
كان طويل وعريض المنكبين، لابس بدلة سودا غامقة وقميص أسود، وملامحه حادة كأنها منحوتة من حجر، وعيونه السودا فيها نار مكتومة. مشي في اللوبي بخطوات ثابتة وسريعة، وكل خطوة كانت بتخلي الأرض تحتيه تهتز.
اللي كانوا واقفين بيتكلموا سكتوا كلهم مرة واحدة كأن حد قفل عليهم الصوت.
وقف رائف في نص اللوبي، وبص حواليه ببطء بنظرة قدرت تجمّد أي حد، وبعدين قال بصوت عالي وحاد: “أنا عايز كل الموظفين يسمعوني كويس.”
الصمت بقى تقيل زي الرصاص. رائف كمل وصوته بيرن في المكان: “أنا عارف إن في أخبار منتشرة عني من الصبح. وعارف إن فيه ناس واقفة هنا بتتكلم ومستمتعة. أنا ما بحبش الكلام عن حياتي الشخصية، والشركة دي مكان شغل مش قهوة للتسليه. أي حد هيفتح بُقه بكلمة واحدة في الموضوع ده، جوه الشركة أو برّاها، مش هيشتغل هنا يوم تاني. مفهوم؟”
محدش ردّ.
واحد من المديرين قال بصوت مرتبك: “مفهوم يا فندم.”
رائف بص له نظرة سريعة وقال: ” بلغ كل اللي شغالين في الشركة بكلامي دا.. مفهوم؟”
كل الموظفين رددوا بصوت واحد متقطع: “مفهوم يا فندم.”
رائف لف ومشي ناحية الأسانسير الخاص، وسكرتيرته، الأستاذة سلوى، جريت وراه وهي ماسكة تابلت وبتحاول تلحقه بخطواتها القصيرة: “صباح الخير يا فندم، فيه مواعيد النهارده و…”
قاطعها من غير ما يبص لها: “إلغي كل المواعيد، ومحدش يدخلّي المكتب لحد ما أقول.”
“حاضر يا فندم، بس فيه اجتماع مجلس الإدارة الساعة…”
“قلت إلغي كل حاجة يا أستاذة سلوى.”
الأسانسير اتفتح ودخل ومعاه نظرة جليدية خلّت سلوى تقف مكانها وتبلع ريقها. والأبواب اتقفلت عليه.
رائف دخل مكتبه في الدور العشرين وقفل الباب وراه بإيد ثابتة، لكن أول ما اتسمعت طقة القفل جوه المكتب الواسع، حس إن كل الهدوء اللي كان بيمثله برّه وقع من على كتافه مرة واحدة. رمى مفاتيحه على المكتب بعنف، وفك زرار القميص اللي تحت رقبته، وقعد على الكرسي الجلد الكبير وسند راسه لورا وغمّض عينيه.
وبمجرد ما غمّض، رجعت له الليلة كلها.
كان قاعد في مكتبه بالليل بيراجع عقد صفقة كبيرة لما موبايله رن. في الأول ما رضيش يرد لأن الرقم كان غريب، لكن الرنة فضلت تتكرر، فرد بصوت مرهق: “ألو.”
جاله صوت راجل بيتكلم بهدوء مريب: “مساء الخير يا رائف بيه. مش مهم تعرف أنا مين دلوقتي. المهم إنك تعرف إن خطيبتك سهرانة الليلة دي في فيلا أحمد الصياد. لو مش مصدقني، روح بنفسك وشوف.”
رائف ضحك ضحكة قصيرة باردة وقال: “أنت مين يا أستاذ؟ ومين اللي قالك إنك تتصل بيا وتقولي الكلام الفارغ ده؟ خطيبتي في عيد ميلاد صاحبتها .”
المتصل قال: “صاحبتها اسمها أحمد الصياد يا رائف بيه ؟ العنوان هابعتهولك في رسالة. وانت حر لو عايز تفضل متغفل” وقفل الخط.
رائف فضل ماسك الموبايل ثواني وهو بيفكر. بعدها رسالة نصية وصلت فيها عنوان وبس. قال لنفسه إنها مقلب سخيف، وإن ميرهان ملاكه اللي عمره ما شاف منها غير الحب، وإن واحدة زيها مستحيل تعمل كده. لكن إيده كانت بتتحرك لوحدها ناحية مفاتيح العربية عشان يطمن.
ساق ليلتها بسرعة جنونية في شوارع شبه فاضية، وقلبه بيدق بعنف مش عارف هو خوف ولا غضب. كان بيكرر في سره: “مش هتكون هي. مستحيل تكون هي.” لحد ما وصل قدام بوابة الفيلا الحديد الضخمة، ولاقى عربية ميرهان الحمرا واقفة قدامها.
ساعتها ما بقاش في أمل.
نزل من العربية وقلبه بقى حجر. الحارس على البوابة حاول يوقفه وقال: “استنى يا بيه، مين حضرتك؟”
رائف دفعه بكتفه من غير ما يبص له: “وسّع.”
دخل الجنينة ثم باب الفيلا اللي كان مفتوح نص فتحة، وسمع ضحك وموسيقى هادية جاية من الصالة. دخل بخطوات بطيئة، وكل خطوة كان بيحس فيها إنه بيقرب من حافة هاوية.