عام

لست حبيبتي ل نرمين عادل همام ٣

 

لست حبيبتي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

عاصم اتنفس براحة وسأله برجاء: “ينفع أشوفها؟” أمجد بص له كام ثانية وبعدين دخل الأوضة، وخرج تاني وقال: “هي وافقت.. بس عشر دقائق بس، وما تضغطش عليها.”

دخل عاصم الأوضة، وكنت قاعدة على السرير والشمس طالعة من الشباك. بصيت له.. بقالنا سبع شهور ما شفناش بعض. كان خاسس أوي، ووشه باين عليه التعب والإرهاق، بس هو هو عاصم.. الراجل اللي حبيت خمس سنين واتجوزته ثلاث سنين.

فضل واقف عند الباب مش قادر يقرب، لحد ما قال بصوت واطي: “فريدة..” قلت له: “اتفضل اقعد يا عاصم.”

قرب وقعد على الكرسي وعينيه نزلت على بطني الكبيرة.. فضل ساكت شوية، وبعدين سأل بلهفة مكتومة: “حاسة بوجع؟” قلت له: “الحمد لله.. بقيت أحسن.” “والدكتور قال إيه؟” “راحة تامة وملاحظة.”

سكتنا إحنا الاتنين، فبصيت له وسألته: “عايز حاجة تاني؟” عاصم وطي رأسه وقال بنبرة مكسورة: “أنا آسف يا فريدة..”

بتسمت بتهكم خفيف: “بتعتذر تاني يا عاصم؟” هز رأسه بسرعة وقال: “لا.. المرة دي مش اعتذار وبس.” طلع ظرف من جاكتته وحطه على الطاولة: “دي أوراق بتضمن كل حقوق بنتنا رسمي، تقدر تقريها لما تبقي كويسة.. أنا مش بطلب منك ترجعيلي، ولا بطلب منك تسامحيني، أنا بس عايز أعمل واجبي كأب.”

بصيت للورق وسألته: “وأنت عايز إيه يا عاصم؟” سكت كتير، وبعدين قال وصوته بيترعش: “عايز أطمن إنها بخير.. وإذا سمحتي لي.. عايز أشوفها لما تتولد.”

بصيت للراجل اللي قدامي.. عاصم طول عمره مغرور ومش بيتوسل لحد، بس دلوقتي قاعد قدامي ساند إيديه على ركبه ومستني حكمي عليه زي المتهم! سكتت فترة طويلة، وفي الآخر قلت له: “هفكر في موضوع بنتنا.”

عينيه لمعت بفرحة: “بجد؟” قلت له بصرامة: “بس ما تفهمش صح يا عاصم.. أنا موافقة تفضل أب لبنتك وتعرفها، ده مش معناه إني هرجعلك.” الابتسامة اتسحبت من وشه بس هز رأسه بفهم: “عارف..”

بصيت في الساعة وقلت له: “العشر دقائق خلصوا.” قام وقالي بصوت خافت أوي: “شكراً يا فريدة.” ومشي وقفل الباب.. وبصيت للظرف اللي على الطاولة وحسيت بنغزة خفيفة في قلبي، مش حب ولا مسامحة.. بس إحنا أخيراً بنتكالم بنضج ومن غير عقود ولا كدب.

خرجت من المستشفى والدكتور طلب مني راحة تامة. أمجد بقى زي الدلولة ليا.. يفتش الثلاجة، يفكرني بوقاية المية، ويساعدني أشتري حاجيات البيبي. في يوم شفته قاعد بيحاول يركب السرير بتاع البيبي ومعصلج معاه، فضحكت من قلبي: “أمجد.. أنت بتعمل إيه؟” رد بجدية: “بركب السرير يا هانم!” قلت له: “أنت مركبه بالمقلوب على فكرة!”

ضحكنا إحنا الاتنين، بس لما لف وشه الابتسامة اتسحبت من وشي.. أنا مش غبية، أنا عارفة إن أمجد بيحبني وبيعمل كل ده عشان مشاعره، بس أنا مش مستعدة أدخل في أي علاقة دلوقتي، ومش عايزه أستخدمه كبديل لعاصم.

في نفس الليلة قعدت معاه وقلت له بصراحة: “أمجد.. شكراً على كل حاجة بتعملها معايا.. بس…” حط أمجد كباية الشاي وقال بهدوء: “فريدة.. أنا عارف.” اتصدمت، فكمل هو ابتسامة هادية: “أنا بحبك من زمان يا فريدة.. بس أنا عارف إنك مش مستعدة، وعارف ظروفك.. فما تشيليش هم، وما تعتذريش.. حبك ده حاجتي أنا ومش مسؤوليتك، وأنا مش هسيب صاحبتي عشان اتفضت!”

دموعي نزلت من كتر التأثر، وأمجد اتخض وقال: “يا ستي خلاص بلاش نكد! أنا ما صدقت أركب السرير صح!” ضحكت وسط دموعي.. والثلج كان بينزل برة الشباك في أخر ليلة قبل الربيع.

البيبي اتولدت في يوم صيفي بدري.. قبل ميعادها بأسبوعين. الطلق جالي بالليل وأمجد أخدني وجري بيا على المستشفى. وأنا داخلة أوضة الولادة، مسكت إيد أمجد بجمود وقلت له خايفة، فهداني وقال لي: “أنتِ قوية يا فريدة وهتقومي بالسلامة.”

وفي نفس اللحظة.. عاصم كان في اجتماع في مصر لما المساعد دخل ووشوشه إن فريدة دخلت ولادة. عاصم القلم سقط من إيده وقام وقف فجأة وقال: “أجلوا الاجتماع!” طلع يجري وركب طيارته الخاصة على زيورخ.

لما وصل عاصم المستشفى، كانت بنتي اتولدت خلاص.. بنت زي القمراية، وزنها ثلاثة كيلو وصحتها زي الفل. أنا كنت نايمة على السرير وجسمي عرقان، ولما الممرضة حطت البنت في حضني ومسكت إيدها الصغيرة.. عيطت من الفرحة والراحة: “أهلاً يا حبيبتي.. أختك أمك شافتك.”

برة في الممر.. عاصم كان واقف وشه أصفر وعينيه حمرا، وقرب منه أمجد وقال له بابتسامة: “الأم والبنت كويسين.. بنت زي الفل.” عاصم دموعه نزلت على بلاط المستشفى وما قدرش يخبيها، فسأله أمجد: “تقدر تدخل تشوفها.. فريدة وافقت.”

دخل عاصم الأوضة بالراحة، وكان خايف يقرب وكأنه بيحلم. بصيت له وقلت له: “جيت يا عاصم؟” صوته طلع بحشرجة: “أيوه..” قلت له: “تعالى شوف بنتك.”

قرب ببطء شديد ولمس إيد البنت الصغيرة بصباعه.. البنت مسكت صباعه العريض بقبضتها الصغير. عاصم انحنى وكتافه بدأت تتهز وهو بيعيط في السكات ومسك دموعه بالعافية: “فريدة.. شكراً.” قلت له بهدوء: “ما تشكرنيش.. أنا خلفتها عشان أنا عايزة ده، مش عشانك.” هز رأسه: “عارف..”

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى