عام

الطلاق ١

كان الجو خانقًا على نحوٍ لا يُحتمل، حتى بدا الهواء نفسه وكأنه يشتعل. وقف يوسف في منتصف الصالة مرتديًا بدلته الرسمية، وقد التصق القماش بجسده من شدة الحر، بينما كان التكييف المعطل يضيف إلى توتره توترًا آخر.
كان يمسك بملفٍ بين يديه بإحكام، كأنه يستعد لمعركة لا لعقد قران.
مسح العرق المتجمع على جبينه، وزفر بضيق.
قال المأذون وهو يلوّح بطرف عمامته محاولًا تهوية نفسه:
ـ “يا ابني العروسة فين؟ إحنا هنتشوي كده!”
أجابت أم يوسف بابتسامة مطمئنة:
ـ “اصبر يا شيخنا… البت ليلى دقيقة في مواعيدها. تلاقيها بتنقذ حد ولا حاجة… أصلها دكتورة.”
تمتم يوسف وهو يقلب عينيه نحو السقف:
ـ “ما هي لو نقذت كل الناس… مين هينقذني أنا من الجوازة دي والحر ده؟ هفطس يا ناس!”
في تلك اللحظة، دوّى طرقٌ خفيف على الباب.
خبطتان فقط.
التفت الجميع.
انفتح الباب، ودخلت ليلى بخطوات سريعة، تحمل حقيبتها الطبية على كتفها، بينما كانت خصلات شعرها قد التصقت بجانب وجهها من أثر الإرهاق.
قالت وهي تلتقط أنفاسها:
ـ “آسفة… كان فيه ست ضغطها وصل لـ٢٠٠. كنت أسيبها تموت وآجي أتجوز يعني؟”
رمقها يوسف بنظرة ساخرة وقال:
ـ “لا طبعًا يا دكتورة… اتفضلي ارتاحي الأول من الحر ده.”
لم يستغرق عقد القران سوى دقائق معدودة.
أنهى المأذون مهمته ورحل مسرعًا، وكأنه يهرب هو الآخر من الحرارة.
أطلقت أم يوسف زغرودة وحيدة خافتة، ثم غادرت.
وأخيرًا…
أُغلق الباب.
ساد الصمت.
وقف يوسف بجوار الباب، بينما اتجهت ليلى نحو السفرة، تضع حقيبتها فوق أحد المقاعد.
تبادل الاثنان نظرة قصيرة.
ثم أخرج يوسف عدة أوراق من جيبه ومدّها نحوها.
ـ “طيب… خلصنا من الرسميات. اتفضلي، ده العقد اللي بيني وبينك.”
أخذت الأوراق منه وهي تعقد حاجبيها.
ـ “عقد إيه تاني؟ مش كفاية القسيمة؟”
هز رأسه بثبات.
ـ “لا. ده عقد اتفاق.”
بدأت تقرأ البنود بسرعة:
1- الطلاق بعد ستة أشهر.
2- لكل طرف غرفته الخاصة.
3- أمام الناس نتصرف كزوجين سعيدين.
4- من يقع في الحب أولًا يدفع مليون جنيه.
رفعت رأسها ببطء، ثم نظرت إليه وكأنها تشك في سلامة قواه العقلية.
ـ “مليون جنيه؟! إنت فاكر نفسك توم كروز؟”
ارتسمت ابتسامة مستفزة على شفتيه.
ـ “طب زودي كمان… اللي يقع في الحب الأول يتنازل عن الشقة والعربية.”
وضعت الورقة على الطاولة وقالت بثقة:
ـ “موافقة. وزود كمان كليته الشمال عشان تبقى الخسارة بجد.”
ضحك يوسف وهو يشير إليها بإصبعه.
ـ “اتفقنا… عشان لما أكسب أحط الكلية في برطمان عندي في الشغل.”
وقّعا العقد.
يوسف السرجاني
د. ليلى رفعت
أعاد يوسف الأوراق إلى الملف، ثم قال:
ـ “مبروك يا مدام. ست شهور بالظبط… عديهم على إيدك.”
أجابت فورًا:
ـ “١٨٢ يوم. حسبت الويك إند كمان. أنا دكتورة… بحسب الجرعة بالسنتي.”
هز رأسه بإعجاب ساخر.
ـ “عظمة… يلا ورايا.”
قادها إلى غرفتها.
فتح الباب وأشار بيده إلى الداخل.
ـ “أوضتك آخر الطرقة يمين. الحيطة الرمادي دي خط أحمر… ممنوع التعليق عليها.”
دخلت ليلى الغرفة وأخذت تتأملها.
كانت مرتبة بصورة مبالغ فيها، خالية تقريبًا من أي لمسة حياة.
شهقت وهي تنظر حولها.
ـ “يا ساتر! إيه الكآبة دي؟ حاسة إني دخلت مستشفى.”
عقد يوسف ذراعيه أمام صدره.
ـ “ده اسمه ستايل هادي.”
ضحكت بسخرية.
ـ “ده يجيب الضغط. هعلق شهادتي هنا.”
ـ “على جثتي.”
ـــ
بعد قليل…
كان يوسف في المطبخ يعد قهوته المعتادة.
دخلت ليلى وهي تضع كيس أدوية فوق الرخامة.
ما إن رآه حتى انتفض.
ـ “شيلي الزفت ده!”
استدارت نحوه بدهشة.
ـ “إيه؟!”
أشار إلى الرخامة بقلق حقيقي.
ـ “الرخامة دي غالية.”
حدقت فيه لثوانٍ.
ـ “ده دوا ضغط يا بني آدم!”
ـ “حطيه في درج التلاجة.”
تنهدت باستسلام مصطنع.
ـ “حاضر يا سعادة البيه.”
ثم أضافت بنبرة مستفزة:
ـ “في أوامر تانية؟”
رفع إصبعه يعدّد:
ـ “المواعين ما تباتش… والتلاجة أنا اللي برتبها.”
وضعت يديها على خصرها.
ـ “إنت عايز زوجة ولا خدامة بكاتالوج؟”
في منتصف الليل…
عادت ليلى من المناوبة مرهقة.
كان الإرهاق ظاهرًا في عينيها وخطواتها البطيئة.
لكنها توقفت فجأة عندما وجدت يوسف جالسًا على الأرض وسط عشرات عينات السيراميك.
رمشت عدة مرات.
ـ “إنت بتعمل إيه؟ بتحضر عفريت؟”

رفع رأسه دون أن يلتفت بالكامل.
ـ “بختار سيراميك حمام.”
ـ “الساعة ١٢؟”
ـ “أنا بشتغل بالليل.”
وبينما كانت تمر بجواره…
اصطدم قدمها بإحدى العينات.
ـ “آآه!”
قفز يوسف واقفًا.
ـ “حاسبي! دي المتر بألف جنيه!”
أمسكت إصبع قدمها وهي تتألم.
ـ “صباعي كان هيتقطع وإنت خايف على السيراميك؟!”
ـ “ما تبصي قدامك!”
ـ “وإنت ما تحطش الزفت ده في نص الصالة!”
وقفا متقابلين.
هي تتألم.
وهو متضايق.
ثم قال فجأة:
ـ “على فكرة… الزعيق بيبوظ طاقة المكان.”
حدقت فيه غير مصدقة.
ـ “والله؟ والطاقة السلبية كلها طالعة منك ومن السيراميك بتاعك يا جحش!”
كاد يرد بعصبية، لكنه لمح الاحمرار في إصبعها.
تنهد واستسلم.
اقترب قليلًا.
ـ “هاتي رجلك أشوف.”
تراجعت خطوة.
ـ “خايف على إيه؟ على الباركيه؟”
ـ “لا… خايف ألبس مصيبة لو جرالك حاجة.”
تفحص إصبعها سريعًا.
ثم قال:
ـ “كويس. مجرد خبطة.”
اعتدل واقفًا.
ـ “حطي تلج.”
استدارت نحو غرفتها وهي تتمتم:
ـ “شكرًا يا دكتور يوسف.”
وأغلقت الباب خلفها بعنف.
ظل يوسف واقفًا للحظة.
ثم نظر إلى عينات السيراميك المبعثرة وقال مخاطبًا إياها:
ـ “معلش يا حبايبي… هي همجية شوية بس هتتعود عليكم.
كان يوسف جالسًا أمام حاسوبه المحمول، غارقًا في مراجعة بعض الرسومات الهندسية. لم يكن يسمع سوى صوت لوحة المفاتيح وصمت الليل الثقيل.
فجأة…
وصلته كحة من غرفة ليلى.
رفع رأسه قليلًا.
ثم جاءت كحة ثانية.
وثالثة.
متتابعة وعنيفة.
قبل أن يسمع صوت ارتطام حاد أعقبه تحطم زجاج.
تجمد في مكانه لثانية.
ثم نهض بسرعة واتجه إلى غرفتها.
طرق الباب بقوة.
ـ “ليلى؟”
لا رد.
طرق مرة أخرى.
ـ “ليلى!”
ظل الصمت مخيمًا.
أمسك المقبض وفتحه دون تفكير.
وجدها جالسة على السرير، ظهرها مستند إلى الحائط الرمادي، ووجهها محتقن بالاحمرار. كانت دموعها تملأ عينيها بينما تناثرت شظايا كوب زجاجي مكسور على الأرض بجوارها.
اقترب بخطوات سريعة وقد انعقد حاجباه قلقًا.
ـ “مالك؟ في إيه؟”
رفعت رأسها بصعوبة.
كان صوتها مبحوحًا ومتقطعًا.
ـ “شرقت… والكوباية وقعت مني.”
زفر يوسف بارتياح خفيف.
ثم التقط حقيبتها الطبية من فوق الكومود.
ـ “الدوا فين؟”
أشارت بيد مرتجفة نحو الحقيبة.
ـ “الأزرق… بتاع الكحة.”
ظل يقلب بين الأدوية حتى وجده.
فتح الزجاجة وأعطاها الجرعة، ثم أسرع إلى المطبخ وعاد بكوب ماء.
شربت ببطء.
وبعد دقائق بدأت أنفاسها تنتظم قليلًا.
أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الحائط.
أما يوسف فظل واقفًا للحظات لا يعرف ماذا يفعل.
حك مؤخرة رأسه بتوتر قبل أن يسأل:
ـ “إنتِ كويسة؟”
فتحت عينًا واحدة ونظرت إليه.
ـ “لا.”
سحب كرسيًا من جانب الغرفة وجلس بعيدًا عنها مسافة آمنة.
ـ “طب عايزة إيه؟”
أجابت دون أن تفتح عينيها:
ـ “عايزاك تمشي.”
رفع حاجبيه.
ـ “مش همشي.”
ثم أضاف بجدية مصطنعة:
ـ “لو موتي دلوقتي هلبس أنا فيكي.”
خرجت منها ضحكة صغيرة رغم تعبها.
ـ “طول عمرك ندل.”
ارتخت ملامحه قليلًا.
وساد بينهما صمت قصير.
نهض يوسف فجأة وغادر الغرفة.
نظرت ليلى إلى الباب باستغراب.

السابق1 من 7
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى