قصص وروايات

عشق الصخر ل شيماء عصمت

“بابا.. أرجوك، متعملش فيا كده.. متسلمنيش ليه! ده إنسان أنا ماعرفوش أساساً، ولا عمري شفته في حياتي! ليه أتحمل نتيجة غلطك أنت وتجارتك؟ أرجوك مترمنيش الرمية دي! أنا بسمع عن الإنسان ده حاجات تخوف، بيقولوا عنه رجل أعمال غامض وقاسي.. أنت ليه بتعمل فيا كده، أنا ذنبي إيه؟ لو سمحت خليني هنا، اعمل فيا أي حاجة واحرمني من كل حاجة، بس متباعنيش بالطريقة دي أرجوك!”

 

قالت عشق هذه الكلمات وهي تترجى أباها بانهيار تام، كانت راكعة على أرضية الغرفة الباردة، ماسكة بطرف كمه تترجاه بدموع حارقة.

لكن ناصر، الذي كانت الديون تطوق رقبته وتكاد تفقده عقله وكيانه، لم يرف له جفن. رد ببرود وقسوة ظاهرية ليخفي بها ضعفه وخوفه من السجن والانهيار: “انتي عايزاني أعمل إيه يا عشق؟ أسيبهم يحبسوني؟ انتي عايزة أبوكي يدخل السجن ويقضي بقية عمره خلف القضبان؟ دا اللي همك؟ ولا همك نفسك وبس؟”

عشق بحزن وصوت مكسور يقطر مرارة: “لا طبعاً يا بابا، مش عايزة حضرتك تتحبس، ده أنت أبي وسندي.. بس مش عايزة أتجوز الشخص ده أرجوك! أنا ماعرفوش! طب أشمعنى أنا اللي عايز تجوزني ليه؟ مع أن مايا أختي الكبيرة موجودة! ليه وقع الاختيار عليا أنا؟ دا حتى أنا لسه مخلصتش جامعتي ومستقبلي كله قدامي!”

وكملت بتوسل أعمق وهي تقترب من قدميه: “أرجوك يا بابا، أنا هشتغل وهعمل أي حاجة، ممكن نبيع القصر ده بكل ما فيه وتدفع الديون اللي عليك كلها، بس أرجوك بلاش الجوازة دي، أنا خايفة!”

ناصر بعصبية شديدة، سحب يده من بين أيديها بقوة وكأنه يتخلص من عبء ثقيل: “انتي هتفضلي غبية وسطحية لحد أمتا؟ القصر ده لوحده مش هيسدد عُشر الديون اللي عليا، انتي فاهمة ولا لأ؟ انتي عارفة أنا عليا كام؟ عليا مئة مليون! عارفة يعني ايه مئة مليون جنيه يا هانم؟! وبعدين إيه الأنانية المطلقة اللي انتي فيها دي؟ عندك استعداد تضحي بيا أنا وبمستقبلي عشان تنقذي نفسك من جوازة؟ إيه الجحود اللي في قلبك ده كله؟ وبعدين متنسيش إنك في النهاية مش بنتي البيولوجية الوحيدة بنفس القدر، دي بنت مراتي.. من بكره الصبح هيتم كتب الكتاب، جهزي نفسك، ده آخر كلام عندي، وكفاية الدراما الرخيصة اللي إنتِ عملاها دي، صدعتيني!”

قال كلامه بمنتهي الجفاء والقسوة، وتركها واقفة متجمدة مكانها، وخرج من الغرفة مقبضاً الباب خلفه بقوة، ولا كأنها ابنته وحته من قلبه. كيف لأب أن يتخلى عن ابنته بهذه السهولة المرعبة؟! كيف يبيعها لتسوية مشاكله المالية؟!

هذا ما فكرت فيه عشق قبل أن تنهار كلياً وتتراجع للوراء لتجلس على الأرض، ضائعة بين ملايين الأسئلة بلا إجابة شافية.

لماذا يضحي بها أبوها هكذا؟ ضحكت بترييق مرير من بين دموعها؛ فأبوها لم يحبها قط منذ ولادتها. أمها توفيت وهي تضعها، ومنذ ذلك اليوم وبيتها خلا من أي ذكرى لأمها، حتى صورها غير موجودة. كانت دائماً تسأل عنها فيغضب ويحرمها من أبسط حقوقها كطفلة تسأل عن أمها. تذكرت اليوم الذي دخل فيه ناصر القصر ومعاره (ناريمان) مراتها أو بمعني أصح (الساحرة الشريرة) كما كانت تسميها في صغرها. وقتها كانت فرحانة؛ أخيراً سيكون لها أم كباقي زملائها، لكن للاسف كانت ناريمان وبنتها (مايا) أسوأ ما يمكن؛ يأخذن ملابسها، يقطعن كتبها، ويذهبن لشكوى ناصر بأنها سيئة الأدب.

كبرت عشق وهي تتمنى نظرة حب واحدة من أبيها، لكنها لم تجد سوى القسوة. كانت تذاكر وتجتهد لتكون من الاوائل فقط لكي يفتخر بها فيحبها، لكن بلا فائدة.

لم تعد تملك أحداً، لمعت عينيها وهي تفتكر (سيف).. نعم، حبيبها الذي اعترف لها بحبه في أول سنة لها في الجامعة ووعدها بأنه سيتقدم لها رسمياً فور انتهائه من دراسته. قامت بسرعة ولهفة تبحث عن هاتفها المتصلب بين يديه، متشبثة بأمل وهمي أن سيف سينقذها كما يحدث في الروايات.

الفصل الثاني: في قصر السيوفي وتخطيطات الكبار
في المقابل، وفي قلب العاصمة، كان هناك قصر آخر مختلف تماماً، قصر “صخر السيوفي”، الرجل الذي يخافه الجميع ويهابون اسمه في عالم الأعمال، والكل يتحدث عن نفوذه وقوته الهائلة التي بناها في سنوات معدودة.

كان صخر جالساً بمكتبه الفخم بهيبته المعتادة، ملامحه حادة كالصخر، وعيناه تمسحان الأوراق أمامه بتركيز تام، وإلى جواره صديقه الوفي ودراعه الأيمن “علي”.

صخر بجدية وصوت هادئ يحمل نبرة أمر: “يا علي، هل كل تجهيزات الفرح خلصت زي ما طلبت؟”
علي وهو يراجع ملفاً إلكترونياً: “كل حاجة تمام يا صخر، الترتيبات الأمنية على أعلى مستوى، والمأذون تم تأكيد حضوره، والقصر مستعد بالكامل.”
صخر بتأكيد: “تأكد تماماً إن مفيش ولا خطأ صغير، دي أول مرة هظهر فيها رسمياً قدام الإعلام والصحافة ورجال الأعمال، أي خطأ معناه خسارة استراتيجية وأنا مش هسمح بكده.”
علي بابتسامة خفيفة: “اطمئن يا ريس، كل حاجة محسوبة بدقة. بس.. حب أطمن، عشق أخبارها إيه مع أبوها؟”
صخر بجمود: “ناصر عمران بلغها النهاردة باتفاق الجواز وأن بكرة كتب الكتاب.. كل حاجة ماشية زي الخطط المرسومة.”
علي بتردد: “بس الشاب اللي اسمه سيف.. هل ممكن يعمل مشاكل؟”

قاطعه صخر بنبرة حادة وصارمة كالسيف: “سيف ده صفحة وانتهت.. روح يا علي ظبط الباقي ومش عايز أي تقصير.”

الفصل الثالث: خديعة الحبيب ووهم النجاة
في تلك الأثناء، كانت عشق قد تواصلت مع “سيف” عبر الهاتف بعد أن نجحت في الخروج من القصر بذكاء طفولي بريء (حيث وضعت وسادة تحت الغطاء لتوهن الحراس وناريمان أنها نائمة). كانت تظن أنه المنقذ الوحيد، الفارس الذي سيأخذ بيدها ويخرجها من هذا الكابوس المظلم.

التقيا في ردهة أحد الفنادق الكبرى الهادئة نسبياً. كانت ترتجف خوفاً وتوتراً، وما إن رأته حتى اقتربت منه بلهفة ودموعها تسيل على وجنتيها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى