قصص وروايات

في قبضة المنشاوي شروق خالد ج1

أنا اسمي فريدة خالد، والليلة اللي عرف فيها أبايا إنه ممكن يموت كانت نفس الليلة اللي عرفت فيها إني هتجوز واحد معرفهوش. زياد المنشاوي كان عنده أربعة وتلاتين سنة، وكان له هيبة ونفوذ يخلي أي مكان يسكت أول ما اسمه يتقال. أوه الصغير، سيف، لسه متعرض لـ حادثة عربية مدبرة قريب من كورنيش النيل.

 

الشرطة قالت إنها حادثة سير عادية، بس زياد مأكلش من الكلام ده. وفي خلال 48 ساعة بس، رجالته قدروا يتتبعوا الفلوس اللي ورا الهجوم لحد ما وصلوا لأبويا، إسماعيل خالد. أبويا كان رجل أعمال ناجح، وكان واخد ملايين الجنيهات من عيلة المنشاوي.. فلوس معرفش يرجعها.

رجال زياد جابوا أبويا لحد عنده. “أنت أخدت دمي”، ده اللي زياد قالهوله. أبويا اتوسل ووعده بالفلوس وقدم أعذار، ولما لقى إن مفيش فايدة وإن الفلوس مش هتنقذه، قرر يضحى بيا في صفقة إكراه مالي وتسوية ديون. همس لزياد وقال: “خد فريدة.. اتجوز بنتي كضمان وتسوية كاملة للديون اللي عليا”.

بالبساطة دي أبويا ضحى بيا! قبل الشروق، كانت رجالته وصلت القصر عندنا، وبعد ساعات كنت واقفة جوة كتب الكتاب ولابسة فستان فرح اختاره حد تاني خالص. أبويا كان رافض حتى يبص في عيني، وزياد واقف قدامي ببدلته السودا وهيئته المرعبة.

بعد ما كتبنا الكتاب، دخلنا صالون الاستقبال الفاخر في القصر. الباب اتقفل بصوت واطي، وزياد اتدفت ناحيتي بنظرات حادة وهادية. قرب مني وقالي بصوت منخفض: “أبوكي أخد مني حاجة مهمة.. ودلوقتي هيشوفني وأنا بحاسبه على كل جنيه وكل نقطة دم”.

بس لما بص في وشي ولقاني بترعش، ملامحه اتغيرت تماماً. “مين عمل فيكي كده؟”
معرفتش أرد.. السكوت كان هو الحارس الوحيد اللي بيحْميني السنين دي كلها.

زياد قرب خطوة، بس الغضب اللي في وشوشه مابقاش موجه ليا. “فريدة.. هو أبوكي اللي عمل كده؟”
دموعي نزلت قبل ما أقدر أوقفها، ومكنتش محتاجة أرد.. زياد فهم كل حاجة. وفجأة، حد خبط على باب الصالون بقوة.

“يا رئيس!”، واحد من الرجالة صرخ من برة. “إسماعيل تحت وبيقول إنه عايز ياخد بنته!”
جسمي كله اتجمد من الخوف. زياد بص ناحية الباب وقال ببرود يرعب: “أبوكي ضحى بيكي كضمان مالي من ست ساعات بس.. جاي دلوقتي ليه؟”
ومن تحت، سمعت صوت أبويا وهو بيصرخ: “فريدة!”

مسكت في الفستان بتوتر، وزياد لاحظ رد فعلي.. مكنتش مندهشة، كنت مرعوبة. “أنتي عارفة هو جاي ليه، صح؟” قالي كده، ومقدرتش أرد. “فريدة.. انطقي.”
أبويا ندى عليا تاني، وفجأة حسيت إني رجعت طفلة عندها 12 سنة، واقفة برة مكتبه المقفول بعد ما شفت حاجة مكنش المفروض أشوفها أبداً.. سر قعد أبويا سنين يتأكد إني عمر ما لساني سينطق بيه.

بصيت لزياد وقلتله: “هو مش راجع عشان بيحبني أو عايزني..”
زياد ضيق عينيه وقال: “أومال راجع ليه؟”
صوت خطوات أبويا كانت بتقرب بسرعة، وإيدي بدأت ترتجف: “عشان عرف إني بقيت في مكان هو ملوش سلطة عليه.. وميقدرش يمنعني أقول اللي اعرفه.”

زياد اتسمر مكانه. ولأول مرة الليلة دي، فهمت الحقيقة والمرعب في الموضوع.. أبويا مضحاش بيا عشان أنا ورقة خاسرة، أبويا غلط غلطة عمره.. هو سلم الشخص الوحيد اللي يعرف أكبر وأحلك أسراره لأخطر راجل في القاهرة!

الخطوات وصلت للصالون، والباب اتفتح بقوة وعنف. أبويا ظهر عند الباب، عينيه جاحظة من الغضب والذعر، وبصوت بيترعش صرخ:

فريدة! ابعدي عنه.. الراجل ده مجرم ومش هسمحله يؤذيكي!

كان مشهد يضايق ويعصب؛ الأب اللي ضحى ببنتُه بدم بارد من كام ساعة، جاي دلوقتي يعمل فيها الأب الحنين والخايف عليها! زياد متحركش من مكانه، فضل واقف يبص لإسماعيل ببرود زي التلج.

شكلك قلقان أوي يا إسماعيل، زياد قالها بصوت واطي بس يخوف. – قلقان على بنتك اللي سيبتهالي ضمان مقابل 8 مليون جنيه؟ ولا قلقان من حاجة تانية خايف تنطق بيها؟

وش أبويا أصفر وبقى زي الأموات. بص حواليه برعب وقال وهو بيشير بإصابعه:

دي بنتي وعندها اضطرابات نفسية وتخيلات! كل اللي بتقوله كدب! خذ فلوسك وضعفها، وسيبني أخدها وننهي الموضو ده!

بنتك مش مجنونة يا إسماعيل، زياد قالها وهو بيمشي ناحيته ببطء. – بنتك واقفة قدام راجل مابيرحمش اللي يلعب معاه.. وأنت جيت تسلمهالي على طبق من دهب مرتين؛ مرة لما تنازلت عنها عشان تسد ديونك، ومرة لما جيت بنفسك لعرين الأسد عشان تضمن إنها متتكلمش.

فريدة، اسمعي كلامي ومتلمسيهوش! صرخ أبويا وهو بيبصلي بنظرة تهديد ومساومة.
بصيت لأبويا.. العيون اللي كانت بترعبني وأنا صغيرة، السر المظلم اللي حول حياتي لجحيم.. رفعت رأسي وقلتله بثبات عمره ما كان عندي:

أنا مش ماشية معاك يا بابا.. كل حاجة انتهت خلاص.

عينين أبويا اتسعت من الصدمة، وقبل ما يتحرك خطوة، زياد أشار بيده إشارة صامتة. في ثانية، طلع اتنين من حراس زياد ومسكوا أبويا من دراعاته.

خذوه تحت، وسيبوا معاه تليفون مفتوح على تسجيل مع الجهات المختصة والشرطة، زياد قال ببرود قاتل. – هدموا إمبراطوريته المالية والقانونية، وخلينا نشوف أسراره هتنفعه بإيه قدام العدالة.

الباب اتقفل وراهم، ورجع الهدوء للمكان. زياد التفت ليا ببطء، ومد إيده ومسح دمعة كانت نازلة على خدي.

باين كده إن جوازنا يادوب لسه بيبدأ يا فريدة.. قالي كده بصوت هادي، وتابَع: – دلوقتي بقى.. احكيلي كل حاجة عن السر اللي مرعب أبوكي للدرجادي ومخليه يضحي بيكي وبعدين يغامر بحياته عشان يستردك.

#حكايات_شروق_خالد
أخدت نفس عميق وسندت على الحيطة برهبة. زياد كان واقف قدامي بثبات وعينيه مركزين مع كل حركة بعملها. بدأت أتكلم بصوت هادي:

“لما كان عندي 12 سنة، دخلت مكتب أبويا متأخر أتدور على كتاب، ولقيت باب سري موارب.. بصيت من الفتحة ولقيت أبويا مع مجموعة رجالة وأكياس سوداء فيها فلوس غسيل أموال لشبكات دولية وأجهزة تشفير، وتقارير تفصيلية عن عيلتكم وثغراتكم الأمنية.. أبويا مكنش مجرد رجل أعمال متعثر، ده كان بيتجسس عليكم لحساب جهات تانية.”

ملامح زياد اتغيرت، وفكه انقبض بقوة وسألني:

“وماركو؟ أخويا سيف؟ أبوكي له يد في الحادثة بتاعته؟”

هزيت رأسي بدموع:

“أيوه.. الخريطة والتوقيت والمخطط كله كان في الغرفة دي.. ولما حس بوجودي برة الباب، هددني وعيشني في رعب، وإقنع الكل إني بعاني من اضطرابات نفسية وبتحيل حاجات علشان محدش يصدقني لو اتكلمت.”

السكوت ساد المكان لحظات.. سحب زياد تليفونه وطلب رقم وقال بحسم:

“اقفلوا كل المنافذ.. تحفظوا على كل السجلات والأوراق اللي في مكتب إسماعيل خالد فوراً، واستدعوا المحامين.. الحساب هيكون كامل الليلة.”

أول ما قفل السكة، بصلي وقال بصوت مفيش فيه أي قسوة:

“أبوكي ضحى بيكي عشان ينقذ نفسه، وكان فاكر إنه بيبعتك للتهلكة عشان تسكتي للأبد.. بس من غير ما يدري، حطك في المكان الوحيد في البلد دي اللي هيجيبلك حقك ويحميكي منه.”

عدت الساعات وهديت الأحداث.. قرب زياد مني وقال بصدق:

“لما اتجوزتك الليلة، كنت فاكر إني بآخد ثأر أخويا.. بس اكتشفت إني أخدتلك ثأرك أنتي كمان.. البيت ده مش هيكون سجن ليكي يا فريدة، ده هيكون حصنك.”

ابتسمت بضعف وقلتله:

“مكنتش أتعلم إن الراجل اللي جيتله عشان أكون ثمن لـ صراع، هيكون هو نفسه اللي هيرجعلي حريتي.”

رد بابتسامة خفيفة وقال بثقة:

“الحرية حقك.. ووعدي ليكي من الليلة إني أحميكي، وأخليكي تشوفي إن القوة الحقيقية مش في الظلم، القوة في استرداد الحق.”

ومع طوع الفجر وانقشاع الظلام، حسيت إن كابوس الماضي اتقفل للأبد، وأن حياة جديدة تماماً بتبدأ دلوقتي مع زياد المنشاوي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى