قصص وروايات

حكايه ياسين وليان 1

الفصل الأول

أنا بنتكم… وعندي دليل

كانت الساعة قربت على اتنين بعد نص الليل، لما عربية قديمة وقفت قدام البوابة الحديدية الضخمة لقصر عائلة الراوي.

نزلت منها بنت في أواخر العشرينات.

كانت لابسة معطف أسود طويل، وشعرها متجمع بعشوائية، وملامحها رغم التعب كانت ثابتة بشكل غريب.

وقفت قدام البوابة وبصت للقصر.

القصر اللي حفظت صورته من وهي طفلة…

القصر اللي كانت فاكرة إنها مش هتشوفه أبدًا.

إيديها كانت بتترعش، لكنها شدت قبضتها على الظرف اللي في إيدها وهمست:

ـ “أنا رجعت أخيرًا.”

رفعت عينيها للشرفات المضيئة.

ـ “المرة دي مش ههرب.”

ضغطت على جرس البوابة.

مرة.

واتنين.

وبعد ثواني ظهر حارس من بعيد وهو بيزعق:

ـ “مين؟ الساعة دي؟”

ليان قربت من البوابة وقالت بصوت واضح:

ـ “عايزة أقابل صاحب القصر.”

الحارس ضحك بسخرية.

ـ “الحاج فؤاد؟ دلوقتي؟”

ـ “أيوه.”

ـ “مستحيل.”

ليان سكتت لحظة، وبعدها قالت:

ـ “قوله إن ليان رجعت.”

الحارس اتجمد.

ـ “ليان مين؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة موجوعة.

ـ “ليان الراوي.”

في اللحظة دي اختفت السخرية من وشه.

وبعد مكالمة قصيرة، اتفتحت البوابة.

لكن اللي حصل بعدها ما كانش في الحسبان.

صوت خطوات سريعة نزلت من على السلم الداخلي للقصر.

ظهر رجل طويل، عريض الكتفين، لابس قميص أبيض وبنطلون غامق.

كان ياسين الراوي.

الابن الأكبر.

أول واحد وصل للمدخل.

وقف قدامها وبص لها في صمت.

ليان رفعت عينيها عليه.

للحظة…

ولا واحد فيهم اتكلم.

كان فيه شيء في نظرتها خلاه يتوقف.

كأنه شاف وجهًا من الماضي.

اقترب خطوة.

ـ “إنتِ مين؟”

ليان بلعت ريقها وقالت:

ـ “أنا ليان.”

اتشد فكه.

ـ “ليان مين؟”

ردت وهي بتبص ناحية البيت:

ـ “ليان بنت فؤاد الراوي.”

السكوت اللي حصل بعدها كان أثقل من أي صرخة.

خلف ياسين بدأ باقي أفراد العائلة يظهروا.

والدته نادية.

أخته سلمى.

وعمه كمال.

وفي آخر السلم وقف فؤاد الراوي نفسه.

بمجرد ما شاف ليان…

وشه اتغير.

ليان بصت له مباشرة.

ـ “مساء الخير يا بابا.”

نادية حطت إيدها على صدرها.

ـ “بابا؟!”

سلمى ضحكت بتوتر:

ـ “إنتِ مجنونة؟!”

أما فؤاد فكان واقف مكانه، عاجز عن الكلام.

ياسين بص لأبوه.

ـ “بابا… مين دي؟”

فؤاد أخيرًا قدر يتكلم:

ـ “ما أعرفهاش.”

ليان ضحكت ضحكة قصيرة مليانة وجع.

ـ “متعرفنيش؟”

ـ “لأ.”

ـ “حتى بعد كل السنين دي؟”

صرخت نادية فجأة:

ـ “إنتِ بتدّعي إنك بنتنا؟!”

ليان بصتلها.

ـ “أنا مش بدّعي.”

سلمى تقدمت خطوة:

ـ “أمال إيه؟ جاية تاخدي فلوس؟”

ـ “لو كنت عايزة فلوس، كنت اخترت وقت أحسن من نص الليل.”

كمال ضيق عينيه:

ـ “إيه دليلك؟”

هنا…

ليان فتحت الظرف اللي في إيدها.

وأخرجت صورة قديمة.

حطتها على الترابيزة.

فؤاد قرب منها.

وبمجرد ما شاف الصورة…

وشه شحب.

نادية شهقت.

سلمى مسكت الترابيزة.

أما ياسين…

فما بصش للصورة.

بص لأبوه.

لاحظ الرعب اللي ظهر في عينيه.

قال بهدوء:

ـ “إيه اللي في الصورة؟”

فؤاد رد بسرعة:

ـ “ولا حاجة.”

ياسين بص له بحدة.

ـ “لو مفيش حاجة… ليه وشك اتغير؟”

ليان بصت لياسين لأول مرة بنظرة مختلفة.

وكأنها لأول مرة تلاقي حد في القصر بيسأل السؤال الصح.

قالت:

ـ “الصورة دي اتصورت قبل ما أختفي بأسبوع.”

سلمى صرخت:

ـ “إنتِ مش ليان!”

ليان بصتلها.

ـ “إنتِ عندك كام سنة يا سلمى؟”

سلمى سكتت.

ـ “تلاتة وعشرين؟”

ـ “أيوه.”

ـ “فاكرة يوم ما وقعتي من السلم وإنتِ عندك ست سنين؟”

سلمى اتوترت.

ـ “إيه علاقتي بده؟”

ـ “أنا اللي كنت معاكي.”

سلمى هزت راسها:

ـ “مستحيل.”

ليان قربت منها وقالت:

ـ “وقتها كنتِ بتعيطي عشان كنتِ فاكرة إن بابا هيضربك.”

سلمى اتسمرت.

ليان همست:

ـ “بس هو ما ضربكيش.”

بصت لفؤاد.

ـ “عشان أنا وقفت قدامه وقلت له إن أنا اللي وقعتك.”

نادية حطت إيدها على بوقها.

كانت المعلومة دي ما يعرفهاش غير أفراد العائلة.

لكن ياسين كان لسه ساكت.

اقترب من الصورة.

مسكها.

بص لفتاة صغيرة واقفة جنب فؤاد.

وبعدين رفع عينه لليان.

كانت نفس العينين.

نفس العلامة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر.

لكن ده وحده مش كفاية.

قال:

ـ “ممكن تكوني عرفتي معلومات عننا.”

ليان ابتسمت.

ـ “كنت مستنيا السؤال ده.”

طلعت ورقة صغيرة من الظرف.

ـ “عشان كده… جبت حاجة محدش يقدر يزوّرها.”

مدت الورقة ناحيته.

ياسين أخذها.

قرأ أول سطر.

وتغيرت ملامحه.

رفع عينه لها.

ـ “إيه ده؟”

ـ “تحليل DNA.”

فؤاد اندفع ناحية الورقة:

ـ “إنتِ عملتي تحليل من غير إذني؟!”

ليان بصت له بثبات:

ـ “عملته من عينة من حاجتك.”

ـ “إزاي؟!”

ـ “مش مهم إزاي.”

اتقدمت خطوة.

ـ “المهم إن النتيجة قالت إني بنتك.”

سكت الجميع.

ياسين قرأ النتيجة مرة تانية.

وبعدين قال:

ـ “النتيجة دي ممكن تتزوّر.”

ليان بصت له.

ـ “عشان كده عملت تحليل تاني.”

مدت إيدها بملف آخر.

ـ “والتاني اتعمل في معمل تاني.”

ياسين فتحه.

قرأ.

وبص لها.

لأول مرة…

صوته اختلف.

ـ “إنتِ متأكدة؟”

ـ “أيوه.”

ـ “إنك بنت الراوي؟”

ـ “أنا متأكدة من حاجة واحدة.”

ـ “إيه؟”

ليان بصت لفؤاد.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى