
رائف فضل قاعد قدام الشاشة الكبيرة حتى بعد ما صوت حنين سكت وبقى الأرشيف على الشاشة مجرد مشهد صامت لبنتين قاعدين وسط رفوف ملفات.
ما كانش قادر يتحرك، ولا يفتح الريموت، ولا حتى يشيل عينيه من على البنت. كلماتها كانت لسه بتتردد في دماغه كأن حد بيعيدها له بصوت هادي.
قام ببطء ووقف قدام الزجاج الكبير بتاع المكتب، وحط إيديه في جيوبه وبص على القاهرة اللي تحته.
عشرين سنة وهو بيتعامل مع الناس على إنهم مصالح وأرقام وصفقات. اتعلم من أبوه إن الناس اللي بتبتسم لك أكتر من اللازم هما أكتر ناس بيستنوا وقعتك.
كل الستات اللي عرفهم كانوا عايزين حاجة، حتى ميرهان نفسها، اللي كان فاكرها استثناء.
وفجأة لقى نفسه بيسمع بنت صغيرة في بدروم شركته بتقول إنها عايزاه يكون كويس، وبس.
رجع لمكتبه وضغط على زرار الاتصال الداخلي، وقال بصوت جاد:
«أستاذة سلوى، كلميلي مديرة الموارد البشرية حالًا».
بعد خمس دقايق كانت الأستاذة نادية واقفة قدامه بإيدين مرتعشة شوية، فاكرة إنه عايز يعاتبها أو يسألها عن حاجة تخص الأخبار.
لكنه قال بنبرة عادية جدًا:
«عايز ملف موظفة اسمها حنين، في قسم الأرشيف».
نادية رمشت بعينيها بدهشة: «حنين؟ الأرشيف يا فندم؟»
رائف: «أيوه. ممكن؟»
نادية: «طبعًا يا فندم، حالًا».
الملف وصل في دقايق. فتحه رائف وقرأ الصفحة الأولى بتركيز.
حنين محمود، خمسة وعشرين سنة، خريجة كلية تجارة بتقدير جيد جدًا، متعينة من سنتين.
ملاحظات المديرة المباشرة:
«منضبطة، أمينة، لا تتأخر أبدًا، ولا تطلب إجازات، وتتحمل ضغط الشغل من غير شكوى».
وفي آخر الصفحة، ورق تقييم سنوي كله درجات عالية، وعلى جنبه بخط صغير:
«رفضت ترقية للقسم المالي بسبب ظروف أسرية».
رائف قعد يبص على الصورة الصغيرة المثبتة في أول الملف.
وش هادي وعيون واسعة وابتسامة خجولة جدًا. وش ما كانش يعرفه، ومع ذلك كان حاسس إنه شافه ألف مرة في الكاميرات من غير ما ياخد باله.
قفل الملف وقال لنفسه بصوت هادي:
«سنتين في شركتي، وعمري ما شفتها».
وقف مرة واحدة، ولبس الجاكيت بتاعه وخرج من المكتب.
سلوى كانت بتتكلم في التليفون، أول ما شافته خارج حطت السماعة بسرعة وقامت وقفت:
«رائف بيه، حضرتك رايح فين؟ الاجتماع…»
ملاحظة: ده كل النص المقروء من صفحات الملف، والصفحة الأخيرة فيها تكملة غير ظاهرة؛ النص متوقف عند كلمة «الاجتماع».رائف:”الاجتماع بعد ساعة. أنا نازل الأرشيف، عايز ملف مهم.”
سلوى بصت له كأنها سمعت حاجة مش مفهومة: “حضرتك… تنزل الأرشيف بنفسك؟ طيب أنا أبعت حد يجيبه حالاً.”
رائف:”لا. أنا عايز أنزل بنفسي.”
قالها بحزم وخرج، وسلوى فضلت واقفة مكانها مش فاهمة حاجة.
في الأسانسير كان فيه اتنين موظفين، أول ما دخل عليهم رائف وقفوا زي الجنود وبصوا قدامهم وما حدش فيهم يتنفس.
وفي كل دور كان الأسانسير بيقف فيه ويفتح، الموظفين كانت بتبص عليه وتتجمد. كان واضح إن الخبر وصل لكل الشركة إن الباشا نازل البدروم بنفسه.
في الأرشيف، كانت بسمة هي اللي سمعت الصوت الأول.
صوت خطوات تقيلة بتقرب في الطرقة الطويلة اللي قدام القسم.
رفعت راسها من على الملف اللي كانت بتصنفه وقالت وهي بتضحك: “ده أكيد عم محمد عامل الشاي وجايب لنا معاه الاخبار الجديدة والكلام اللي بيتقال فوق.”
لكن الخطوات ما كانتش خطوات عم محمد.
الباب اتفتح بهدوء، ووقف رائف الحريري. طويل، لابس بدلته الغامقة وفي عينيه نظرة تمسح المكان كله بسرعة.
الملف اللي كان في إيد بسمة وقع على الأرض من غير ما تحس، وفمها اتفتح وما طلعش منه صوت.
حنين كانت قاعدة قدام الجهاز بظهرها للباب، بتكتب اسم ملف على الكيبورد. شافت بسمة متجمدة فقالت من غير ما تلف: “في إيه يا بسمة؟ الملف وقع من ايدك؟”
بسمة قالت بصوت مخنوق: “حنين… لفي.”
حنين : “ليه؟”
بسمة: “لفي بس.”


