
بسمة كانت قاعدة قصادها بتعمل نفسها مشغولة بتصنيف ملفات، لكنها كل شوية كانت بتبص لحنين من ورا الأوراق، وفي الآخر ما قدرتش تسكت: “بطلي تفكري فيه يا حنين. إنتي من الصبح قاعدة مكانك زي التمثال.”
حنين رفعت عينيها ببطء وقالت: “مش عارفة أبطل أفكر فيه . كل ما أحاول أنسى، صورته بتيجي قدام عيني. صعبان عليا وجعه آوي يابسمة.”
بسمة حطت الملف من إيديها بنفاد صبر: “ما هو لازم يتوجع طبعاً. واحد اتخان بالطريقة دي قدام الدنيا كلها. عايزاه يحس بإيه؟”
حنين قالت بحزن: ياريت لو اقدر اخد وجعه دا ويبقى في قلبي انا.
بسمة زفرت بغضب وقالت: حنين يا حبيبتي فوقي من أحلامك.. دا رائف بيه الحريري.. يعني مستحيل يكون ليكي. مستحيل! إنتي فين وهو فين؟ هو راجل في عالم تاني خالص، عالم فيه طيارات خاصة وسهرات وناس بتتحرك بالحراس. وإنتي… وإنتي بنت بسيطة من وسط مليون بنت.. عيونه مش شايفاكي اصلا.”
حنين ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت: “عارفة. ولا مرة نسيت الكلام دا. بس هو صعبان عليا قوي. مش متخيلة إن واحدة زي إللي اسمها ميرهان تخون إنسان زي رائف الحريري. يعني واحدة ربنا أداها كل حاجة، أداها الجمال والفلوس والاسم، وأداها راجل زي ده… وتعمل كده؟ إزاي قلبها طاوعها تعمل فيه كدا؟”
بسمة بثقة: “عشان ما بتحبوش يا حنين. دي ولا عمرها حبته. دي كانت بتحب الاسم والفلوس والصور في المجلات.”
حنين سكتت لحظة وبصت لإيديها وقالت بصوت حزين: ” عارفه أنا لو مكانها… لو ربنا كان كتبلي إني أكون مكانها ولو يوم واحد… واشوفه بس حتى لو من قريب.. انا كنت هبقى اسعد انسانه في الدنيا .”
بسمة بتحذير عشان تفوقها من أحلامها “حنين…”
ردت حنين :”ما تقوليش حاجة.” ابتسمت حنين وعينيها لمعت بدموع حاولت تخبيها. “أنا عارفة إنه حلم مجنون. لكن أنا بحلم بيه كل يوم. كنت بشوفها وهي داخلة الشركة بكعبها العالي وضحكتها اللي مالية المكان، وبتدخل مكتبه من غير ما تخبط، وبيقعدوا مع بعض في المكتب الساعات الطويلة. وكنت بشوفهم وهم خارجين مع بعض وهي حاطة إيدها في دراعه، وكل ما أشوف كده كان قلبي بيتقبض في صدري وأقول: يا رب أنا مش عايزة أكتر من إني أبقى مكانها ولو لدقيقة واحدة.. نفسي يشوفني بس يا بسمة وعيونه تيجي عليا مرة.”
بسمة مدّت إيدها وحطتها على إيد حنين بحنية: “انسي حبك له دا يا حنين.. إنتي تستاهلي واحد يشوفك ويحبك ويعرف قيمتك.”
“أنا مش عايزة واحد تاني. أنا عايزاه هو.” قالتها حنين وهي بتبكي. وكملت كلامها :”كل مرة بشوفه فيها من بعيد، وهو معدي في الطرقة أو واقف مع المديرين، الدنيا كلها بتنور في عنيا.. قلبي بيدق بسرعة ورجليا بتبقى مش شايلاني، وبحس إن في الدنيا حاجة حلوة لسه موجودة. وبعدين هو يعدي، ويمشي، وما يعرفش إني كنت واقفة هناك. وأنا مبسوطة. كفايه إني شفته بس.”
بسمة مسحت دمعة نازلة من عينها هي كمان وقالت: “إنتي مجنونة والله.”
حنين: “أيوه مجنونة بحبه.. ومش عايزاه يعرف أبداً. لو عرف أكيد هيتضايق ان البنت بتاع الأرشيف بتحبه ، وممكن يطردني من الشركة. أنا مش عايزة أخسر الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أصحى الصبح مبسوطة عشان هشوفه. حبه ده سري ومكانه في قلبي، ومش هيطلع منه ابدا.”
وقالت بصوت أهدى وأعمق، صوت جاي من قلب بيحب بجد : “كل اللي أنا عايزاه إنه يكون كويس. ويتجاوز الوجع ده ويرجع يضحك تاني.”
في مكتب رائف في الدور العشرين.
كان رائف الحريري قاعد على كرسيه من غير ما يتحرك. صدره كان بيطلع وينزل ببطء، وإيده على الريموت متجمدة، وعيونه مثبتة على الشاشة الكبيرة اللي قدامه، بتبص على البنت اللي بتحبه في السر وصوتها طالع من السماعات واضح ودافي وصادق كأنها واقفة قدامه بالظبط.
كان بيسمع كل كلمة. كل كلمة قالتها عنه. وكل كلمة كانت بتدخل قلبه المقفول بالضبة والمفتاح وتخبط على بابه بخفة


