم اقترب منها وجلبها من خصلات شعرها قائلاً بقسوة:
تعالي يا مخطئة!




