قصص وروايات

طليقي طلب

أبويا بص للأوراق، وبعدها رفع عينيه.

إنتِ بتتهميني إني تسببت في وفاة أخوكي؟

أنا بسألك كنت تعرف إن فيه حد بيستخدم شركتك في تحويلات غير قانونية؟

سكت فترة طويلة.

وبعدين قال جملة ما كنتش متوقعاها.

أنا كنت عارف إن كريم بيعمل معاملات مش واضحة. لكن ما كنتش أعرف إن الموضوع وصل ليوسف.

قلبي وجعني.

ولما يوسف مات؟

غمض عينيه.

كريم قال لي إنها حادثة، وإن فتح الملفات هيضيع الشركة ويضيّعنا كلنا. أنا صدقته… أو يمكن اخترت أصدقه.

وإنت لما قررت تجوزني له، كنت عارف إنه ضغط على يوسف؟

ما كنتش أعرف كل التفاصيل.

هزيت راسي ببطء.

حتى لو ما كنتش عارف كل حاجة، إنت عرفت إن كريم بيضغط عليا، وسمعته وهو بيهددني، وسكت. إنت ما كنتش محتاج تعرف كل جرائمه عشان تعرف إنك بتسلّم بنتك لراجل بيخوفها.

لأول مرة، شفت أبويا من غير الغضب اللي كنت بخاف منه طول عمري.

شفت راجلًا كبيرًا، متمسكًا بعالمه لدرجة إنه ما انتبهش إنه بيخسر أولاده واحدًا وراء التاني.

مد إيده ناحيتي.

ارجعي معايا. هنصلح كل حاجة. هنلغي الجوازة، وهديكي حقك، وكل اللي إنتِ عايزاه.

بصيت لإيده، لكني ما مسكتهاش.

أنا مش عايزة فلوس مقابل إني أسامحك. ومش عايزة اعتذار يرجعني لنفس البيت اللي هربت منه.

دموعه نزلت.

يعني مش هتسامحيني؟

قلت

أنا لسه بنتك، حتى لو مش قادرة أسامحك دلوقتي. لكن كوني بنتك مش معناه إنك تملك حياتي.

وقفت.

الحقيقة هتظهر، يا بابا. لو إنت بريء من اللي حصل ليوسف، خليك أول واحد يساعد في كشفها. ولو كنت غلطان، لازم تتحمل مسؤولية غلطك.

خرجت من القاعة وأنا حاسة بألم كبير، لكن لأول مرة ما كنتش حاسة بالذنب.

ما كنتش مسؤولة عن إصلاح أبي.

وما كنتش مسؤولة عن إنقاذ اسم العيلة على حساب نفسي.

كريم البدري يرتكب الغلطة اللي أنهت كل شيء
كريم ما استناش التحقيق يوصل له.

في الليلة اللي بعد مقابلتي لأبويا، وصلني اتصال من رقم مجهول.

صوت كريم كان واضحًا من أول كلمة.

مساء الخير يا إيلينا.

إيديا بردت.

عايز إيه؟

عايزك تبطلي لعب العيال ده. أبوكي تعبان، والشركة كلها على وشك الانهيار بسببك.

الشركة مش شركتي، وأنا ما عملتش حاجة غير إني طلبت حقي.

ضحك.

حقك؟ إنتِ فاكرة إنك تقدري تقفي قدامي؟ أنا أقدر أخلي كل واحد ساعدك يندم.

سمعت صوت باب بيتقفل في الخلفية.

وبعدين قال

عندي

عرض أخير. ترجعي مصر، وتوقّعي التنازل عن حصة يوسف، ونقفل الموضوع. وإلا كل حاجة هتطلع للناس، بما فيها اختفاؤك وهويتك المزيفة.

قلت

أنا مش خايفة من إن الناس تعرف إني هربت من جوازة بالإكراه.

سكت للحظة.

يبقى إنتِ اخترتي الطريق الصعب.

وقفل.

أبلغت المحامي فورًا، وسلّمناه تفاصيل المكالمة. وبناءً على ضغوطه والأدلة اللي كانت موجودة بالفعل، تم توثيق الاتصال وضمّه لملف القضية وفق الإجراءات القانونية.

بعدها بيومين، كريم حاول يعمل آخر حركة.

بعت مستندًا مزورًا إلى الجهة المسؤولة عن تسجيل حصة يوسف، مدعيًا إن إيلينا تنازلت عنها قبل سفرها.

لكن المحامي كان مستعدًا.

قدّم النسخة الأصلية من الوصية، وسجلات التوقيع، وشهادة الشخص اللي استلم المستندات من يوسف، وطلب فحصًا فنيًا للمحرر الجديد.

النتيجة الأولية كشفت اختلافات واضحة في التوقيع، وبيانات إلكترونية لا تتفق مع التاريخ المكتوب على المستند.

وفي نفس الوقت، سجل الصيانة اللي احتفظ بيه توني كشف إن العربية اللي مات فيها يوسف اتعمل فيها تغيير غير مبرر في أحد مكونات نظام التوجيه، وإن طلب الصيانة اتسجل باستخدام بيانات شركة لم تعد مخولة بتنفيذ العمل.

المعلومة دي ما كانتش كفاية وحدها لإثبات إن الحادثة كانت مدبرة، لكنها فتحت بابًا جديدًا للتحقيق.

الشرطة استدعت الأشخاص اللي ظهرت أسماؤهم في السجلات، واتراجع التسجيل الصوتي، والتحويلات المالية، والمراسلات المرتبطة بكريم.

وبعد أسابيع من التحقيق، اتضح إن كريم كان متورطًا في تزوير مستندات مالية، ومحاولة الاستيلاء على حصة يوسف، وضغط شهود لإخفاء مخالفات الشركة.

أما بخصوص وفاة يوسف، فالأدلة الجديدة أثبتت وجود تدخل متعمد في سجل صيانة السيارة، لكن تحديد المسؤولية الجنائية عن الحادثة احتاج تحقيقًا مستقلًا.

وفي النهاية، كشفت المراسلات وسجلات الدفع إن أحد مساعدي كريم هو اللي دبّر عملية الصيانة المشبوهة بناءً على تعليماته، وإن الغرض كان تعطيل يوسف ومنعه من تسليم الملفات في الوقت المحدد.

لكن يوسف مات قبل ما تتضح له الصورة كاملة.

كريم اتقبض عليه، واتوجهت له اتهامات رسمية في قضايا التزوير والاحتيال والضغط والتورط في التلاعب بسجلات الصيانة. ومع استمرار الإجراءات القضائية، ظهرت أدلة إضافية أدت إلى إدانته في الجرائم المالية والتزوير، بينما استُكملت إجراءات قضية الحادثة على أساس الأدلة الفنية وشهادات المشاركين.

ما كانش فيه مشهد سينمائي لكريم وهو بيصرخ أو بيترجّى.

كان فيه بس رجل اعتاد طول عمره إن الناس تخاف منه، وفجأة اكتشف إن الخوف مش دليل براءة، وإن النفوذ مش قادر يمسح كل أثر سابه وراه.

أما أبويا، فبعد مراجعة حسابات الشركات، اعترف بمخالفات مالية كان وافق عليها، وقدم مستندات ساعدت التحقيق. واتحمل المسؤولية القانونية عن الأفعال اللي ثبتت مشاركته فيها، وخسر جزءًا كبيرًا من نفوذه التجاري.

لأول مرة، ما قدرتش أكرهه بالكامل، ولا قدرت أسامحه بالكامل.

لكنني ما عدتش محتاجة أعمل أي واحدة من الحاجتين عشان أعيش.

ليه دانتي موريتي ما طلبش مني أرجع لأنوثتي؟
بعد انتهاء المرحلة الأصعب من التحقيق، كنت قاعدة في الورشة، بفك موتور عربية قديمة، لما دانتي دخل.

حط قدامي كوب قهوة، وقعد على الكرسي المقابل.

عندي سؤال.

اتفضل.

ناوية تفضلي آدم طول عمرك؟

إيديا وقفت عن الشغل.

السؤال اللي كنت بخاف أسمعه من أي حد، جه أخيرًا من الشخص الوحيد اللي كنت بدأت أحس معاه بالأمان.

قلت

مش عارفة.

دانتي هز راسه.

تمام.

بصيتله باستغراب.

تمام إزاي؟

يعني مش لازم تعرفي دلوقتي. إنتِ قضيتي سبع شهور بتختاري كل تفصيلة في حياتك على أساس إزاي تخبي نفسك. يمكن محتاجة وقت عشان تعرفي إنتِ عايزة إيه فعلًا، بعيدًا عن الخوف.

نزلت عيني للموتور.

أنا تعبت من الهروب.

يبقى ما تهربيش. لكن ده مش معناه إنك ترجعي لمكان بيأذيكي.

سكتنا شوية.

وبعدين سألته

ليه ساعدتني من الأول؟ إنت ما تعرفنيش.

دانتي سند ضهره.

لأنني أعرف شكل الشخص اللي بيعيش طول الوقت مستعد للدفاع عن نفسه، حتى وهو قاعد في مكان آمن.

بصلي مباشرة.

أنا خسرت أختي الصغيرة من سنين. كانت عايزة تعيش حياتها بطريقتها، وعيلتنا كانت شايفة إن ده عيب لازم يتصلح. فضلت أقول لنفسي إني بحميها، لحد ما اكتشفت إن الحماية اللي بتسلب الإنسان حق الاختيار مش حماية.

كانت دي أول مرة يحكيلي حاجة شخصية عنه.

أختك حصل لها إيه؟

سافرت. وأنا فضلت سنين فاكر إنها هترجع لما تفهم إني كنت صح. لكن الحقيقة إنها كانت محتاجة أبعد عشان تقدر تتنفس. ولما رجعت، ما رجعتش عشاني. رجعت لأنها اختارت.

ابتسم ابتسامة حزينة.

من يومها، فهمت إنك ممكن تحب حد جدًا، ومع ذلك ما يكونش من حقك تختار عنه.

ما عرفتش أرد.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى