عام

حكايات ملك ابراهيم ٣

كان قاعد قدامها بيتابع صدمتها بابتسامة ما قدرش يخبيها، ابتسامة واحد شاف حاجة نادرة جداً وعايز يحافظ عليها. سند ضهره على الكرسي، وشبك صوابعه قدام صدره، وقال بهدوء وهو بيبص لها بتركيز: “ها يا حنين؟ قلتي إيه؟”.

 

“طبعا موافقة.” الكلمة خرجت من بؤق حنين أسرع من تفكيرها.

 

رائف رفع حاجبه بدهشة خفيفة وحاول يخبي ابتسامته: “كده بسرعة؟ مش عايزة تفكري؟ ممكن تاخدي وقتك لحد بكره.”

 

حنين اتخضت من نفسها، ووشها اتورد تاني: “لا… يعني… أنا آسفة. قصدي إن حضرتك لو شايف إني أقدر أنفع، أنا هبذل أقصى جهدي. أنا بس خايفة أبقى أقل من اللي حضرتك متوقعه.”

 

“أنا متوقع إنك هتنجحي في أي مكان تكوني فيه .” قالها بصوت أنعم من المعتاد بكتير، وكمل كلامه . “هتبدأي من بكره الصبح. الأستاذة منى هتبلغك بالقرار الرسمي، والأستاذة سلوى هتبقى معاكي في الأول.”

 

“حاضر يا فندم. شكراً… شكراً جداً.”

 

قامت وهي بتسند إيدها على حرف الكرسي لحظة، كأن رجليها ما صدقتش لسه إنها شايلاها، وبعدين لفت وخرجت بخطوات حاولت تخليها عادية. الباب اتقفل وراها بصوت ناعم.

 

رائف فضل قاعد في مكانه ثواني، وبعدين زفر نفس طويل كأنه كان بيجري مسافة بعيدة. بص على الكرسي اللي كانت قاعدة عليه وابتسم لنفسه وهو بيهز راسه: “إيه اللي بتعمله ده يا رائف؟” ما لقاش إجابة. بس ما حاولش يوقف الابتسامة.

 

نزلت حنين الأسانسير لوحدها، ولأول مرة في حياتها ما حسّتش بالأدوار وهي بتعدي. كانت بتبص في المراية اللي قدامها وبتشوف بنت وشها أحمر وعينيها بتلمع وشفايفها بتحاول تفضل مقفولة وهي بتتفتح لوحدها غصب عنها.

 

أول ما دخلت الأرشيف قفلت الباب وراها وسندت ضهرها عليه ونزلت بإيدها على قلبها. بسمة كانت قاعدة قدام جهازها وأول ما شافتها قامت واقفة: “إيه يا بنتي؟ كل ده تأخير ! حصل إيه؟ عملتي إيه فوق؟ رائف بيه كان عايز إيه؟”

 

حنين فتحت بقها وقفلته وفتحته تاني، وأخيراً قالت بصوت واطي جداً كأنها خايفة الحيطان تسمع: “بسمة… هو عيّنّي سكرتيرة.”

 

بسمة وقفت مكانها كأنها اتشلّت. القلم اللي كان في إيدها وقع على الأرض. “إيه؟”حنين : “عيّنّي سكرتيرة. سكرتيرة خاصة. في الدور العشرين. جنب مكتبه.”

 

بسمة :”هو… هو… بجد؟ إنتي مش بتهزري؟”

 

“والله العظيم ما بهزر.” حنين قعدت على أقرب كرسي وهي بتضحك وبتعيط في نفس الوقت. “وقلت له موافقة، من غير ما أفكر، من غير ما أسأل عن حاجة، قلت موافقة زي المجنونة. تخيلي؟ هو قال لي ممكن تفكري لحد بكره، وأنا قلت موافقة على طول.”

 

بسمة جريت عليها وحضنتها بكل قوتها وهي بتصرخ بصوت مكتوم: “يا نهار أبيض! يا بنتي إنتي هتشتغلي مع رائف الحريري بنفسه! هتشوفيه كل يوم! كل يوم يا حنين!”

 

“كل يوم.” حنين رددتها وهي مش مصدقة نفسها. “بسمة، أنا مش عارفة أتنفس. أنا حاسة إني لو فتحت عيني هلاقي نفسي في سريري وأكتشف إن ده كله حلم.”

 

“هو مش حلم.” بسمة مسحت دموعها هي كمان. “بس لازم تاخدي بالك. أنا فرحانة ليكي من قلبي، بس الموضوع غريب يا حنين. إزاي واحد زيه ينزل الأرشيف ويعينك سكرتيرة في يومين؟”

 

“ما أعرفش.” حنين هزت راسها وابتسامتها لسه على وشها. “ومش عايزة أعرف. خليني أفرح بس. ولو بس لمدة ساعة. أنا عمري ما كنت فرحانة كده.”

 

بسمة بصت لها لحظة وبعدين ابتسمت: “ماشي. افرحي يا ستي. وأنا هفرح معاكي.”

 

وفجأة التليفون الداخلي رن. حنين اتخضت وجريت ترفع السماعة. كانت الأستاذة منى، رئيسة قسم الأرشيف، بصوتها الجاد المعتاد: “حنين؟ إنتي وبسمة تطلعوا فوق حالاً. في اجتماع عام لكل موظفين الشركة في القاعة الكبيرة الدور التاسع، والمدير العام طلب حضور الكل بدون استثناء.”

 

حنين: “حاضر يا أستاذة منى.”

 

منى سكتت لحظة وبعدين كملت بنبرة مليانة استغراب: “وصلني من مكتب الأستاذ رائف قرار إداري بنقلك من بكره للسكرتارية الخاصة. مبروك. أنا مش عارفة ده حصل إزاي، بس القرار موقّع وجاهز. هتسلمي شغلك لبسمة النهاردة.”

 

حنين :”حاضر يا أستاذة منى.”

 

قفلت السماعة وبصت لبسمة اللي كانت بتسمع كل كلمة. وبدون ما يتكلموا، ضحكوا الاتنين ضحكة مكتومة زي بنتين صغيرين اتفقوا على سر.

 

رواية الكاتبة ملك إبراهيم.

 

القاعة الكبيرة كانت مليانة على آخرها. كل الموظفين من كل الأقسام واقفين صفوف ورا بعض، والمدراء ورؤساء الأقسام قاعدين في الصفوف الأمامية على كراسي مرتبة، وصوت الهمس ماليها زي طنين نحل. كل الكلام عن حاجة واحدة، وعن راجل واحد.حنين وبسمة وقفوا في آخر القاعة، جنب عمود رخام كبير، وسط زحمة موظفين من قسم الحسابات وقسم المشتريات. حنين كانت حاسة إن قلبها بيدق في ودانها، وإيديها باردة رغم الجو الدافي، وعينيها مثبتة على الباب الجانبي اللي بتدخل منه الإدارة.

 

فجأة، الهمس وقف.

 

الباب اتفتح، ودخل رائف الحريري.

 

دخل بخطوات ثابتة وهادية وكتافه مفرودة، لابس بدلة رمادية غامقة وقميص أبيض. الصمت اللي نزل على القاعة كان صمت احترام وخوف وفضول، كأن مئات الناس بتحبس أنفاسها في نفس اللحظة.

 

وحنين وقفت في آخر القاعة وهي حاسة إن الدنيا ضاقت وما فضلش فيها غير الراجل اللي ماشي في نص القاعة. عيونها كانت بتتابعه من وسط الزحمة، من بعيد قوي، لكنها كانت شايفاه أوضح من أي حاجة قدامها. شافت إزاي بيمشي، وإزاي بيرفع راسه، وإزاي بيحط إيده في جيب البنطلون بحركة هادية ويطلع على المنصة.

 

وقف قدام المايك، وبص على الصفوف قدامه ببطء. “صباح الخير.”

 

القاعة ردت بصوت واحد: “صباح النور يا فندم.”

 

“أنا عارف إن ناس كتير هنا مستنية تسمع حاجة معينة النهاردة.” رائف قال بصوت قوي وواضح وصل لآخر القاعة من غير ما يحتاج يرفعه. “وأنا هقول لكم الحقيقة. الأسبوع اللي فات كان صعب على الشركة، وعلى أي حد بيرتبط باسمها. الأسهم نزلت، والصحافة اتكلمت، والمنافسين فرحوا. لكن الحاجة اللي لازم تفتكروها كويس إن الشركة دي ما اتبنتش بالفضايح، واتبنت بإيديكم أنتم. ولسه محتاجة إيديكم أكتر من أي وقت.”

 

سكت لحظة وحرك عينيه على الصفوف، صف بعد صف، وجه بعد وجه. “الفترة الجاية محتاجة مننا مجهود مضاعف. هنشتغل أكتر ونركز أكتر ونقدم أحسن مما قدمنا قبل كده. وأنا مش هطلب منكم حاجة مش هعملها أنا الأول. أنا هكون معاكم في كل خطوة، في كل اجتماع، في كل ملف…”

 

وفجأة عينيه وقفت.

 

كانت بتمشي على الصف الأخير، ولقى فيه عمود رخام، وجنب العمود بنت لابسة بلوزة زرقا فاتحة، شعرها مربوط ووشها صغير، وعينيها… عينيها العسلي الواسعة بتبص عليه من وسط مئات الوشوش.

 

عيونهم اتقابلت.

 

لثانية، ما كانش في قاعة ولا موظفين ولا مدراء. كان في بس نظرة، نظرة طويلة وهادية اتمدت بين اتنين من آخر القاعة لأولها. حنين حسّت إن الهوا وقف، وإن قلبها خبط في صدرها خبطة واحدة تقيلة. ورائف حسّ إن الكلام اللي كان هيقوله اتبخر من دماغه مرة واحدة، كأنه ما كانش موجود أصلاً.

 

القاعة كانت ساكتة. خمس ثواني. عشر ثواني.

 

واحد من المدراء في الصف الأول كحّ كحة صغيرة ومتعمدة. موظفين بدأوا يبصوا لبعض باستغراب.

 

رائف فاق. ابتسم ابتسامة صغيرة جداً ما حدش لاحظها غير حنين، وقال بصوت أهدى شوية: “…في كل ملف. وهنعدي الأزمة دي سوا، زي ما عدينا غيرها.”

 

كمل كلامه. واتكلم عن الخطة الجديدة، وعن المشاريع اللي مستنية، وعن فرص التطوير. لكن عينيه كانت بتهرب منه كل شوية. كل جملتين تلاتة، تتحرك عيونه ناحية الصف الأخير، ناحية العمود الرخام، ويرجع بسرعة وكأنه لقى نفسه بيعمل غلط.

 

حنين كانت بتحس بكل نظرة، كأن حد بيلمسها بإيده من بعيد. كل مرة كان بيبص عليها فيها، قلبها كان بيدق دقة واحدة أقوى من اللي قبلها. وكل مرة كانت بتحاول تنزل عينيها وما تقدرش، لحد ما حسّت إن وشها هيولع.

 

بسمة كانت واقفة جنبها ومش قادرة تصدق اللي بتشوفه. دقت بكوعها في حنين بخفة وهمست من بين أسنانها: “إنتي واخدة بالك؟”

 

“بسمة، بطلي.” همست حنين من غير ما تحرك شفايفها تقريباً.

 

“بس هو…”

 

“بسمة.”

 

“خلاص.”

 

في آخر الاجتماع، رائف قال بجملته الأخيرة بصوت دافي وثابت: “أنا واثق فيكم، وواثق إننا مع بعض هنرجع أقوى. شكراً لحضوركم.”

 

التصفيق عمّ القاعة. بدأ بسيط وبعدين بقى عالي وحماسي. حنين كانت بتصقف هي كمان، بس إيديها كانت بتترعش، وعينيها اتمدت لآخر لحظة تتابعه وهو بينزل من المنصة وبيخرج من الباب الجانبي، من غير ما يبص ورا. لكن قبل ما الباب يتقفل، ما قدرش يقاوم. لف راسه نص لفة، ولقى عينيها لسه عليه.

 

بعدين الباب اتقفل.

 

الموظفين بدأوا يخرجوا من القاعة بزحمة، وكانت الأصوات بتعلى تدريجياً: “الباشا شكله رجع زي الأول.” “اتكلم كويس.” “بس مين اللي كان بيبص عليه طول الوقت؟ كان بيتلخبط فجأة.”

 

بسمة مسكت دراع حنين وسحبتها لركن في آخر الطرقة، بعيد عن الزحمة، ولفت لها وعينيها واسعة: “حنين، أنا مش بهزر. إنتي شفتي ولا لأ؟”شفت إيه؟” حنين حاولت تعمل نفسها مش فاهمة.

 

“إنتي شفتي! شفتي عينيه! ده كان بيبص عليكي طول الاجتماع، يا بنتي! أنا كنت واقفة جنبك وشفت كل نظرة. لما سكت وسط الكلام، كان بيبص على العمود اللي إحنا واقفين جنبه بالظبط. والتاني لما بص تاني، والتالت. أنا عدتهم. تمن مرات.”

 

“تمن مرات؟” حنين ضحكت بتوتر. “إنتي بتعدي نظراته؟ بسمة إنتي مجنونة.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى