
توقف عن الحديث قليلاً، تفكر في شيء ما. تثق بشدة إنه سيحدث. حين صمتت هكذا شعرت فرحة بأن هناك خطب ما حدث معها. وضعت يدها على كتفها مرة أخرى ثم قالت بقلق واضح:
إيه اللي شغال بالك يا يقين؟
نظرت لها يقين وكادت أن ترد، ولكن سمعت أحد يقول ببرود:
أنا اللي شاغل بالها.
وضع يده على جمجمته، الصداع احتل رأسه، لا يستطيع أن يفكر. كل شيء مشوه أمام عينه. أغمض مقلتيه بقوة ثم قال بغضب:
المفروض إني أقف أتفرج عليها بدل ما أضايقها؟
جذ على أنيابه بحد، كلما تذكر هذا المشهد الذي حدث من قبل. كيف فعلت هذا؟ هو كان مخلصاً لها بشدة، أخلص لحبه لها، أخلص لحياتهم الزوجية. عاملها بالمودة والرحمة. كانت زوجته كل شيء بحياته. فعل كل كتب في الأديان التي نزلت على عيسى وموسى ومحمد. لا يستطيع أن يصدق. يسمع صرخاتها ويود أن يفتح هذا المكان الذي وضعها به، ولكن قلبه تصلب، ولأول مرة لا يقلق عليها. ضميره فقط من يقول له أن يعطيها حريتها، ولكن انتاب قلبه جمرات من الضيق التي لا ترحم صاحبها. انتهى كل شيء. عادل الحنون غاب في رحلة من الغدر، والآن ولد عادل المسؤول عن المحاسبة.
قام من مكانه واتجه نحو سيارته، صعد بها وانطلق بأقصى سرعة إلى متجر لبيع الأشياء المحرمة. ولحسن حظه كما يشعر كان المتجر مفتوحاً، ولكن هذا أسوأ الحظوظ التي يلقيها الوسواس أمامه.
أوقف مكبح السيارة فصدر صوت قوي نتيجة للاحتكاك الذي حدث مع الأرض والسيارة. نزل منها ودفع باب سيارته بشدة. دلف للمتجر وأمر العامل:
عاوز أقوى حاجة عندك، عاوز حاجة تهدي وجعي، بس ما تنسنيش أي حاجة حصلت معايا.
كان يقول حديثه وعينه تنزف دموع الوجع، ظهر على وجهه بشدة.
رد عليه العامل بالمتجر وقال ببسمة تجامله:
أيوا يا فندم، عندنا نوع حلو جداً، بس غالي شوية.
هز رأسه وصرخ بانفعال:
أنا قولتلك عاوزه، رخيص، خلصني بقولك.
جلست شاردة في ابنها الوحيد وزوجته. وضع زوجها يده على كتفها وسألها بحنو:
مالك يا نبيلة؟
تنهدت بقوة ثم نظرت له بخوف شديد. فقط هي من تشعر بما يحدث مع أولادها. دمعت عيناها بشدة، الهلع الذي يصيبها لا يشعر به غيرها. وأخيراً أجابته:
علي بقاله فترة مهموم، حتى مريم مابقتش زي الأول.
هز زوجها رأسه، حيث يوافقها على ما تقوله. نعم ابنه في هذه الفترة يشرد كثيراً. بضيق شديد رد عليها:
وأنا حاسس بكدا. لحد الشهر اللي فات، لحد الشهر دا، ومريم كانت بتنزل زي الفراشة الجميلة، تضحك وتهزر، وابنك كان بيضحك على جنانها. بقيت حاسس إن البيت خالي من السعادة.
اقتربت منه ثم احتوتها حتى تشعر بالطمأنينة. تحدثت بحزن جم:
أنا مش عارفة إيه اللي حصل لهم يا مراد. الخوف عليهم تعبني. أنا هتصل بطنط حكمت أسألها عليهم، يمكن مريم حكيت ليها حاجة.
لم يعتقد ذلك، يعلم جيداً تفكير ابنه. أخبرها بهدوء:
لا، ابنك مش بيطلع، ولا هو ولا مراته. أسرارهم برا أوضتهم.
بنبرة جادة قالت:
أنا كرهت اليوم اللي عملتهم شقة فوق الفيلا وفصلتهم عني. كان زماني شايفهم هنا. ابنك بينزل الصبح بيرجع بليل، أو بليل ويرجع الصبح، وهي مش بتنزل خالص.
فكر مراد بقوة، يريد أن يجد الإجابة التي يخفوها أولادهم. قام من مكانه وجاب الغرفة يميناً ويساراً، إلا أن جاء بذهنه الإجابة والتي اقتنع بها بشدة. تحدث بلهفة وأجابها:
آخر مرة يا نبيلة كانوا راحين لدكتورة النساء، وساعتها مريم كانت حاسة إنها حامل. مش يمكن بسبب الخلفة وتأخرها؟
هزت رأسها بعدم اقتناع. يجوب فقط بعقلها سؤال واحد: ما يحزنهم لتأخير الخلفة؟ ردت على زوجها برفض لما يقول:
لا يا مراد، معتقدش. يا شيخ لا، هما لسة متجوزين من سنتين، قدمهم العمر كبير؟ أنا حاسهم متخانقين، أو يمكن ضحى السبب.
جلس حبيس في غرفتها، لا يعلم ما يحدث مع عائلته لما هما هكذا. ليس المال كل شيء. يتمنى أن يهرب من عالمهم هذا، ذلك العالم الذي لا يعرف معنى المشاعر الصادقة، لا يعلم غير المال والواسطة، لا يحب أحد الآخر. بتلك اللحظة تحدث بتحد:
أنا هتجوزها، يعني هتجوزها، حتى لو هخسر أهلي.
سيفعل كل شيء من أجل الحب. حين يترابط القلب مع الحبيب الذي طال يبحث عنه، حينها فقط يتمرد على الجميع.
بتلك اللحظة دلفت أمه، فنظر لها بضيق وقال:
بعد إذنك يا ماما، اطلعي، أنا مش عاوز أشوف حد دلوقتي.
اقتربت منه بحنو ثم قالت بثقة:
يا بني، أبوك عاوز مصلحتك. إحنا بنعمل كدا عشان تبني أسرة قوية، عيالك فيما بعد هيكونوا متشرفين بيك.
ابتسم شريف بسخرية ثم أجابها:
وفين راحتي بقى مع اللي هتجوزها؟ فين راحة قلبي؟ أنا أبقى مش راجل لو رجعت في كلامي يا ماما. أنا بحبها.
هزت رأسها بعدم اكتراث لما يقوله ابنها عن أي حب يتحدث. يجب أن يسمع كلامها، هي تخاف عليه. الآن التفكير يقتحم عقلها بشدة، تشعر بأن تلك الفتاة التي فازت بقلب ابنها هي ليست إلا فتاة لعوبة ساحرة، بفترة قصيرة قدرت أن تغير تفكير ابنها الذي كان يفضل العزوبية.
شعرت بالضيق نحوها. نعم، فتاة مثلها لا تمتلك عائلة ولا أب ولا أم، متيقنة بشدة بأنها تريد الزواج من ابنها من أجل المال فقط.
تحدثت بتحذير شديد:
مش مهم عندي إنك تتجوز، بس قسماً بالله يا شريف، وإنت عارف إن حلفاني سيف، لو أخد خطوة الجواز دي ساعتها مش هيحصل لك كويس، وهكون ولا أمك ولا أعرف. العب شوية روح وتعالى معاها، إن شاء الله حتى لو عملت الغلط أنا مش هقولك حاجة، بس الجوازة دي بالذات لا.
اتريد أن يفعل كل ما حرمه الله من أجل راحتها، أيغضب ربه ولكن لا يغضبها؟ أيظلم حبيبته من أجلهم؟ سيتمرد عليهم تلك المرة. لم يرد عليها وتقلب على جانبه الأيسر حتى يعطيها ظهره.
نظرت له باستنكار. كيف جاء إلى هنا؟ لم ينتبه له أحد. مازال المدرج يشتعل بالهمهمات التي تحدث. ردت عليه بحد:
إنت إيه اللي بيدخلك بيتي وبين صاحبتي؟ وليه جاي لحد هنا؟ مش المفروض تدخل مع الدكاترة.
وضع يده في جيب بنطاله ثم جلس بجانبها وقال ببرود:
لا، المرة دي هتكون التقدمة غير أي سنة. هتكون وأنا في وسطكم، وبعدين إنتي متقوليش ليا اعمل وبتعملش.
ردت عليه بتذمر:
لا إله إلا الله، هو فيه إيه يا أستاذ جواد؟ أنا عاملة لك إيه؟ غيران مني ليه؟
قهقه بشدة، فحديثها الذي يشبه الأطفال أضحكه بقوة. باستفزاز شديد قال:
أغير منك إنتي ليه؟ ها؟ معاكي إيه أكتر مني؟
قامت من مكانها، أخذت أشياءها ثم قالت بأمر:
سيبله يا فرحة المكان، وتعالي نروح في حتة تاني.
كانت فرحة لا تفهم شيئاً. تحدثت بخفوت:
هو في إيه يا يقين؟ وليه بتجريني وراكي زي البقرة اللي مش فاهمة حاجة؟
رفع جواد حاجبه بانبهار ثم قال بمدح:
برافو عليكي، أنا منبهر بذكائك الصراحة. صاحبتك بتمشيكي وراها وإنتي مش فاهمة حاجة خالص.
بغضب شديد ردت عليه يقين التي شعرت بأنه يريد تفريقها عن صديقتها:
أوعى تتكلم كدا مع صاحبتي. أنا عمري ما مشيها ورايا على الفاضي.
قاطع كلامها الدكتور أحمد الذي قال بترحيب:
كلنا نرحب بجواد بيه.
انتبه الجميع لصوت الدكتور أحمد، انخفض صوت الهمهمات إلا أن انتهت. رفع جواد حاجبه بغرور ثم قال بصوت هامس لها فقط:
رحبي معاهم.
نظرت بالجهة الأخرى حتى لا تراه. صفق الجميع له، صعد ووقف بجانب الدكتور أحمد ثم قال:
شكراً ليكم جداً. أنا مش هتكلم عن نفسي كتير، أكيد إنتوا كفرقة رابعة عرفيني كويس من وإنتوا في سنة أولى.
كانت يقين تنظر له بسخط شديد. شعرت بها فرحة فقالت:
يقين استحملي شوية، وخلّيكي فاكرة إنه المكسب لينا.
بثقة شديدة ردت يقين:
أنا عارفة وواثقة إنه أصلاً مش هيقبلني، وأنا أهو وإنتي أهو وهتشوفي.
عادت تنتبه له، فبدأ يسأل الجميع، وحين يشير نحو يقين يصعب لها السؤال، وكأنه يتحداها، ولكنها تثبت له بقدرة أنها متفوقة.
أخيراً جاء الوقت حتى يختار ثلاث أسماء فقط للتدريب:
ما شاء الله كلكم متفوقين، بس السنة دي بالذات أنا محتاج تلاتة بس، وهم فرحة محمد.
شعرت فرحة بالفرحة الشديدة وقامت لتقف بجانب جواد الذي قال الاسم الثاني، وجاء عند الاسم الثالث وقال:
والاسم التالت هيكون لحد يستحق جداً.
تعلم بأن لن يختارها بينما الجميع يشعرون بأنه سيختار واحد منهم.
تعلم بأنه لن يختارها، لذلك قامت واتجهت نحو باب المدرج لتخرج، ولكن وإذا به يقول وهو يتبع خطاها:
الاسم التالت واللي انبهرت بتفوق صاحبته هو يقين العوضي.
وقفت متصلبة بمكانها، لا تعلم هل هو نطق اسمها أم ماذا. استدارت لتنظر له، الجميع يصفق لها حتى تصعد بجانبه، ولكن أفكارها متبعثرة. تنظر إلى الباب تريد أن ترحل حتى لا يذلها باختياره لها، واحتياجها لهذا التدريب يجبرها على الصعود. ظلت ما يقارب للعشر دقائق بمكانها إلا أن طلب الدكتور أحمد منها أن تصعد:
في إيه يا يقين؟ مش مصدقة نفسك ولا إيه؟ تعالي هنا، وزي ما قال جواد إنتي تستحقي.
بخطوات متوترة تسير، بسمة القلق ترسم على وجهها. هناك شعور بداخلها يقول بأن هذا جواد لم يأتِ من وراءه غير الشر، والتعاون معه سيفتح عليها حروباً لا تعلمها. مدت يدها وصافحته وقالت:
شكراً يا أستاذ جواد، يارب أكون عند حسن ظنك.
نظر لها بخبث ثم تكلم بتصنع:
أنا مبسوط جداً باختياري للتلاتة دول، وإن شاء الله واثق إننا هنتقابل تاني.
ثم حدق بثلاثتهم وقال:
تعالوا ورايا.
لا يفهمون شيئاً. نظرت فرحة إلى يقين وسألتها بتوتر:
هو فيه إيه؟ مش المفروض بيختارنا وبيمشي، وإحنا بنعرف التعليمات من الكلية.
ابتسمت يقين بسخرية ثم وبنظرات ثاقبة قالت:
أنا عارفة كويس جداً ومتأكدة إن جواد دا مش هيجي من وراه خير، وهتشوفي.
وقفت فرحة عن السير وقالت بذعر:
إنتي بتخوفيني ليه بس؟ وبعدين هيبقى إيه غايتي بالشر اللي هيقدمه؟ ما هو كل سنة بيعملها، والطلاب اللي بيتخرجوا بيشكروا في التعامل معاه.
قهقهت يقين بعلو ومن ثم قالت بصوت هامس:
أنا بقى حاسة إن السنة دي الشر بس اللي هيجي على أيده، وهتشوفي.
كان جواد يسمع كلامها ويبتسم لذلك الذكاء التي تتحلى به. استدار ونظر لهم وقال بصرامة:
هو إنتوا وقفتوا ليه وبتتكلموا في إيه؟ زميلكم أحمد سبقنا.
ابتسمت يقين بابتسامة صفراء وأجابته ببرود:
أصلنا كنا بنتكلم على الخير اللي إنت بتعمله.
لقد استفزته وبقدرة كبيرة. أول مرة يشعر بأن أحد يريد أن يغفله. برغم من معرفته بكلامها، ولكنه شعر بأن تلك الفتاة التي أمامه غير سهلة، وإن بدأ في إشعال الضيق لن ترحمه. صمت وعاد يسير بطريقه إلى المكتب.
تسحبت حتى تطمئن عليه. مر ساعتان وهو بالغرفة، تعلم بأنه لم يغفل قط. فتحت الباب قليلاً لتراقبه، ولكن سمعت صوته يقول:
عارف إن قلبك هيتعبك عليا، بس عقلك هيكابر. أنا صاحي يا مريم.
سرعان ما أغلقت الباب، دقات قلبها تتسارع وكأنها في سباق كبير. ابتسمت بتلقائية لا تقاوم، احساسه تعشقه بشدة، ولكن عقلها يكابر. احساس بالذنب يلاحقها بشدة. تنهدت بقوة، أخرجت زفيرها ثم عادت وأخذت شهيقها. لا تستطيع أن تصطنع الجفاف، هي تعاقب نفسها. أصبحت كالوردة الذابلة، أصابها الضغط ولا يتبقى منها غير الشوك. تعاقب حالها وتعاقب حبيبها. ستحن هذه المرة لأجله ولأجلها. لقد اشتاقت لقربه، اشتاقت لكلماته، لقد اشتاقت لعطر كلماته. أبعدته عنها، ولكنه حنون وسيتقبل اعتذارها. يا لها من فتاة أنانية، لقد قالت على نفسها هكذا. حين تريده تحن، وحين تشعر بأن ضميرها يؤلمها تبتعد، وهو مسكين لا يستحمل حزنها، يتقبلها بكل حالتها.
فتحت الباب بهدوء، تسحبت بخطوات ثابتة. يعطيها ظهره ويبتسم بحزن، يعلم بأنها ستأتي، ولكن سيأتي الوقت وحالتها النفسية ستجعلها تبتعد. سمع صوتها الحنون الذي اشتاق له:
علي، إنت نمت؟
يعني لسة كنت بكلمك، هكون نمت ازاي بس!
اقتربت منه وجلست بجانبه، ثم وبرفق وضعت يدها على كتفه وقالت:
إنت زعلت مني؟
شبح الابتسامة رسم على وجهه، أجابها باقتضاب:
إنتي شايفة إيه يا مريم؟
طأطأت رأسها قليلاً إلا أن وصلت إلى خده الأيسر، قبلته برقة ثم قالت باعتذار:



