
بسذاجة مني افتكرت إنه خلاص نسيها، أو يمكن العشرة بيننا كبرت في قلبه حاجة. لحد ليلة الدخلة.. لما حط الاتفاق قدامي: ثلاث سنين. لا تدخل في الخصوصية. لا مشاعر ولا حب. وممنوع خلفة. وبعد الثلاث سنين، لو أي حد فينا عايز ينهي الموضوع، التاني ينفذ من غير كلام.. ومقابل ده هيديني أسهم وعقارات وفلوس تؤمن لي حياتي.
خلصت قراية ورفعت راسي سألته: أنت لسه بتستناها؟
سكوته كان هو الجواب. وفي اللحظة دي، ماتت خمس سنين من الحب المكتوم من طرف واحد. مسكت القلم ومضيت: تمام.. طالما ما فيش حب، افتكر بس تدفع كويس.
بص لي عاصم وقتها، ويمكن من اللحظة دي افتكر إن كل اللي يهمني هو الفلوس. عادي.. سوء الفهم ده ما كانش يضايقني، بالعرف والتحضر فارقنا بعض بالمعروف.
الثلاث سنين اللي عشناهم مع بعض كانوا هاديين بشكل غريب. عاصم عمره ما جاب ست البيت، وأنا عمري ما سألته رايح فين ولا جاي منين. في الإجازات نطلع على البيت القديم نتغدى مع الجدة، وفي الحفلات أقف جنبه وإيدي في إيده. قدام الناس كان بيسحب لي الكرسي، ويمنع عني الشرب، وحافظ إن عندي حساسية من السمك. وأنا كمان كنت حافظة إنه ما بيشربش قهوة بعد الساعة تمانية، وجسمه بيتعب لو فوت وجبة، وبيكره البرفانات الفاقعة. كنا بتمثل دور الزوجين المثاليين بشطارة لدرجة إن الكل افتكرنا عايشين في تبات ونبات. بس إحنا الاتنين بس اللي عارفين الحقيقة.. ورا باب أوضة النوم كان فيه أوضتين منفصلتين بينهم طارمة طويلة، ما حدش فينا خطى خطوة ناحية التاني فيها. إلا الليلة دي.. من ست أسابيع. بس خلاص، ده ما بقاش يفرق في حاجة.. ياسمين رجعت.
تاني يوم الصبح لما نزلت، كان عاصم مشي. البواب قال لي: بيه نزل على المطار من الساعة ستة الصبح.
وأنا بشرب كباية اللبن، إيدي وقفت في الهواء: المطار؟ أيوه يا هانم.
فتحت التليفون، كانت الأخبار كلها نازلة: ياسمين ترجع مصر رسمياً بعد غياب ثلاث سنين في فرنسا! ونازلة لها صورة وهي طالعة من المطار بنظارة شمس ونظرة غرور، ووراها راجل مش باين منه غير نص وشه بس أنا عرفته في ثانية.
التعليقات كانت مولعة:
هو مش ده عاصم بيه؟
يا لهوي! ده راح يستقبل حبيبته القديمة في المطار بنفسه؟
يا عم متجوز إيه، فريدة دي جوازة صالونات وعقد صوري!
قفلت التليفون ببرود. الدادة كانت واقفة جنب الطاولة ومحتارة: يا هانم…
رديت وأنا بخلص كباية اللبن: ولا يهمك يا دادة.. ابدأي من النهاردة جردي حاجتي وحضري الشنط.
الدادة اتخضت: ليه يا بنتي؟
ابتسمت لها: هعزل. وما تقوليش لعاصم، هو مشغول دلوقتي.
طلعت الأوضة وبدأت ألم حاجتي. ثلاث سنين اكتشفت إن مليش كراكيب كتير: هدومي، كام كتاب، وشوية مجوهرات. فتحت الخزنة الصغيرة، لقيت علبة قطيفة زرقا فيها توكة شعر قديمة على شكل وردة. دي كانت أول هدية يجيبهالي عاصم في عيد ميلادي الثمان طاشر. بصيت لها كام ثانية، وسبيتها مكانها في الخزنة وما أخدتهاش. فيه حاجات لما بتقعد كتير، بيبقى لازم نسيبها ونمشي.
التليفون رن، وجاتلي صورة. ياسمين قاعدة جوه عربية عاصم، وجاكتته على كتافها. ومكتوب تحتها: (شكراً إنك أخدتي بالك من عاصم في الثلاث سنين اللي فاتوا نيابة عني.
بعد عشر ثواني بعتت رسالة تانية: أنا في بيته دلوقتي.
ضحكت.. بصماتها سريعة أوي على الكيبورد. كتبت لها: ما فيش داعي للشكر، افتكري بس تقوليله يحول لي الفلوس في ميعادها.
سكتت وما ردتش، شكلها ما توقعتش الرد ده. وبعد دقيقة بعتت: هو أنتِ ما بتحبيهوش؟
بصيت للسؤال كتير، وفي الآخر كتبت: كنت. بس الكلام ده كان زمان أوي.
لسه ببعت الرسالة، لقيت باب الأوضة اتفتح بفجأة. عاصم كان واقف على الباب ومصدوم. بص لشنطة السفر المفتوحة على الأرض، وللهدوم المتطبقة على السرير، ووشه تحول لكتلة ثلج: أنتِ بتعملي إيه؟
رديت وأنا بكمل لَمّ: بلم حاجتي.. مش أنت شفت؟
قرب ودخل الأوضة: قصدي بتلميها ليه؟
استغربت سؤاله جداً: هو إحنا مش هنطلق؟
سكت وما نطقتش. كملت تطبيق الهدوم، فجه صوته بعد فترة: ومين قال لك تمشي دلوقتي؟
رفعت راسي وبصيت له: هو إحنا مش كده كده هنفترق؟ ولا أنت ناوي تجيب ياسمين تعيش معانا هنا؟ أنا معنديش مانع على فكرة!
رزع باب الدولاب بقوة لدرجة إن البيت اتنهز. وقفت مذهولة. عاصم حط إيده على الباب وهو بيبص لي بنظرة مرعبة: فريدة! ما تجيبيش سريتها بالنبرة دي!
بصيت له وفهمت في ثانية.. اتاري لسه بيغير عليها وبيحميها حتى مني. هزيت راسي وقلت بهدوء: تمام.. آسفة.
أول ما نطقت الكلمة، وشه اتعصب أكتر. وفي نفس اللحظة دي، تليفونه رن باسم “ياسمين”. أنا شفت الاسم، وهو عرف إني شفته. الغرفة سكتت تماماً. سبقته وقلت له: رد.. يمكن محتاجاك.
ما تحركش من مكانه، فلفيت كملت لمّ هدومي. في الآخر رد، وصوت ياسمين كان ناعم أوي وطالع من السماعة. ما عرفتش قالت إيه، بس عاصم كشر فجأة وقال: اثبتي مكانك.. أنا جايلك حالا.
قفل وسحب نفسه على الباب، وقبل ما يخرج بصلّي: ما تلميش حاجة تاني.. استني لما أرجع ونتكلم.
ورزع الباب وراه. بصيت للأوضة الفاضية، وبعد لحظة كملت قفل الشنطة بالسوستة. خلاص.. انتهت.
عيد ميلاد الجدة كان بعد ثلاثة أيام. كنت فاكرة إني همثل دور الزوجة المطيعة للمرة الأخيرة ونفضها، بس أول ما دخلت الصالة الكبيرة لقيت ياسمين واقفة جنبه بفساتين أبيض. المكان كله سكت، والكل عارف اللي حصل زمان وعارف الحكاية بيننا.
قربت مني وابتسمت: فريدة.. عاش من شافك.
رديت ببرود: أهلاً.. زمان عنك.
بصت لخاتم جوازي وقالت بصوت واطي: فتكرتك مش هتيجي.
قلت لها: وليه ما أجيش؟ ده عيد ميلاد الجدة، وبصفتي مرات حفيدها لازم أكون موجودة.
كلمة “مرات حفيدها” جمدت الابتسامة على وشها. وفي اللحظة دي ظهر عاصم وجيه ناحيتي على طول من غير ما يبص لياسمين، وبص لجزمتي بكعب وقال: أنتِ مش كنتي بتقولي بتدوخي؟ لابسة كعب عالي ليه؟
استغربت إنه افتكر. رديت: عادي.. شكله حلو.
كشر وطلب من الخدم يجيبوا لي جزمه واطية. الناس كلها كانت بتبص علينا، وياسمين عينها ما نزلتش من علينا. اتضايقت وقلت له بصوت واطي: عاصم.. ما فيش داعي للتمثيل ده.
سألني: تمثيل إيه؟ حب الزوجين ده.. بكرة آخر يوم بيننا.
عينيه أظلمت فجأة، وقبل ما ينطق، الجدة نادت علينا. مسكت إيدي وابتسمت: يا فريدة.. عدت ثلاث سنين، إمتى بقى هتفرحوني بعيل؟
اتجمت مكاني، ومن غير ما أحس حطيت إيدي على بطني. ثانية واحدة بس.. بس عاصم لقطها وعينيه نزلت على بطني فوراً: أنتِ…
ما لحقتش أرد، لأن صوت صريخة جه من ورا.. ياسمين أغمى عليها! المكان اتقلب، وعاصم بص ناحيتها ثانية واحدة بس.. وكانت كفيلة إنه يجري عليها ويرفعها بين إيديه قدام الكل ويطلع بيها على برة من غير ما يبص وراه.
بس ما وقفش. ضحكت في سري.. قبل ثلاث سنين أو بعد ثلاث سنين، ما فيش حاجة اتغيرت. الجدة مسكت إيدي وهي بتعيط، فوطيت عليها وقلت لها: يا تيتة.. بكرة أنا وعاصم هنطلق رسمياً.
إيدها اتجمدت، فخلعت خاتم جوازي وحطيته في إيدها بالراحة: سامحيني.. بس المرة دي مش هقدر أستنى أكتر من كده.
تاني يوم الصبح. قاعدة في مصلحة الأحوال الشخصية من الساعة تسعة. تسعة ونص.. عشرة.. أحد عشر.. وعاصم ما جاش. طلبت تليفونه ما بيلقطش، وفي المرة الثالثة رد المساعد بتاعه: يا فندم…
قلت له على طول: عاصم فين؟ في المستشفى مع ياسمين؟ ..أيوه يا فندم.
بصيت في الساعة.. كانت 11:17. ضحكت بمرارة وقلت له: تمام.. بلغه لو ما جاش قبل الساعة اثنا عشر، هرفع قضية طلاق خلع بنفسي.
الساعة 11:58. عربية مايباخ فرملت بصوت عالي قدام الباب. نزل عاصم بقميص مكرمش ووش زي الثلج وقرب مني: فريدة!
رفعت راسي: جيت؟
بص للورق اللي في إيدي وقال بغضب: هو أنتِ لازم تسوقي فيها وتوصليه للدرجة دي؟
قلت له باستغراب: مش ده اللي أنت عايزه من الأول؟
طلعت العقد اللي بيننا وحطيته قدامه: البند اثنا عشر: بعد ثلاث سنين، لو أي طرف طلب الطلاق، التاني ينفذ من غير شروط.. ده خط إيدك يا عاصم بيه.
فضل يبص لإمضائه وقت طويل، وبعدين سأل فجأة: ولاو قلت لك إني مش عايز أطلق؟
اتصدمت: إيه؟ العقد ده.. يلغى.
بصيت له كام ثانية وبعدين انفجرت في الضحك: عاصم! ياسمين رجعت خلاص.. بتثمل عليا ليه تاني؟
حدقة عينيه ضاقت، فمسكت القلم وحطيته في إيده: امضي.. مش هقف في طريقكم ولا هاخد أكتر من حقي، ومن بكرة هختفي من حياتك خالص.
كل كلمة كنت بقولها كانت بتخليه يتعصب أكتر، بس في الآخر مسك القلم وامضى بعنف كاد يقطع الورقة. بصيت للتوقيع ونفست ببراحة.. أخيراً الكابوس خلص.
أول ما خرجت، المطرة بدأت تنزل. وقفت تحت المظلة أطلب تاكسي، فجه عاصم من ورايا: أنا هوصلك. مش محتاجة. فريدة!
لفيت نفسي وبصيت له، لقيت نظرة في عينيه فكرتني بليلة ما شفته أول مرة وأنا عندي سبعة عشر سنة.
كان يوم مطر تاني. نفس المطر اللي خلاه زمان يرمي لي الفوطة.. بس إحنا الاتنين ما بقيناش نفس العيال بتوع زمان. ابتسمت له بهدوء: عاصم.. أتمنى لك ولها السعادة.


