قصص وروايات

ريان وملك الفصل الاول

رواية ريان وملك

الفصل الأول: الدين اللي تمنه العمر

حكاية حب بدأت بالخوف والاحتياج، واتحوّلت مع الأيام لسر كبير، وخيانة هزّت عيلة كاملة، وحقيقة محدش كان مستعد يواجهها.

كانت الساعة داخلة على تسعة الصبح، والمستشفى مليانة حركة، صوت الممرضين وهما بيتنقلوا بين الغرف، وأهالي المرضى اللي واقفين قدام أبواب العناية المركزة، وكل واحد فيهم متعلق بأمل صغير إن الشخص اللي بيحبه يخرج من المكان ده على رجليه.

في الدور التالت، قدام غرفة العمليات، كانت واقفة بنت في أواخر العشرينات، لابسة بلوزة بسيطة وبنطلون أسود، وشعرها ملموم بسرعة ورا ضهرها.

وشها كان شاحب من قلة النوم، وعينيها حمرا من كتر العياط، وإيديها متشابكة قدام صدرها كأنها بتحاول تمنع نفسها من الانهيار.

كانت ملك.

البنت اللي الدنيا ما ادتلهاش فرصة ترتاح من بدري، واللي اتعلمت تشيل مسؤولية أكبر من سنها، وتخبي خوفها ووجعها ورا ابتسامة صغيرة عشان أخوها الوحيد ما يحسش إنه عبء عليها.

لكن النهارده، كل محاولاتها إنها تبان قوية كانت بتنهار واحدة واحدة.

لأن يونس، أخوها الصغير، كان جوه غرفة العمليات.

والدكتور لسه خارج من شوية، وقال لها إن حالته محتاجة تدخل جراحي عاجل، وإن التأخير مش في مصلحته.

والتكلفة؟

كانت أكبر من كل الفلوس اللي قدرت تجمعها في سنين شغلها.

ملك بصت لباب العمليات، وهمست بصوت مخنوق:

“يا رب، والنبي ما تكسرنيش فيه… ده ماليش غيره يا رب.”

رفعت إيدها ومسحت دموعها بسرعة لما سمعت صوت خطوات جاية ناحيتها.

كانت ممرضة شايلة ملف يونس.

الممرضة وقفت قدامها وقالت بهدوء:

“أستاذة ملك؟”

ملك قامت بسرعة.

“أيوه، أنا ملك. طمنيني، أخويا عامل إيه؟”

الممرضة بصت في الملف.

“الدكتور طلب إنك تقابليه أول ما يخلص الجولة، عشان يتكلم معاكي في تفاصيل العملية.”

ملك اتعلقت بكلامها.

“يعني في أمل؟”

الممرضة ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“إن شاء الله خير، بس لازم نتحرك بسرعة.”

ملك هزت رأسها.

“حاضر… حاضر، أنا هستناه.”

الممرضة مشيت، وملك رجعت قعدت على الكرسي، لكن المرة دي دموعها نزلت من غير ما تحاول تمنعها.

طلعت موبايلها وفتحت صورة قديمة ليها مع يونس.

كان واقف جنبها، ضاحك ضحكته الواسعة، وحاطط دراعه على كتفها، وهي بتبص للكاميرا بسعادة افتقدتها من سنين.

ملك مررت صباعها على الصورة وهمست:

“إنت وعدتني إنك هتفضل جنبي يا يونس… أوعى تسيبني لوحدي.”

لكنها ما كانتش تعرف إن اللحظة دي هتكون بداية سلسلة أحداث هتغيّر حياتها كلها.

وإن الشخص اللي هتضطر تلجأ له عشان تنقذ أخوها، هيكون آخر شخص تتخيل إنها في يوم من الأيام هتبقى مراته.

وإن المساعدة اللي هتطلبها منه، هيكون تمنها أكبر بكتير من مجرد فلوس.

في مكتب مدير المستشفى
كان ريان الجارحي قاعد ورا مكتبه، قدامه مجموعة ملفات، وبيراجع تقارير العمليات اللي اتعملت في المستشفى خلال الأسبوع.

ريان كان في أوائل التلاتينات، طويل، عريض الكتفين، ملامحه حادة، ونظرته كفاية تخلي أي حد قدامه يفكر مرتين قبل ما يتكلم.

طبيب جراح قلب معروف بكفاءته، ومدير مستشفى كبير تابع لمجموعة الجارحي الطبية.

شخصيته كانت صارمة، ما بيحبش الفوضى، وما بيسمحش لأي حد يتجاوز حدود شغله.

لكن اللي ما يعرفوش عنه غير القليل، إن ورا الهدوء البارد ده كان فيه غضب قديم، وحكايات عائلية محدش بيحب يفتحها.

ريان رفع عينه من الملف لما خبط حد على الباب.

“ادخل.”

دخلت السكرتيرة وقالت باحترام:

“صباح الخير يا دكتور ريان.”

ريان من غير ما يرفع عينه:

“صباح النور. في إيه؟”

السكرتيرة:

“في حالة محتاجة تدخل جراحي عاجل، والدكتور المسؤول عن الحالة طلب موافقتك على الترتيبات المالية قبل العملية.”

ريان قفل الملف.

“اسم المريض؟”

السكرتيرة بصت في الورقة.

“يونس محمود.”

ريان مد إيده.

“هاتِ الملف.”

أخده منها وبدأ يقرا التفاصيل الطبية، وبعد ثواني عقد حواجبه.

“الحالة وصلت إمتى؟”

“من امبارح بالليل.”

“والتدخل اتأخر ليه؟”

السكرتيرة اترددت.

“أهل المريض ما كانوش قادرين يستكملوا المبلغ المطلوب.”

ريان رفع عينه بحدة.

“يعني إيه؟ هو إحنا بنحدد مواعيد العمليات على حسب قدرة أهل المريض المادية؟”

السكرتيرة ارتبكت.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى