قصص وروايات

سجينتى الحسناء

الفصل الرابع

أصبت بالعمى، ليس عمى عضويًا ولكنني حين أحببت أُسدل الستار على عينيّ فلم أعد أفرق بين النور والظلام، بين الصواب والخطأ حتى أنني تناسيت حياتي قبل عشقه وأسلمته كل ما لي، أسلمته روحي ونفسي وقلبي وحياتي ولكنّه في النهاية خانني وخان ثقتي به وها أنا ذا أتجرع مرارته وحدي.

……………….. من خواطري أسماء عادل المصري

عادت تتهادى بعرج تستند على الحوائط المهترئة مطرقة رأسها لأسفل وبجوارها إحدى السجانات تقودها لعنبرها بعد أن صرّح لها الطبيب بالعودة.

لمحها سيف بهذا الشكل فوقف قبالتها ونظر لها بتدقيق وهتف آمرًا:
رايحة بيها فين يا شاويش؟

أجابته الأخيرة باحترام:
على العنبر بتاعها يا باشا، الدكتور سمح لها ترجع.

أومأ باقتضاب وفور استئنافهما السير أوقفهما مرة أخرى بصوته الحاد:
فهمي السجينات اللي عندها في العنبر ان لو حد اقترب منها انا بنفسي سأكون موجودًا وأساعده….فاهمة!

باحترام وتوقير أجابته بالموافقة وذهبت برفقتها وعيونه مرتكزة عليها لا يعلم لما شعر بألمها فهي منذ ثلاثة أيام تضطجع بالرعاية لا تهدأ ولا تنام إلا بالمهدئات.

فور دلوفها وبعد تنبيه السجّانة للمسجونات اقتربت منها لواحظ ورددت بتهكم صريح:
بس طلعتي جدعة يا كيرلي…. انا كنت فاكره انك حتبلغي عننا طوالى، بس طلعتي جدعة يا بت.

نظرت لها بانكسار واحمرار مقلتيها وسارت بعرج ناحية فراشها فعادت لتوقفها لواحظ:
هو انتي عاملة كده ليه؟ ما احنا عرفنا يا اختي انك مش بنت بنوت، وانا اللي كنت فاكره اني شفيت غليلي منك، بس طلعتي ميه من تحت تبن.

أغمضت عينها بصمت وأكملت سيرها باتجاه فراشها لتتكور حول نفسها بوضعية الجنين تحاول أن تنفصل عن عالمها بعد أن علمت بفظاعة الحياة.

فلاش باك

خرجت من المرحاض عيناها تلمع ببريق السعادة فاقتربت منه وهو متكئ على الفراش وانحنت تقبله برقة فابتسم وهو يبادلها القبلات فسحبها بمهارة ولكنها تمنعت عنه بدلال فهمس بأذنها:
بحبك.

انتشت بفرحة وأخذت تتحسس بشرته وتحتضن عنقه وهو يقبلها بهيام واندماج وظل على حالته حتى أوقفه كلماتها الهامسة:
انا حامل.

ارتفع بجسده وهو يستند على ساعديه ينظر لها بدهشة فأردفت:
انت اتضايقت؟

أومأ رافضًا وانحنى يقبلها مرة أخرى وعاد ينظر لوجهها النضر وهتف بتساؤل:
اتأكدتي؟

أومأت مؤكدة وهي تفتح يدها ليظهر منه اختبار الحمل فسحب نفسًا عميقًا وزفره بتنهيدة فقضمت شفتاها بتوتر ملحوظ لتردد:
طيب قولي مالك؟

أجابها ببسمة مصطنعة:
الوقت بس مش مناسب، مكنتش متخيل ان الحمل ممكن يحصل بسرعة كده.

رمقته بنظرات تعجبية حزينة فردد بسرعة يشرح لها:
انا مش قصدي…. انتي عارفه ان ابو جيهان لسه متوفى من اسبوعين ودلوقتي بقى لازم اعرفها بجوازي.

صمت ليعتدل بجلسته وهو يهتف:
خبطتين في الراس توجع يا دارين، وانا مش عايز أوجعها.

ربتت عليه بتفهم ورددت:
خلاص مش لازم تعرف دلوقتي.

أجابها بتفكير:
مش عارف، يمكن لو قلتلها متأخر يكون رد فعلها أسوأ من لو عرفت بدري…انتي فهماني؟

أومأت له بتفهم وهتفت بحب:
انا معاك في أي حاجة يا حبيبي واللي انت شايفه صح اعمله.

عودة

ظلت تبكي وتبكي حتى استمعت باقي السجينات لنواحها فهدرت إحداهن:
ما كفاية بقى مش عارفين ننام.

تململت في فراشها بقهر وحزن حتى اقتربت منها سيدة تربت على ظهرها وتهتف بمودة:
كله حيعدي يا حبيبتي….استهدي بالله.

اعتدلت بجسدها على الفراش ومسحت عبراتها ونظرت لها بتمعن وقررت التحدث بالنهاية فرددت:
انا سمعت انك بتعرفي تدخلي حاجات للحبس هنا؟

ابتسمت سيدة باعوجاج فمها وهتفت وهي تتفاخر بنفسها:
أيوه امال ايه؟ انا هنا مسؤولة العلاقات الخارجية، أي حاجة حتعوزيها حجيبهالك…..ان شاء الله لبن العصفور بس كله بحسابه طبعًا.

أومأت بتفهم فرددت دارين هامسة:
طيب انا عايزة موبايل.

مصمصت شفتاها بسوقية وهتفت:
موبايل حتة واحدة…..طيب قولي عايزة اعمل مكالمة، مش موبايل، انتي متعرفيش ده حيكلفك كام؟

زفرت بضيق وهتفت بتأكيد:
زي ما يتكلف، المهم عايزاه ضروري….ولحد ما ييجي عايزة اعمل مكالمة.

ابتسمت سيدة وأخرجت الهاتف المحمول من صدرها تعطيه لها وهي تردد:
بس كده….من عنيا الجوز، المكالمة بجنيه.

ابتلعت لعابها بحرج وهتفت:
بس انا معيش فلوس دلوقتي، بابا سايب لي فلوس في الكانتين، بكرة اسحبهم واديهوملك.

سحبت منها الهاتف بسرعة ورددت بتأكيد:
لا يا عنيا، انا مش بشكك بمعنى لا تقسط.

رددت دارين بتوسل:
معلش، والله بكرة الصبح فلوس المكالمة حتكون عندك.

أجابتها سيدة بيقين:
مين قال لك ان الكانتين حيسيبك تاخدي الفلوس؟ انتي متقدريش تاخدي منهم إلا بضاعة.

أومأت مؤكدة على حديثها ورددت:
أيوه منا عارفه…. ما انا حجيبلك بيهم سجاير مش انتي قلتي ان السجاير هنا كأنها فلوس؟

ضحكت عاليًا وهتفت:
وحعمل بالسجاير ايه يا عنيا، إذا كنت انا اللي بدخل السجاير هنا، اخد بتاعه الكانتين اللي تمنها الضعف؟

زفرت دارين باستسلام وهتفت:
طيب احلها ازاي؟

أجابتها على الفور:
انا حخليكي تتكلمي خدمة مني ليكي، ولما ييجي وقت انك ترديلي الخدمة دي ساعتها حطلب منك ده، ها ايه رايك؟

وافقت دون تفكير وأخذت منها الهاتف لتتحدث معه علّها تفهم ما حدث وكيف آلت بها الأمور لما هي عليه الآن.

دلفت المرحاض الملحق بالعنبر واتصلت برقمه فأجاب بعدة رنات لتستمع لصوته يهتف:
السلام عليكم…. ألو! مين معايا؟

السابق1 من 5
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى