عام

لست حبيبتي ل نرمين عادل همام ١

لفت له، فعينه جت على الحقيبة المفتوحة وإيديها. كان باين منها طرف ورقة بيضا مكتوب فيها بوضوح: عيادة النساء والتوليد – حمل في الأسبوع السادس والأربعة أيام

عاصم اتنح، وإيده اللي مسكاني اتشدت زي الحديد: إيه ده؟!

وطيت راسي، وقلبي كان هيقف.. شافها! قفلت الحقيبة بالراحة: دي حاجة ما تخصكش.

وشه اتغير كلياً وصوته خرج بحشرجة مكتومة: فريدة.. أنتِ حامل؟!

ما رديتش. سأل بحدة: من مين؟!

أول ما نطق الكلمة دي، انفجرت في الضحك من غير ما أحس. يعني دي أول حاجة جت في بالك؟! ما سألتنيش من إمتى؟ ما سألتنيش حاسة بإيه؟ سألتني: من مين؟!

بصيت للراجل اللي حبّيته خمس سنين كاملين، وفي ثانية، كل أثر للحب ده اتمسح من قلبي. سحبت صوابعه من على إيدي صباع صباع: اطمن.. ده مش عيل هتحمل مسؤوليته.

ركبت العربية وقفلت الباب. فضل عاصم واقف تحت المطر الغزير وشاحب زي الميت. طلع تليفونه وطلب المساعد، وصوته كان يرعب من البرودة: راجع جدول أعمال فريدة كله في الشهرين اللي فاتوا!

وقبل ما المساعد يرد، كمل بعصبية وحشرجة في صوته: لا لا.. مش جدول أعمالها! ادخل على حساباتي أنا.. افحصني أنا! شوفني عملت إيه.. الليلة اللي قبل ست أسابيع!

بس عقبال ما افتكر الليلة دي.. كانت الطائرة بيا طارت بعيد عن البلد كلها. والحاجة الوحيدة اللي سبتها في البيت اللي عشنا فيه ثلاث سنين، كانت توكة الورق اللي جابها لي في عيد ميلادي الثمان طاشر، ومعاها ورقة صغيرة مكتوب فيها جملة واحدة: “عاصم.. المرة دي مش هستناك تاني.”

بعد ثلاث ساعات. كان عاصم واقف في الأوضة الفاضية، ومسك ورقة السونار اللي الدادة لقتها تحت السرير. تاريخ الكشف كان نفس يوم ذكرى جوازنا.. اليوم اللي قال لي فيه: “ياسمين رجعت”. وفِي أسفل الورقة، كانت فيه ملاحظة مكتوبة بخط إيدي رسمت جنبها وش بيضحك: “هقوله الليلة دي.”

فضل باصص للورقة وقت طويل، وبعدين قعد على طرف السرير بالراحة. ولأول مرة في حياته، الراجل اللي طول عمره مغرور وبارد حس بكسرة ورعب حقيقي. لأنه دلوقتي بس فهم.. في الليلة دي، وقبل ما يقول لها “هي رجعت”.. كانت مراته ناوية تفاجئه إنها حامل في ابنهم. وفِي اللحظة دي بس، أدرك حاجة أرعب بكثير: هو.. ما كانش عايز يطلقها أصلاً.

الراجل اتساب ورا. عاصم عمره ما تخيل إن فيلته اللي مساحتها أكتر من ألف متر هتخليه يحس إنه بيتخنق جوه قفص. كان دايماً شايف إن فريدة ست هادية ومش بتاعة مشاكل. ما بتفتش في تليفونه، ما بتسألوش رايح فين ولا جاي منين ولا هيرجع إمتى، وحتى لما كان بيسافر شغل نص شهر، كان كل اللي بتبعته رسالة واحدة: افتكر تاكل في ميعادك.

كان بيشوف الهدوء ده مريح، لأنه مش محتاج يبرر ولا يشرح، ولا حتى يرد على مشاعر مش عايزها. بس النهاردة، لما حاجتها اختفت من الأوضة، اكتشف عاصم حاجة غريبة.. الست اللي افتكر إنها ما سابتش أي أثر في حياته، كانت موجودة في كل حتة!

الساعة اللي على الحيطة متقدمة خمس دقائق عشان هو دايماً بيصحى متأخر. درج المكتب فيه أدوية المعدة مقسمة في أكياس صغيرة ومعاها ورقة: ما تشربش سجاير ولا قهوة على معدة فاضية. على الرف، الملفات متستفة بالسنة. حتى كرافتته الرمادي المفضلة مغسولة ومكوية ومتعلقة في الدولاب.

فضل واقف قدام الدولاب كتير، وبعدين سأل الدادة: دادة.. الحاجات دي.. هي اللي كانت بتعملها؟

الدادة ردت: أيوه يا بيه.. كانت بتقول إنك ما بتحبش حد يلمس حاجتك الشخصية، فكانت بترتب كل حاجة بإيدها.

سكت عاصم، فكملت الدادة: في الحقيقة، الهانم كانت بتحبك أوي وتهتم بيك.. بس ما كانتش بتحب تتكلم.

كشر وقال: تهتم بي؟

أيوه.. اليوم اللي دخلت فيه المستشفى بسبب معدتك، فضلت صاحية طول الليل في الصالة.. واليوم اللي عملت فيه حادثة بالعربية كانت هي أول واحدة توصل.. والسنة اللي فاتت لما الشركة كانت في أزمة، باعت مجوهرات خاصة بيها عشان تجمع سيولة.

التفت عاصم بسرعة ومذهول: باعت مجوهرات؟! أيوه يا بيه.

عاصم ما كانش يعرف ده! كل اللي يذكره إن الشركة السنة اللي فاتت كان عندها أزمة سيولة، وفجأة اتضخ مبلغ من صندوق استثماري صغير حل الأزمة. لما سأل المساعد وقتها، قال له ده مستثمر خاص وما اهتمش.

طلع تليفونه فوراً واتصل بالمساعد: طارق! أيوه يا عاصم بيه. اتأكد لي من الصندوق اللي استثمر معانا السنة اللي فاتت.. مين المالك الحقيقي له؟

بعد عشر دقائق، اتصل المساعد وصوته متردد: عاصم بيه… أنطق! المالك المستفيد الأخير من الشركة دي… هي الهانم.. فريدة هانم.

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى