قصص وروايات

نيران إنتقامه ل اميره انور

جلست بحديقة الفيلا تفكر في أحفادها. كلهم بداخله ألم كبير للدرجة التي جعلت قلبها يتألم من الداخل. كادت أن تصاب بأزمة قلبية من الحزن. تعيش من أجلهم فقط. وضعت بتلك اللحظة إحدى الخدامات يدها على كتفها وقالت بتساؤل:

مين مزعلك يا ست هانم؟

تنهدت بشدة ثم أجابتها بوجع:

والله يا جميلة خائفة على جواد ومريم، حياتهم بقت مرة. كل واحد فيهم جواه وجع كبير أوي.

أمسكت جميلة بيدها، حيث تعلم ما يدور برأس تلك السيدة العجوز. هي لا تريد إلا الاستقرار لأحفادها. طمأنتها:

بكرا سي جواد يتجوز وتطمني عليه، وست مريم وهي مبسوطة مع جوزها، وربنا يفرحهم دايماً ودايماً.

هزت رأسها بلا، وكأن قلبها يقول غير ذلك:

حاسة إنها زعلانة من حاجة. بفكر أعزمها بكرا هي وجوزها واتكلم معاها أو أروح لها.

ابتسمت جميلة ثم قالت بتمني:

إن شاء الله ما فيش حاجة يا ست حكمت.

بلهفة شديدة قالت:

يارب يا بنتي يارب.

قام من مكانه يتفحص ملابسها ووقفتها وأسلوبها بالحديث، وبغرور شديد قال:

والله يا دكتور أحمد أتمنى أصلي وصلت للي أنا فيه في فترة صغيرة جداً.

وكأنه يتحدها بحديثه، من هذا ليتحدث معها بتلك الطريقة التي تظهر مدى غروره الشديد. ابتسمت بسخرية ثم رفعت حاجبها وتقدمت بأقدامها قليلاً للأمام بالقرب منه تحديداً، ردت عليه بكل تحدي:

لا هكون أحسن كمان. مش شرط إني أنجح في وقت قصير، وساعتها مش هبقى مغرورة زيك؛ عشان الغرور بيخلي صاحبه يرجع زي ما كان!

بداخله بركان من الغضب. لم يتجرأ أحد على الوقوف بتلك الطريقة أمامه، ولكنها تحدته. لن يختار تلك الفتاة. أخذ القرار وانتهى الأمر. تحدث أخيراً وقال:

دكتور أحمد، لو فعلاً شاطرة كانت ورتني شاطرتها بالفعل مش بالكلام.

رد عليه مهاب عميد الكلية بثقة:

لا يا جواد بيه، فعلاً يقين ممتازة.

أيد حديثه الدكتور أحمد الذي قال بفخر:

فعلاً، وبعدين ومن غير زعل يا جواد، هي أشطر منك.

لا يستطيع أن يتحمل كلامهم عنها. أول مرة يتقارن مع أحد يمدحون فيها، وقد نسوا ما فعله من أجل كليتهم وطلابهم. ابتسم بسخرية ثم قال بخبث:

يا جماعة خلاص هقبلها عشانكم، مش لازم بقى تمدحوها قدامي. آه مش بحب الواسطة، بس بحبكم ومش هرفض لكم طلب.

ضحكت بعلو، تناست وجود المحاضرين، فقالت بثقة:

لا متختارنيش. عارف ليه؟ عشان إنت جاي توري الناس نفسك بس، ومبسوط بكلامهم ونافش ريشك عليهم، محسسهم إنك عامل ليهم جميلة، مع إنك أكيد مش هتعمل مشروعك دا إلا وإنت أكيد عارف إنك هتكسب منه. أنا مطلبتش من حد يرشحني ليك، ومش مستنية. مع العذر ليهم، أصل أنا واثقة في نفسي.

صمتت قليلاً عن الحديث لكي تأخذ أنفاسها، ومن ثم أكملت ببرود:

أنا هطلع وداخل المحاضرة اللي هتكون فيها، وتشوف الدرجات بتاعتي، وتسألنا وأنا جاهزة لكل أسئلتك. مع إني حاسة إني ضيعت وقتي وجيت على الفاضي.

حدقت بدكاترتها ببسمة صغيرة ثم وباستئذان قالت:

عن إذنكم، أنا كنت جاية أشوف حضرتك يا دكتور مهاب زي ما حضرتك قولتلي. عن إذن حضرتك إنت ودكتور أحمد.

خرجت من المكتب بينما هو فمازال ينظر لها. ولطيفها بدأ يتابعها من خلف زجاج النافذة الشفاف. لا تنتظر للخلف، تسير وهي قوية وواثقة من نفسها، متمردة بشدة وليست ضعيفة أبداً. لاحت بسمة ساخرة على وجهه، حيث أنها كانت محقة حين قالت بأن وراء مشروعه هذا غاية قوية. ولأول مرة ينحني أمام ذكاء امرأة.

انتبه إلى مهاب الذي قال بأسف:

معلش يا جواد بيه، هي بس مندفعة شوية.

رفع يده حتى يصمت ثم قال باقتضاب:

لا عادي، أنا بس عاوز أشوف ذكاءها دا كلام وبس ولا أفعال.

جلس جميع أفراد عائلته على مائدة الإفطار. كان يفكر هل يفتح معهم الموضوع الذي يشغله بشدة أم لا. انتبه بتلك اللحظة لصوت أمه التي قالت بقلق:

مالك يا شريف؟ مشغول بالك في إيه؟

نظر لها برهبة من ردت فعلها. تحدث بنبرة جادة:

ماما، بابا، أنا ابنكم الوحيد صح؟

حدق به والده بسخرية ثم رد:

لا، كنا لاقينك على باب جامع.

ثم غير نبرته وقال بصرامة:

يا بني ما تخلص وتقول اللي في بالك، خلينا نخلص.

تنهد بقوة ونظر إليهم، فوجدهم تركوا طعامهم ونظروا إليه مستعدين لسماع ما سيقوله. شبك يده ببعضهم، لا يعلم من أين سيبدأ. سعل بتوتر ومن ثم أخبرهم:

ماما، بابا، أنا عاوز اتجوز.

ابتسمت والدته بسعادة؛ فهي تتمنى الاستقرار لابنها. نظرت لزوجها وقالت بفرحة:

سمعت اللي قاله شريف يا وليد؟

هز وليد رأسه، ملامحه مازالت متماسكة، لم يظهر حتى الآن السعادة لزواج ابنه الوحيد. رد على زوجته بهدوء:

سمعت يا فاطمة، سمعت. بس خلينا نفهم هي مين، ولا عاوزنا احنا نخطبله؟

تحولت أنظار فاطمة نحو ابنها وسألته بلهفة:

هي مين؟ نعرفها، ولا إنت عاوزنا نخطبلك إحنا؟

لم تمهله الفرصة حتى يرد عليها. نظرت إلى زوجها وقالت:

طنط حكمت يا وليد عندها واحدة صاحبتها جوزها عنده أكبر محل لبيع السيارات، دا غير المشاريع اللي عنده. الست دي عندها بنتين، بكرا هقابلهم في النادي واتكلم معاها، وهشوف بنتها، واللي ابنك يختارها اتكلم عليها.

تأفف شريف بقوة. قام من مقعده حتى ينتبهوا له وينهوا حديثهم. حدقت به أمه وقالت:

قومت ليه يا حبيبي؟

رد عليها بكل هدوء:

ماما، أنا لو كنت عاوز اتجوز بالطريقة اللي إنتي بتقولي عليها دي، فأنت جبتي عرايس كتير، حتى كان زماني مختار أول واحدة فيهم.

ابتلعت ما في حلقها ثم اتجهت نحوه ووضعت يدها على كتفه وقالت بفضول:

يعني بتحب حد؟ طيب البنت دي اسمها إيه؟ من عيلة مين؟

انفعل من حديثها، شعر بالغضب. كل ما يهمهم المستوى الاجتماعي. لم ينظروا قط إلى قلبه الذي يتألم عشقاً لحبيبته. تحدث أخيراً بنبرة رافضة لحديثهم هذا:

البنت دي زميلة في الشغل، بحبها جداً، وهي كمان حاسس إنها بتحبني.

وضع وليد لقمة صغيرة من الجبن في فمه ثم ببرود قال:

يعني هي من عيلة كبيرة؟ بس زيك رافضة تشتغل مع أبوها في شركته، ولا هي صاحبة المطعم اللي إنت شغال فيه؟

كانت والدته تنتظر رده، تحدق به بخوف شديد. أصيب قلبها بالهلع من تفكير واختيارات ابنها الغير صالحة لهم. بينما شريف فرد بانفعال:

كفاية إني بحبها. هي ولا بتملك مطعم ولا عندها شركة. هي من حي شعبي بسيط، حبيت بساطتها جداً.

جلست والدته بصدمة على مقعدها، بينما وليد قال بغضب:

اتفضلي ابنك يا هانم! بدل ما يزيد وضعنا الاجتماعي، رايح يحب واحدة من الشارع. الموضوع دا تشيله من دماغك.

أنهى حديثه ثم قام وتركهم، بينما شريف صرخ بتمرد:

المفروض تزيد سعادة ابنك، مش وضعك الاجتماعي.

بحبك!

فزعت حين رأته خلفها. لم تشعر به. وضعت يدها على قلبها ثم قالت بغضب:

في حد يفزع حد كدا؟ فيه إيه يا علي؟ مالك اليومين دول قرفني ليه ومش سايبني في حالي؟

الأكل اتحرق، ما تتعبيش نفسك. أنا مش جعان، هدخل أنام وما أصحى هنزل أكل مع ماما تحت.

استدارت للخلف فوجدته يعطيها ظهره. كادت أن تضع يدها على كتفه ولكنها تراجعت، فقط قالت له:

هرمي اللي اتحرق وأعملك آكل تاني.

رفض بشدة حيث قال بصرامة:

لا، أنا هاكل تحت. واعملي حسابك ماما حاسة إنك زعلانة منهم، فياريت تنزلي تقعدي معاها على العصر، هنقعد تحت شوية.

خرج من المطبخ. نظرت له فوجدته يدلف في غرفة أخرى غير غرفتهم. علمت من فعلته أنه انجرح منها بشدة ولن يعود إلا إذا اعتذرت منه. تحدثت بحزن:

سامحني يا حبيبي، بس أنا مش عاوزة أكون أنانية معاك أو مع عيلتك. من حقكم يبقى عندك ولد يشيل اسم العيلة ويملأ حياتكم سعادة.

نزلت دموعها وببكاء شديد قالت:

لازم تتجوز وتقبل بالوضع دا.

نظرت له بخوف شديد. كيف لها أن تبرر موقفها الآن؟ أغمضت عيناها بخوف ثم قالت بتلعثم:

ااا اسم…ع…ن…يي ب…س.

رد عليها بجموح:

اسمعك… اسمع إيه؟ ما أنا سمعت خلاص.

أمسكها من ملابسها ثم باستهجان قال:

مش دا قميص النوم اللي ملبستهوش ليا أبداً؟ ما تنطقي، ومش أنا جوزك المغفل اللي جوزكي ليه.

بكت بشدة، خائفة من مجتمعها إذا علم أحد سيناديها بالمخطئة. أبوها سيقتلها إذا علم، من الممكن أن يضايقها. عادل وحينها لن يأخذ ساعة خلف المساءلة؛ فالزانية تقتل من زوجها وعائلتها ومجتمعها.

تحدثت برجاء:

عادل، باللي عليك ما تقولش لحد. طلقني وجيب الحق عليا.

ابتسم بسخرية ثم قال بتهكم:

ليه؟ إنتي عاوزاني مثلاً أجيب العيب عليا أنا؟ بقى هخلي اللي يشتري يتفرج عليكي على قد ما ريحتك، وطاعنتيني على قد ما هعذبك. هتشوفي مني اللي عمرك ما شوفتيه.

يا هايدي، أنا مش هريحك واطلقك وسيبك له أبداً. دا هيكون بعينك. أنا يوم ما سيبك هتكوني منتهية.

أنهى حديثه ثم أمسكها بقوة من معصمها، لم يبالِ لصرخاتها:

بالله عليك يا عادل، سبني، بالله عليك ارحمني.

أحمرت مقلتيه من الغضب، تعلقت الدموع بها. يشعر بأن قلبه يتألم من فعلتها، ولن يسامحها أبداً. مشاعرها الكاذبة أرهقته، وهو سينتقم، وحين ينتقم القلب يكون أقوى من انتقام العقل بمراحل.

كانت تحاول بشدة أن تسحب معصمها من يده، ولكنها لم تستطع. كان يسرع بالسير وهي تثقل حركتها حتى لا يستطيع أن يمسكها، ولكن كرامته كانت أقوى من أي شيء. احتك شخصها بالأرض وهو لا يستسلم إلا أن وصل إلى غرفة بعيدة بحديقة منزله. صرخت برفض:

لاااا، إلا الأوضة دي، بترجاك يا عادل، عشان خاطري.

فتح الغرفة وأجلسها بها ليبدأ محاسبته التي توعد بها.

الأصوات عالية بشدة، الجميع غير جالسين بمقاعدهم في حالة من الهرج. تحدث بين الطلاب، جلست يقين في مقعدها بثقة وهدوء، التركيز خلفها عكس جميع الطلاب. بتلك اللحظة وضعت صديقتها يدها على معصمها وقالت بتساؤل:

مبوزة ليه؟ وقاعدة مركزة على البورد أوي ليه؟

مازالت تنظر على المكان الذي يشرح به المحاضر، نظرات ثاقبة، تريد اصطياد الهدف فقط، الهدف. ردت بهدوء:

روحت يا فرحة. الدكتور كان عاوز يعرفني على جواد بيه.

بهيام شديد ولهفة كبيرة لرؤيته تحدثت فرحة:

عامل إزاي يا يقين؟ أنا عارفة إنه حلو، بس شخصيته أكيد هو شخصية محترمة جداً. أصل مافيش حد يعمل حاجة زي كدا إلا إذا كان محترم وابن ناس.

تنهدت يقين بقوة ثم ابتسمت بسخرية وقالت:

شخصية محترمة جدا!

شعرت فرحة بسخرية صديقتها فقالت بفضول:

هو عملك حاجة؟

نظرت لها يقين بحد ومن ثم قالت بانفعال:

محدش يقدر يا فرحة، وإنتي عارفة كويس كدا. بس أنا حابة أركز.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى