
شاف ميرهان قاعدة على الكنبة الكبيرة بفستان سهرة قصير، وكاس في إيدها، وراسها مسنودة على كتف أحمد الصياد، وهو ماسك شعرها بإيده بهدوء وبيضحكوا مع بعض ضحكة واحد مطمّن إن مفيش حد هيدخل عليهم.
رائف وقف عند باب الصالة، وصوته طلع هادي بشكل مخيف: “ميرهان.”
الضحكة اتقطعت. ميرهان رفعت راسها بسرعة وعينيها اتسعت، والكاس وقع من إيدها على السجاد. قامت وهي بتتلعثم: “رائف؟ إنت… إنت إيه اللي جابك هنا؟ أنا… أنا هفهمك كل حاجة.”
رائف ما بصش لها. كانت عينيه مثبتة على أحمد الصياد اللي قام بهدوء واقف قدامه وفي وشه ابتسامة استفزاز مقصودة: “أهلاً يا رائف بيه. شرفت. بس دي سهرة خاص زي ما انت شايف وميصحش تدخل بيتي كدا من غير دعوة.”
في الثانية دي ما بقاش في الدنيا غير ضربة واحدة. رائف اندفع عليه وضربه بكل قوته في وشه، وأحمد وقع على الأرض لكنه قام وضحك وهو بيمسح الدم من شفته: “كده؟ دي كل اللي عندك؟”
مسكه رائف من ياقة قميصه وضربه تاني وتالت وهو بيقول بجنون: “هقت..لك يا حقير.”
ميرهان صرخت بصوت عالي: “كفاية يا رائف! هتموته! كفاية!”
لكن هو ما سمعهاش. كان في دنيا تانية، دنيا كلها سواد ونار. وحرس أحمد الصياد دخلوا الصالة جري، ومعاهم حرس رائف اللي كانوا مستنيين بره. اتخبطوا في بعض والصوت علي، وكل واحد بيحاول يشد صاحبه.
وفي وسط الزحمة، قائد حرس رائف، اسمه مراد، رجل أربعيني ضخم الجسم وصاحب خبرة طويلة، قدر يوصل لرائف ويمسك دراعه من ورا بقوة وهو بيقول له في ودنه بصوت حاسم: “كفاية يا باشا. كفاية. هتضيع نفسك عشان واحدة ما تستاهلش. فكر في اسمك واسم عيلتك . دي واحدة متستهلش يا باشا صدقني.”
رائف حاول يفلت منه وهو بيهمس بأنفاس متقطعة: “سيبني يا مراد.”
مراد: “مش هسيبك يا باشا. بعد إذنك، مش هسيبك تعمل حاجة هتندم عليها طول عمرك.”
الكلمة دي نزلت على رائف زي ماية باردة. وقف مكانه ، وبص حواليه كأنه لسه بيصحى.
أحمد الصياد قاعد على الأرض ماسك وشه، لكن في عينيه نظرة انتصار. وميرهان واقفة بعيد وإيديها على بقها والدموع على خدودها، لكنها كانت دموع واحدة اتمسكت بالجرم المشهود مش دموع واحدة ندمانة.
رائف مسح وشه بكف إيده ونفخ نفس طويل، وفي اللحظة دي فاق للحقيقة كاملة: إنه كان مغفل. إنه كان بيحب واحدة ما كانتش تستاهل حتى نظرة منه.
مشي ناحيتها ببطء. هي رجعت خطوة لورا وقالت بصوت مرتعش: “رائف، اسمعني بس. ده كله غلط. أنا هقولك…”
رائف:”ما تقوليش حاجة.” قالها بصوت هادي جداً، هدوء أرعب من أي صراخ.
بعدين مد إيده وسحب الدبلة من صباعه، الدبلة اللي لبسها في صباعه بنفسه وهو سعيد وفرحان، وبص لها نظرة أخيرة، ثم رماها في وشها بكل احتقار. الدبلة خبطت في خدها ووقعت على الرخام ورنّت رنة صغيرة، ورنتها فضلت في ودنه أطول من أي كلمة اتقالت في الليلة دي.
قال بصوت بارد: “كل اللي بينا انتهى. ومش عايز أشوفك في حياتي تاني ، لا إنتي ولا أهلك.”
ولف وخرج من الفيلا من غير ما يبص وراه..
وهو خارج حس إن قلبه اتقفل بالضبة والمفتاح، وإنه عمره ما هيفتحه لأي إنسانة تاني مهما حصل.
رواية الكاتبة ملك إبراهيم.
رائف فتح عينيه في مكتبه وهو بيتنفس بصعوبة. الضوء كان داخل من الشباك الزجاجي ورسم على المكتب خطوط طويلة. بص على إيده اليمين المتورمة شوية من الضرب اللي ضربه ل احمد الصياد.. ومسك تليفونه وهو بيشوف الاخبار المكتوبه عنه.. ومش عارف مين اللي سرب الاخبار دي.
من أول ما طلع النهار، كان الخبر منتشر في كل مكان. ما كانش عارف مين اللي سرّب الخبر. هل هو الراجل اللي اتصل بيه؟ ولا أحمد الصياد بنفسه عشان يدمّره؟ ولا في حد تالت له مصلحة ان اخبار زي دي تنزل عنه ويبقي إسمه على كل لسان ؟ ما كانش فارق دلوقتي مين اللي نزل الاخبار . كل اللي كان شاغل تفكيره إنه يلحق اسمه واسم عيلة الحريري بعد الفضيحة دي. كان عارف إن أسهم الشركة هتتأثر، وإن الشركاء هيتصلوا، وإن المنافسين هيتلذذوا بالكارثة، وأولهم أحمد الصياد.
مسك ريموت صغير على المكتب وضغط عليه، فاتحت الشاشة الكبيرة قدامه، وظهرت عليها شبكة كاميرات المراقبة في الشركة. دور بعد دور، وقسم بعد قسم. موظفين بيتهامسوا، مدير بيقفل باب مكتبه عشان يتصل بحد، موظفة بتبص في موبايلها وبتتكلم مع اللي جنبها.
كان واثق إن كل واحد منهم بيتكلم عنه دلوقتي. وكان عايز يعرف الناس شايفينه إزاي. هل شايفينه راجل مغفل اتخان؟ ولا راجل ضعيف؟ ولا واحد اتبهدل زي ما الصحافة بتقول.
وقف شريط الكاميرات على قسم الأرشيف في البدروم. فيه بنتين بس قاعدين على مكتبين متقابلين، وقدامهم رفوف ملفات عالية. واحدة منهم كانت قاعدة بظهرها للكاميرا وبتتكلم بإيديها، والتانية قاعدة وشها ناحية الكاميرا وملامحها مليانة حزن.
رائف كان شايفها قبل كدا ، مجرد وش من وشوش الموظفين اللي بيعدي عليهم كل يوم في الكاميرات ومش بياخد باله. بس النهاردة وقف عندها.
ضغط على زرار الصوت. أول ما اتفتح، سمع صوت بنت بتقول بنبرة مليانة غيظ: “بطلي تفكري فيه يا حنين.”
رائف رفع حاجبه. اسمها حنين.
وبدأ يسمع الحوار بينهم.
في قسم الأرشيف.
كانت حنين قاعدة قدام جهازها من أكتر من ساعة من غير ما تكتب كلمة واحدة. الشاشة قدامها منورة بملف فاضي، وإيديها على الكيبورد ثابتة. الصوت اللي حواليها كان هادي، قسم الأرشيف في بدروم الشركة مكان مفيش حد بيزوره غير لما يحتاج ملف قديم، وده اللي كان بيدّيهم، هي وبسمة، شوية سلام بعيد عن عيون وكلام الدور العلوي.