عام

لست حبيبتي ل نرمين عادل همام ١

لست حبيبتي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام

رمى قدامي شيك على بياض ورقة اتفاق، وقال لي وبكل برود: اللي كنت أتمنى أتجوزها وأعيش معاها مش أنتِ وحطلقك بعد 3 سنين

بصيت للورقة والشيك وفكرت مع نفسي كام ثانية، وبصيت له وبكل هدوء سألته: يعني بعد الثلاث سنين لما نطلقك، الفيلا تتكتب باسمي هي كمان؟

عاصم تنح وسكت شوية. يمكن في حياته كلها ما شافش ست يكسر قلبها ويقولها ما بحبكيش، تقوم هي في نفس اللحظة تقلبها حسابات وتفكر في تقسيم التركة وتسأل عن حقها!

رد عليا بعد فترة وهو مستغرب: أيوه، بتاعتك.

ما كدبتش خبر ومضيت اسمي وأنا مبسوطة والابتسامة مالية وشي.

ودارت الأيام وعدت الثلاث سنين.

في ليلة ذكرى جوازنا، اكتشفت إني حامل.

وفي نفس الليلة دي بالضبط، رجعت مصر الست اللي فضيلها قلبه وعاش يعشقها

فضل واقف في البلكونة يسحب في السجاير وقت طويل. وما التفتش ناحيتي إلا لما السيجارة كانت خلاص هتحرق صوابعه. ولأول مرة أشوف الفرحة بتلمع في عينيه اللي طول عمرها باردة وما بتتحركش.

قال لي: ياسمين رجعت مصر.

إيدي اللي كانت على بطني اتجمدت مكانها. ورقة السونار اللي كنت مجهزاهاله عشان أفاجئه بيها كانت لسه مستخبية في جيب الجاكيت. سكت كام ثانية وأنا بطلع النفس بالعافية، وطويت الورقة كذا تطوية ورجعتها جيبك في السكات.

رديت وأنا بحاول أجمع نفسي: بجد؟

عاصم كان بيبص لي ومستني يشوف انهياري.

ابتسمت له ابتسامة هادية وقلت له: ألف مبروك يا سيدي.. كده كده الاتفاق اللي بيننا وقته خلص النهارده. نعدي بكرة على المأذون ونخلص كل حاجة بالمعروف.

اللمعة اللي كانت في عينيه انطفت في ثانية، والضحكة اتسحبت من وشه وحل مكانها الذهول.

عاصم ما وافقش على الطلاق فوراً. مش عشان مش عايز، لا.. عشان عيد ميلاد جدته الثمانين كمان ثلاثة أيام. جوازي منه في الأصل كان ترتيب من العيلة عشان نرضيها. الست كبيرة في السن وصحتها على قدها، ولو عرفت بطلاقنا دلوقتي مش بعيد تقع فيها.

عشان كده لما قال لي: نتكلم في الموضوع ده بعد عيد ميلاد الجدة.

رديت بهدوء: تمام، ماشي.

قمت عشان أطلع أوضتي فوق، وبعد خطوتين افتكرت حاجة مهمة فلفيت له تاني: صحيح.. الفيلا اللي على النيل، أوعى تنسى.

 

كان بيصب لنفسه كاس، حركته اتجمدت في الهواء. كملت حساباتي قدامه: غير الـ 10% من أسهم الشركة اللي وعدتني بيها، والشقة اللي في وسط البلد.. العربية البنتلي خليها معاك مش عاجبني لونها.

حط الكاس على الطاولة برزع. تكة الزجاج هزت المكان وهو بيبص لي بنظرة حادة: فريدة!

قلت له ببرود: نعم؟

سألني وهو بيضيق عينيه: هي دي بس الحاجات اللي هامكي؟

اتستغربت ورديت: أومال يعني إيه اللي يهمني غير كده؟

فضل يبص لي كتير والضوء جيب على وشه مخلّي نظراته أغمق، وبعد لحظة ضحك بمرارة: ولا حاجة.. مش هخلف بوعدي معاكي.

قلت له: يبقى تمام.

لفيت نفسي عشان أطلع، وأول ما حطيت رجلي على أول درجة في السلم حسيت بنغزة ووجع خفيف أسفل بطني. حطيت إيدي على بطني من غير ما أحس، فجه صوته من ورايا فجأة: مالك؟ حاسة بتعب فين؟

نزلت إيدي بسرعة وقلت له: أصل أكلت كتير بس.

كشر وقال لي: أنتِ ما أكلتيش غير نص طبق شوربة

رديت عليه ببرود: ولايهمك

ما ردش، وأنا ما لفيتش وبصيت له. أول ما قفلت باب أوضتي عليا، طلعت ورقة السونار المكرمشة. كان فيها نقطة صغيرة أوي، أصفر من أن تشاف بالعين. الدكتورة قالت لي وقتها: الجنين عمره ست أسابيع.

ست أسابيع! قعدت على طرف السرير وأنا بحسب الأيام. كانت الليلة دي لما عاصم رجع سكران ومش في وعيه بعد حفلة الشركة، وكانت المرة الوحيدة في الثلاث سنين اللي اتخطّينا فيها الحدود. تاني يوم الصبح لما صحي فضل ساكت كتير، وما نطقش غير بكلمة واحدة: أنا آسف.

فاكرة إني ضحكت ساعتها وقلت له: ولا يهمك، تحصل.

كنت فاكراها غلطة وعدت، لكن بعد ست أسابيع اتخلقت الحياة الصغير دي. وطيت راسي بصيت لورقة السونار، وطلعت تليفوني فتحت النتيجة. عيد ميلاد الجدة بعد ثلاثة أيام. العملية بعد أربعة أيام. سفري لسويسرا بعد خمس أيام. حجزت الطيران من غير ما عاصم يعرف، وما كانش عندي أي نية أقوله. لأن من الأول خالص، كان فيه بند واضح صريح في اتفاقنا: لو حصل حمل غير مخطط له، القرار الأول والأخير يرجع للست. والجواز ده ما كانش فيه مكان لطفل.. ولا كان فيه مكان ليا من الأساس.

أنا أعرف عاصم من لما كان عمري سبعطاشر سنة. في السنة دي أبويا اتوفى في حادثة، وشغل عيلتنا كله فلس. أمي كانت متوفية من زمان، وأقاربنا يهربوا مني زي ما أكون دين على رقبتهم. الشخص الوحيد اللي وقف جنبي كانت الجدة..

أخدتني بيتها، أكلتني وعلمتني وفتحت لي بيتها. وهناك.. شفت عاصم لأول مرة. كان أكبر مني بثلاث سنين. أول لقاء بيننا كنت واقفة تحت المظلة واللمطر مغرقني، وهو راجع من مدرسته بالقميص الأبيض ورافع شمسية سودة. لما شافني سأل البواب: مين دي؟

البواب رد: دي الآنسة فريدة.

عاصم هز رأسه ومشي من جنبي.. وبعد كم خطوة رجع تاني ورمى في إيدي فوطة نظيفة كانت معاه. وقال لي: نشفي.

دي كانت أول كلمة قالها لي. وبعد السنين دي كلها، بقيت أقول لنفسي: يا ريتك كنت أبرد من كده اليوم ده.. يمكن ما كنتش حبك! أيوه.. أنا كنت بحب عاصم. ما حدش كان يعرف.. ولا هو نفسه كان يعرف. فضل حب مكتوم من سن السبعطاشر لحد ما تمت السبعة وعشرين.. عشر سنين كاملين. بس لما كملت العشرين، ظهرت في حياته بنت اسمها ياسمين. جميلة، وواثقة في نفسها، وشقية.. عكسي تماماً. قدام الناس عاصم كان دايماً بارد وشايف نفسه، بس مع ياسمين كان ممكن ينزل على الأرض يربط لها جزمتها، أو يسوق العربية ثلاث ساعات عشان يجيب لها أكلة بتحبها، أو حظه يلغي اجتماع مهم عشان هي سخنة. أول مرة شفتهم بيبوسوا بعض، كان في الجنينة الورانية بتاعة البيت.

كان التلج بينزل في اليوم ده زي المطر. وقفت ياسمين على أطراف صوابعها وعصرت نفسها وهي بتبوسه، والرجل اللي كان بيكره أي حد يلمسه من صغره، وطي لها بلهفة وباسها بالهداوة. كنت واقفة ورا الباب الزجاج، وفي إيدي الكوفية اللي فضلت أغزل فيها شهرين كاملين. في الليلة دي، قعدت أفك فيها غرزة غرزة.. خيط ورا خيط، ولما طلع النور ما كانش فاضل منها حاجة. وقلت لنفسي ساعتها: خلاص.. أنا مش بحبه.

بعدها ياسمين مشيت وسابت البلد. مش عشان عيلة عاصم رفضتها، لا.. هي اللي اختارت واحد تاني أغنى وأهم. يوم خطوبتها، عاصم استناها في الفندق خمس ساعات كاملين، وما ظهرتش. سابت له ورقة مكتوب فيها: “عاصم.. أنا آسفة، مش هقدر أقضي بقية عمري مجرد حرم عاصم بيه.” وتاني يوم سافرت أوروبا مع مخرج مشهور.

وفي نفس اليوم ده، أسهم شركات عيلة عاصم نزلت الأرض بسبب الفضيحة. الجدة تعبت جداً ونقلوها المستشفى، وبعد شهرين استدعتنا أنا وهو وقالت لنا بوضوح: اتجوزوا.

ما لحقتش حتى أرد، لكن عاصم رد في ثانية: تمام.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى