
“لا طبعًا يا دكتور، بس الإجراءات…”
قاطعها:
“أنا مش عايز أسمع كلمة إجراءات دلوقتي. خلي الدكتور المسؤول يجهز كل حاجة، والعملية تتعمل في أسرع وقت.”
السكرتيرة:
“حاضر يا فندم.”
وقبل ما تخرج، ريان ناداها:
“استني.”
لفت له.
“أيوه يا دكتور؟”
ريان بص للملف مرة تانية.
“أهل المريض معاهم تأمين؟”
“لأ، الحالة على حسابهم الشخصي.”
ريان سكت لحظة، وبعدها قال:
“المستشفى هتتكفل بتكاليف العملية والعلاج لحد ما حالته تستقر. سجلي ده على حساب الحالات الإنسانية.”
السكرتيرة ابتسمت بارتياح.
“حاضر يا فندم.”
خرجت، وريان رجع للملف، لكنه ما قدرش يمنع نفسه من التفكير في البنت اللي أكيد قاعدة بره مستنية خبر أخوها.
كان بيكره يشوف حد عاجز قدام مرض شخص بيحبه.
يمكن لأنه عارف كويس الإحساس ده.
ويمكن لأن في حاجات قديمة جواه عمره ما عرف يتصالح معاها.
رن موبايله.
ظهر اسم والدته على الشاشة.
رد:
“صباح الخير يا أمي.”
صوت والدته جه هادي، لكنه يحمل نبرة عتاب معتادة.
“صباح النور يا حبيبي. هتيجي البيت النهارده؟”
ريان رجع بضهره للكرسي.
“على حسب الشغل.”
والدته:
“ريان، إنت كل يوم عندك شغل. بقالك أسبوع ما قعدتش معانا حتى نص ساعة.”
“أنا مدير مستشفى يا أمي، مش موظف بيخلص الساعة اتنين ويمشي.”
والدته اتنهدت.
“عارفة يا حبيبي، بس أنا أمك، ومن حقي أشوفك.”
ملامحه لانت قليلًا.
“حاضر، هحاول أخلص بدري.”
“ما تنساش يا ريان، النهارده أبوك عايزك في موضوع مهم.”
وشه اتغير.
“موضوع إيه؟”
“مش عارفة. قال لما تيجي هيتكلم معاك.”
ريان سكت لحظة.
“تمام. سلام دلوقتي.”
قفل المكالمة، ورجع يبص للملف اللي قدامه.
لكنه ما كانش يعرف إن اسم المريض اللي مكتوب على الورقة دي، هيكون أول خيط في علاقة هتربط حياته بحياة ملك بطريقة ما كانش يتخيلها أبدًا.
المواجهة الأولى
بعد حوالي ساعة، خرج الدكتور من غرفة العمليات.
ملك كانت واقفة في ثانية واحدة، كأنها ما صدقت تشوفه.
“دكتور! أرجوك، طمني على يونس.”
الدكتور ابتسم بهدوء.
“الحمد لله، العملية تمت، وحالته مستقرة حاليًا. هنحتاج نتابعه في العناية المركزة خلال الساعات الجاية.”
ملك حطت إيدها على قلبها، ودموعها نزلت بغزارة.
“الحمد لله… الحمد لله يا رب.”
الدكتور كمل:
“بس لازم تعرفي إن أخوكي محتاج رعاية كويسة خلال الفترة اللي جاية، ومهم جدًا يلتزم بتعليمات العلاج بعد ما يخرج.”
ملك هزت رأسها بسرعة.
“حاضر يا دكتور، أي حاجة تقول عليها هعملها.”
الدكتور بص لها بتعاطف.
“اطمني عليه، ولما يسمح وضعه هتقدري تشوفيه.”
ملك شكرت الدكتور، وبعد ما مشي، سندت ضهرها على الحيطة وأغمضت عينيها.
لأول مرة من ساعات، قدرت تتنفس.
لكن الراحة ما كملتش.
بعد دقائق، راحت للاستقبال عشان تسأل عن الإجراءات، فالموظف بلغها إن إدارة المستشفى وافقت على التكفل بمصاريف العملية.
ملك افتكرت إنها ما سمعتش كويس.
“يعني إيه المستشفى هتتكفل؟”
الموظف:
“زي ما بقول لحضرتك، القرار صادر من الإدارة. حضرتك مش مطالبة تدفعي تكاليف العملية.”
ملك حطت إيدها على صدرها.
“طب مين صاحب القرار ده؟”
الموظف:
“دكتور ريان الجارحي، مدير المستشفى.”
الاسم ما كانش غريب عليها، فقد سمعت عنه من بعض المرضى، وعرفت إنه طبيب مشهور ومن عيلة كبيرة.
لكنها ما كانتش تتخيل إنه بنفسه هيتدخل في حالة أخوها.
ملك سألت:
“ممكن أقابله؟ عايزة أشكره.”
الموظف اتصل بالمكتب، وبعد دقائق قال لها:
“اتفضلي، السكرتيرة هتوصلك.”
ملك مسحت دموعها، وعدلت هدومها البسيطة، ومشيت ورا السكرتيرة لحد ما وصلت لمكتب المدير.
خبطت على الباب.
وجالها صوته من الداخل:
“اتفضل.”
دخلت بخطوات مترددة.
كان ريان قاعد ورا مكتبه، بيكتب حاجة في ورقة، ولما رفع عينه وشافها، وقف القلم بين صوابعه لثانية.
كانت بنت ملامحها هادية رغم الإرهاق الواضح عليها، وعينيها شايلة خوف أكبر من اللي المفروض حد في سنها يشيله.
السكرتيرة قالت:
“دكتور ريان، أستاذة ملك، أخت المريض يونس.”
ريان أشار لها تقعد.
“اتفضلي.”
ملك قعدت على طرف الكرسي، وإيديها متشابكة في حجرها.
“أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي.”
ريان رجع قعد مكانه.
“على إيه؟”
ملك استغربت السؤال.
“على إن حضرتك وافقت إن المستشفى تتحمل تكاليف عملية أخويا.”
ريان رد ببساطة:
“دي حالة محتاجة تدخل عاجل، وواجبنا نساعده.”
ملك هزت رأسها.
“بس أنا عارفة إن المبلغ كبير، وإن حضرتك مش مضطر تعمل كده.”
ريان بص لها مباشرة.
“هو حضرتك جاية تشكريني ولا تعترضي على القرار؟”
ملك اتوترت.
“لا، طبعًا بشكر حضرتك… بس أنا مش متعودة إن حد يساعدني من غير ما يكون مستني مقابل.”
ريان سكت لحظة.
الجملة لمست حاجة جواه، لكنه ما أظهرش ده.
قال بنبرة أهدى:
“مش كل الناس بتساعد عشان تاخد مقابل يا أستاذة ملك.”
ملك نزلت عينيها.
“يمكن… بس الظروف علمتني ما أثقش بسهولة.”
ريان فضل باصص لها لثوانٍ، وبعدها سأل:
“إنتِ بتشتغلي؟”
ملك رفعت عينيها باستغراب.
“أيوه، بشتغل في شركة صغيرة، وباخد شغل إضافي من البيت.”
“وأهلك؟”
وش ملك اتغير.
“والدي ووالدتي متوفيين.”
ريان حس إنه سأل سؤالًا شخصيًا زيادة عن اللزوم.
“البقاء لله.”
ملك: “ونِعم بالله.”
“ويونس هو أخوكي الوحيد؟”
“أيوه.”
سكتت لحظة، ثم أضافت بصوت هادي:
“هو كل اللي ليا في الدنيا.”
ريان لاحظ إنها وهي بتتكلم عن أخوها، صوتها بقى مختلف، كأنها بتتكلم عن حياتها كلها، مش مجرد شخص قريب منها.
قفل الملف اللي قدامه وقال:
“بصي يا أستاذة ملك، أخوكي هيكون تحت رعاية المستشفى لحد ما حالته تستقر. ولو احتاج أي حاجة طبية، اتوجهي للدكتور المسؤول عنه.”
ملك قامت من مكانها.
“حاضر يا دكتور. شكرًا لحضرتك مرة تانية.”
كانت هتمشي، لكنها وقفت عند الباب ولفت له.
“ممكن أطلب من حضرتك طلب؟”
ريان رفع عينه.
“اتفضلي.”
ملك اترددت، وبعدها قالت:
“أنا مش عايزة أي حد يعرف إن المستشفى دفعت مصاريف العملية. مش عايزة أخويا يحس إنه حمل على حد، ولا عايزة الناس تتكلم عنه.”
ريان عقد حاجبيه.
“يونس مش حمل على حد، ولا محتاج يبرر إنه اتعالج.”
ملك ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مليانة حزن.
“عارفة… بس هو طول عمره بيحاول يخفف عني. ولو عرف إني ما قدرتش أتحمل مصاريف علاجه، هيزعل.”
ريان رد بهدوء:
“اطمني. الموضوع هيتعامل بسرية.”
ملك شكرته وخرجت.
فضل ريان باصص ناحية الباب بعد ما قفلته.
ما كانش فاهم ليه كلامها فضّل عالق في دماغه.
يمكن لأنه شاف في عينيها خوف حقيقي.
أو لأنها كانت بتحاول تحافظ على كرامة أخوها حتى وهي في أصعب لحظات حياتها.
لكن ريان ما كانش من النوع اللي يسمح لمشاعره تتحكم في قراراته.
رجع لشغله، وقرر إن الموضوع انتهى عند كده.
على الأقل، ده اللي كان فاكره.
في فيلا الجارحي
في المساء، رجع ريان الفيلا العائلية بعد يوم طويل في المستشفى.
البوابة الإلكترونية اتفتحت، والعربية دخلت وسط الحديقة الواسعة، اللي كانت متزينة بأشجار قديمة وتماثيل نحاسية، وفي آخر الممر نافورة كبيرة صوت الميه فيها كان بيملأ المكان بهدوء.
نزل ريان من العربية، وسلّم مفاتيحها للسائق، ودخل الفيلا.
كانت والدته قاعدة في الصالون، بتتكلم مع أخته، لكن أول ما شافته قامت بابتسامة.
“أهو الباشا شرف!”




