عام

الطلاق ١

لكنه عاد بعد دقيقة واحدة فقط.
وفي يده شريط بنادول.
وضعه بجوارها على السرير.
ـ “عارف إنك مش مصدعة.”
ثم هز كتفيه.
ـ “بس البنادول ده بينفع لما الواحد يبقى متضايق. خديه احتياطي.”
فتحت عينيها بالكامل هذه المرة.
ونظرت إليه مطولًا.
ـ “وإنت مالك؟ مش شغلك على فكرة.”
أجاب وهو يتجنب النظر إليها:
ـ “لا… شغلي.”
عقد ذراعيه أمام صدره وأضاف:
ـ “العقد بيقول نعيش مع بعض. والعيشة يعني لو حد تعب التاني يساعده.”
توقف لحظة ثم أكمل:
ـ “ده بند جديد ألفته حالًا.”
ابتسمت رغمًا عنها.
ـ “كداب أوي.”
أشار بيده نحو الباب.
ـ “خلاص. خلصنا.”
استدار وغادر الغرفة.
وقبل أن يغلق الباب خلفه…
سمع صوتها يناديه بهدوء:
ـ “يوسف…”
توقف دون أن يلتفت.
ـ “شكرًا.”
ظل صامتًا لثانية.
ثم أغلق الباب بهدوء هذه المرة.

في صباح اليوم التالي…
تسللت رائحة القهوة إلى أنحاء الشقة.
خرجت ليلى من غرفتها لتجد يوسف جالسًا على طاولة السفرة، وأمام كل منهما مجّ قهوة.
رفع عينيه إليها للحظة قصيرة.
ـ “صباح الخير.”
جلست مقابله.
ـ “صباح النور.”
أشار إلى المج الموجود أمامها.
ـ “القهوة سادة عشان الضغط.”
نظرت إليه باستغراب خفيف.
ثم أخفت ابتسامتها سريعًا.
ارتشفت رشفة صغيرة قبل أن تسأله:
ـ “واللوحة اللي باظت إمبارح؟”
تنهد يوسف بأسى مبالغ فيه.
ـ “عملت غيرها.”
ثم أشار إليها بإصبعه.
ـ “وخصمت الستة آلاف جنيه من غرامتك المستقبلية.”
رفعت حاجبًا باستنكار.
ـ “غرامة إيه؟”
ارتسمت على وجهه ابتسامة مشاكسة.
ـ “غرامة إنك عيطتي وأنا اتأثرت.”
توقف لحظة.
ثم أكمل بجدية زائفة:
ـ “وده معناه إننا وقعنا في الحب.”
وأشار إلى نفسه.
ـ “يبقى عليا مليون جنيه.”
شرقت ليلى بالقهوة وكادت تسعل.
ـ “إنت اتجننت؟!”
انفجر يوسف ضاحكًا لأول مرة منذ زواجهما.
ـ “بهزر.”
ثم أضاف وهو يشير إلى المج:
ـ “اشربي قهوتك بعيد عن أي لوح ولا أي حاجة قابلة للكسر.”
هزت رأسها وهي تضحك رغمًا عنها.
ـ “ماشي يا يوسف…”
ثم ضيقت عينيها محذرة:
ـ “بس لو هزارك ده قلب جد… هتدفع المليون وكليتك.”
أومأ برأسه بكل جدية.
ـ “موافق.”
ساد الصمت بعدها.
لكن لم يكن ذلك الصمت المتوتر الذي ملأ الشقة في يومهما الأول.
جلسا يحتسيان القهوة معًا.
ولأول مرة منذ دخلا هذا البيت…
لم تعد الجدران الرمادية تبدو كئيبة إلى هذا الحد.

الفصل الثاني
خرجت ليلى من غرفتها وهي تفرك إحدى عينيها بنعاس واضح. كان شعرها منكوشًا على نحوٍ مضحك، وكعكتها الشهيرة مائلة إلى جانب رأسها كأنها خاضت معركة أثناء النوم. ارتدت بيجامة قطنية مزينة بدباديب صغيرة، بينما كانت تحمل مج القهوة الخاص بها المكتوب عليه:
Keep Calm I’m a Pharmacist
توقفت عند مدخل الصالة، تتأمل يوسف الواقف أمام النافذة ممسكًا بشريط القياس.
تثاءبت طويلًا وقالت:
ـ “صباح الخير… إنت بتعمل إيه من الفجر؟ بتبني حيطة؟”
أجاب دون أن يرفع عينيه عن القياسات:
ـ “صباح النور. بقيس الشباك عشان الستاير. هتتركب النهارده.”
ارتشفت رشفة من القهوة.
ـ “ستاير؟ حلو. أخيرًا هنستر نفسنا. أنا بحس إني قاعدة في فاترينة عرض والعمارة اللي قصادنا كلها بتتفرج علينا.”
استدار نحوها وقال بجدية كاملة:
ـ “أيوه. ستارة بلاك أوت. سودا. تقيلة. تمنع النور مية في المية.”
توقفت القهوة في منتصف الطريق إلى فمها.
ـ “نعم؟!”
أشار إلى الشباك.
ـ “عشان أعرف أنام الضهر.”
حدقت فيه وكأنه اعترف بجر\يمة.
ـ “سودا؟! هنعيش في كهف؟”
ـ “أنا بشتغل بالليل يا ليلى. والنور بيعملي صداع نصفي.”
رفعت إصبعها تحاضر فيه كأنها داخل محاضرة جامعية.
ـ “والشمس اللي ربنا خلقها؟ والفيتامين د؟ والبكتيريا اللي بتموت؟ نموت من الكساح عشان جنابك تنام؟”
رد ببرود:
ـ “الفيتامين د خديه حبوب.”
ثم أضاف:
ـ “أنا عايز ضلمة. ضلمة كحل.”
شهقت باستنكار.
ـ “وأنا عايزة شيفون أبيض. يدخل نور وهوا. عشان البيت مايبقاش ثلاجة موتى.”
ـ “الشيفون بيدخل نور.”
ـ “والبلاك أوت بيجيب اكتئاب.”
ـ “أنا محتاج أنام.”
ـ “وأنا محتاجة أعيش.”
عقد يوسف ذراعيه أمام صدره.
ـ “خلاص. مفيش ستاير.”
هزت كتفيها.

 “ماشي. بس لما الجيران يصورونا وإحنا بنتخانق ماتزعلش.”
عاد كل منهما للنظر فيما بيده.
هو ينظر إلى شريط القياس.
وهي تنظر إلى القهوة.
وكأن المفاوضات الدولية قد فشلت رسميًا.
بعد ساعة…
رن جرس الباب.
دخل عامل الستاير وهو يحمل رزمًا ضخمة من القماش.
ـ “أستاذ يوسف؟ الستاير وصلت.”
أشار يوسف فورًا.
ـ “حط الأسود هنا.”
وفي اللحظة نفسها قالت ليلى:
ـ “لا. الأبيض هنا.”
تجمد العامل في مكانه.
نظر إلى يوسف.
ثم إلى ليلى.
ثم عاد ينظر إلى يوسف.
ـ “يا أساتذة… ريحوني. أركب أنهي؟”
وفي اللحظة نفسها:
ـ “الأسود!”
ـ “الأبيض!”
تنهد الرجل بحسرة.
ـ “لا إله إلا الله.”
ثم حك رأسه مفكرًا.
ـ “طب ما تركبوا الاتنين فوق بعض؟”
ساد الصمت.
ـ “إزاي؟”
ـ “الأسود جوه… والأبيض بره. اللي عايز ضلمة يقفل الأسود. واللي عايز نور يفتحه.”
نظر يوسف إلى الفكرة بعين المهندس.
ـ “مقبولة هندسيًا.”
ابتسمت ليلى.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى