
حبيبة جوزي ج1 الكاتبة نرمين عادل همام
في ليلة دخلتنا، وقبل حتى ما أفك طرحة الفستان وألحق أرتاح من دوشة الفرح والزغاريد، تليفون جوزي رن. كانت شيرين، حبيبته القديمة وأول حب في حياته، عملت أزمة بالسيارة على الدائري.
طارق أخذ مفاتيح عربيته وجري على الباب من غير ما يبصلي حتى. أمي حطت إيدها على خدها من الصدمة، أما حماتي فابتسمت بكل برود وقالتله:
يا حبة عيني، البنت غريبة ومقطوعة من شجرة هنا في القاهرة، وملهاش حد يسأل عليها. روح يا حبيبي اطمن عليها وشوف حصلها إيه.
وقفت جنب الشباك أتابع نور فوانيس عربيته الحمرا لحد ما اختفى في الشارع، وفي إيدي مقص الجنايني، بقص الورد اللي في البلكونة غصن ورا غصن.
أنا نهى، عندي 28 سنة، وبشتغل مديرة إدارة المخاطر والحسابات الكبيرة في شركة استثمار وسندات. يعني شغلي إني أعرف الفلوس بتروح فين، والمكسب جاي منين، والخسارة ممكن تحصل إمتى قبل ما تقع.
من تلات سنين اتعرفت على طارق. كان وسيم وهادي، وبيعرف يتكلم بطريقة تخليكي تحسي بالأمان. من النوع اللي أول ما تشوفيه تقولي ده راجل يتسند عليه وقت الشدة.
فضلنا سنتين مخطوبين، وعدّينا أيام حلوة كتير. ولما جه يطلب إيدي رسمي، فاجأني وركع على ركبته وسط الكافيه، وطلع علبة قطيفة فيها خاتم ألماس، وبصلي بابتسامة خلتني أصدق إني أخيرًا لقيت ابن الحلال اللي هصون قلبي معاه.
كنت فاكرة إن الحب كفاية يخلي الراجل ينسى ماضيه، ونسيت إن فيه اسم عمره ما اختفى من حياته: شيرين.
كانت زميلته في الجامعة وأول حب ليه، وانفصلوا من سنين بحجة إنهم مختلفين ومش متفقين في الطباع. لكن الغريب إن علاقتهم مخلصتش فعلًا؛ مكالمات في الأعياد، ورسايل في أعياد الميلاد، ومقابلات كل ما تنزل القاهرة.
ولما واجهت طارق، رد بمنتهى البراءة:
يا نهى، دي حكاية قديمة وخلصت. إحنا دلوقتي زي الإخوات، وزمايل جامعة وبنسأل على بعض وخلاص. إنتِ اللي هتكوني مراتي وهتدخلي بيتي وتشِيلي اسمي، فبلاش تفتحي على نفسك باب شك ووجع دماغ.
ساعتها سكت وقلت يمكن أنا اللي بغير زيادة، وإن الموضوع فعلًا مفيهوش حاجة.
وجِه يوم الفرح، عشرين مايو. حجزنا قاعة كبيرة وعزمنا أكتر من تلتمية نفر. أمي كانت طايرة من الفرحة، وكل شوية تروح للجيران وتوزع شربات وتقول إن بنتها هتتجوز سيد الرجالة.
أما حماتي، الحاجة صفية، فكانت داخلة في كل تفصيلة، وكأن الفرح فرحها هي. وكل شوية ترمي كلمة من تحت لتحت عن إن طارق أخيرًا ركن واستقر، كأن الجوازة كلها معمولة عشانه هو وبس.
الفرح عدى زي ما خططنا. أبويا مسك إيدي ومشاني لحد الكوشة وسط الزغاريد، وطارق كان واقف ببدلته الكحلي، بيبصلي بنفس الضحكة اللي كنت فاكرة إنها ليا لوحدي.
لبسنا الدبل، وشربنا الشربات، والناس باركتلنا ودعتلنا، وبعد ما الفرح خلص روحنا شقتنا.
كنت لسه هفك سوستة الفستان عشان أعرف أتنفس، لما تليفون طارق رن. بص في الشاشة، وفجأة وشه اتغير.
قال بلهفة:
شيرين عملت أزمة بالسيارة على الطريق، ونقلوها القصر العيني!
وقبل ما أستوعب، كان أخذ مفاتيحه من على الترابيزة.
سألته وأنا مش مصدقة:
إنت رايح فين يا طارق؟ هو إنت ناسي إن دي ليلة دخلتنا؟
رد بعصبية:
يا نهى، البنت ملهاش حد هنا، ولا ليها قريب ولا حبيب يسأل عليها. يعني لو أنا ماروحتش أطمن عليها، مين هيروحلها؟
اتصدمت من كلامه. مش بس عشان قرر يسيبني ويمشي، لكن كمان لأنه بيتعامل مع اعتراضي كأني أنا اللي غلطانة!
وقبل ما أرد، حماتي خرجت من الأوضة وقالت بنبرة كلها تمثيل وحنية:
يا نهى يا بنتي، البنت غلبانة ومقطوعة من شجرة هنا. الأصول تقول إن طارق يروح يطمن عليها. كبّري دماغك يا حبيبتي، وبلاش نكد في ليلة زي دي، وأنا قاعدة معاكي لحد ما يرجع.
طارق مداش نفسه حتى فرصة يسمع ردي. خرج وأغلق الباب وراه، وسابني واقفة بفستان فرحي في نص الشقة.
بعد شوية أمي اتصلت تطمن عليا.
ها يا نهى، بتعملي إيه يا حبيبتي؟
رديت بهدوء:
برتاح يا ماما.
سكتت لحظة، وبعدها قالت:
إنتِ من صغرك مش من النوع اللي يسكت على حقه ولا يقبل الإهانة. أنا قلبي بيقولي إنك فاهمة إنتِ بتعملي إيه. ربنا يريح قلبك يا ضنايا.
قفلت معاها، وفضلت باصة من الشباك لعربية طارق وهي بتخرج من بوابة الكومباوند وتبعد بسرعة.
وفجأة ضحكت. مش ضحكة فرحة، ولا حتى ضحكة واحدة مكسورة، دي كانت ضحكة واحدة بدأت تفوق من كدبة كانت عايشة فيها.
خرجت البلكونة، ومسكت مقص الجنايني، وبدأت أقص الورد والفل اللي حماتي كانت زارعاه في قواوير الفخار، واللي كانت بتتباهى بيه قدام كل ضيف يدخل الشقة.
كنت لسه بقص في الورد، لما حماتي خرجت من الأوضة وفي إيدها كباية لبن دافي.
قالتلي بنبرة حنينة مصطنعة:
يا نهى، متعمليش في نفسك كده يا بنتي. طارق ابني قلبه طيب وحنين، وشيرين دي أنا عارفاها من زمان، بنت حلال وطيبة، ودي لو كان أهلها وأصلهم المتواضع زمان…
سكتت فجأة، وكأنها خدت بالها إنها قالت أكتر من اللازم.
بصيتلها وسألتها:
كان زمانهم إيه يا طنط صفية؟
اتلخبطت وقالت بسرعة:
ولا حاجة يا بنتي، قصدي بس إن البنت غلبانة. خدي اشربي اللبن وادخلي ارتاحي شوية.
حطت الكباية في إيدي ودخلت الأوضة بسرعة، كأنها خايفة أكمل معاها الكلام.
أنا ما شربتش اللبن، وحطيته على الترابيزة، ورجعت أكمل قص الورد، بس المرة دي كنت بقص الغصون من جذورها.
وفجأة تليفوني اتهز في جيبي. طلع إشعار برسالة من الأستاذ عصام، المحامي بتاعي.
ومن هنا بدأت أول خيوط الحكاية تتكشف.
فتحت الرسالة ولقيت الأستاذ عصام كاتبلي:
يا مدام نهى، حبيت أطمن حضرتك إن كل التوكيلات وإجراءات نقل الحصص والأسهم اتوثقت رسمي في الشهر العقاري، وبقت سارية من بكرة الصبح. والطرف التاني لسه ما عندوش أي خبر باللي حصل.
رديت بكلمة واحدة: تمام.
وبعدها بعت لأمي:
يا ست الكل، جهزي شنطتك. بعد بكرة مسافرين شرم الشيخ، محتاجين نغير جو ونروق شوية.
ردت بسرعة:
أنا جاهزة يا ضنايا، ومستنياكي. قلبي وظهري معاكي في أي قرار تاخديه.
ابتسمت وقفلت الموبايل، ورجعت أكمل قص الورد.
عدت الساعة حداشر بالليل وطارق لسه مرجعش. حماتي بدأت تقلق، وكل شوية تتصل بيه من غير رد، لحد ما قررت تكلم شيرين بنفسها.
سمعتها بتقول بدلع:
إزيك يا شيرين يا حبيبتي؟ طمنيني عليكي. طارق لسه معاكي في المستشفى؟ الحمد لله يا قلبي، ربنا يقومك بالسلامة. خليه ما يستعجلش في الرجوع، ويفضل جنبك لحد ما تطمني.
قفلت المكالمة وخرجت لقتني قاعدة في الصالة.
قالتلي:
يا نهى، ادخلي نامي يا بنتي، ومتفضليش مستنياه. هو مش راجع دلوقتي.
رديت ببرود:
مش جايلِي نوم.
والحقيقة إني ما كنتش مستنية طارق أصلًا، كنت مستنية حاجة تانية خالص.
على الساعة اتناشر ونص، وصلتني منه رسالة:
شيرين دراعها اتلف وعندها آثار، والدكاترة قالوا لازم تتحجز تحت الملاحظة. هفضل معاها في المستشفى الليلة دي.
قريت الرسالة وقفلت الموبايل من غير ما أرد.
حماتي دخلت أوضتها، والشقة كلها سكتت. فتحت تطبيق البنك وراجعت حساباتي، وبعدها دخلت على نظام الشركات والبيانات الرسمية، واتأكدت إن الأسهم والحصص اتسجلت باسمي خلاص، ومبقاش لحد حق ينازعني فيها.
والحكاية بدأت من طارق نفسه.
كان وارث عن أبوه، الحاج عبد الحميد، شركة مقاولات كبيرة وعقارات كتير. وبعد غياب أبوه من تلات سنين، ساب له ثروة محترمة، لكن طارق مكنش بتاع إدارة ولا شغل، فساب الشركة للمديرين المتخصصين، والأرباح كانت متوزعة بين أسهم وحصص واستثمارات.
يوم قراية الفاتحة والشبكة، حب يعمل فيها ابن الأصول، ومضى قدامي على عقد تنازل وتمليك رسمي عن تلاتين في المية من حصته في الشركة.
وقاللي وقتها إنه عايز يأمن مستقبلي معاه، وإنه مش عايزني أحس في يوم إني غريبة أو مليش مكان في بيته.
حماتي يومها اتجننت، وفضلت تعترض وتزعق:
إنت أخطأت يا طارق؟ دي فلوس أبوك وتعب السنين! إزاي تكتب تلاتين في المية باسمها؟!
لكنه رد عليها وقتها:
يا أمي، نهى مراتي وعِرضي، واللي ليا ليها. ومش عايز أسمع الكلام ده تاني.
ساعتها صدقته، وافتكرت إنه بيعمل كده عشان بيحبني وعايز يضمنلي حقي. لكن دلوقتي، وأنا قاعدة لوحدي في ليلة دخلتنا، فهمت إن الورقة اللي كان فاكرها دليل حب، هي نفسها اللي هتحميني من غدره.
على الساعة تلاتة الفجر دخلت أوضة النوم، قلعت الفستان ورميته على الأرض، ولبست بيجامة مريحة. رميت جسمي على السرير، وبصيت للناحية الفاضية اللي كان المفروض جوزي ينام فيها.
ابتسمت بسخرية، ومنزلتش مني دمعة واحدة.
افتكرت كلام أمي من سنين: دموع البنت غالية يا نهى، متترخصش على حد. اللي يبيعك ببصلة، بيعيه بقشرتها، وخلي عقلك دايمًا سابق قلبك بخطوة.
والجملة دي عمرها ما فارقت دماغي.
تاني يوم الصبح صحيت على صوت زعيق حماتي في الصالة. خرجت لقيتها ماسكة التليفون ووشها أحمر من الغضب، وبتقول:
إنت بتقول إيه يا رجل؟! نقل أسهم إيه وشهر عقاري إيه؟! الكلام ده مستحيل! طارق يكتب كل ده باسم نهى إزاي؟ دي فلوس عيلة عبد الحميد وورث ولاده!
وقفت أسمع شوية، وبعدها دخلت أوضتي ولبست الروب، وخرجت تاني كأني ما سمعتش حاجة.
أول ما شافتني اتلخبطت وقالت:
نهى، إنتِ صحيتي يا بنتي؟ أصل أنا كنت… ده طارق زمانه جاي في الطريق.
ابتسمت وسألتها:
هو إنتِ عرفتي بموضوع الأسهم والشركة يا حماتي؟
اتسمرت مكانها وسألتني:
إنتِ عرفتي منين؟!
ضحكت وقلت:
عرفت إيه بس؟ ده أنا اللي نقلتها يا حبيبتي، وبإيدي كمان.
وشها سحب لونه، وبصتلي كأنها شافت عفريت.
وفي نفس اللحظة، سمعنا المفتاح بيلف في الباب، وظهر طارق.
كان وشه أصفر، وعينيه غرقانة من قلة النوم، ولابس نفس بدلة الفرح، بس مكرمشة وربطة العنق مفكوكة.
أول ما شافني، بدأ يفرك إيديه وقال بارتباك:
نهى… حقك عليا يا حبيبتي. ليلة إمبارح دي كانت…
ما استنتش حتى يكمل، وقاطعته وأنا ببصله ببرود:
أمك لسه قافلة مكالمة مهمة أوي. إيه رأيك تعرف مين كان بيكلمها وبيقولها إيه؟
عقد حواجبه وسأل:
مكالمة إيه؟ ومين اللي اتصل؟
حماتي اتلخبطت وقالت بصوت بيرتعش:
طارق، الباشمهندس مدحت، المدير التنفيذي للشركة، كان لسه مكلمني وبيقولي إن الأسهم اللي باسمك اتنقلت كلها!
طارق وشه اصفر وبص لأمه بصدمة:
اتنقلت إيه؟! راحت فين؟ ومين نقلها؟!
بصيتله وابتسمت:
راحت ليا أنا يا عريس!
فتح عينيه على آخرها:
إنتِ بتقولي إيه؟ قصدك إيه؟!
قلتله بثقة:
قصدي إن التلاتين في المية اللي إنت كتبتهم باسمي قبل الفرح، خلصت إجراءات نقل ملكيتهم وسجلتهم رسمي في الشهر العقاري. يعني من النهارده الأسهم دي ملكي، ومحدش له عندي فيها كلمة.
وشه احمر من الغيظ وبدأ يزعق:
إنتِ أخطأتِ؟! دي فلوس أبويا وتعب عيلتي، ودي حصتي أنا في الشركة!
ضحكت بسخرية:
كانت حصتك يا طارق، لكن إنت اللي مضيت بإيدك وبكامل إرادتك على عقد تنازل وتمليك رسمي، ومفيهوش رجوع.
فتحت شنطتي وطلعت نسخة العقد الموثقة، وحطيتها قدامه:
اتفضل، دي النسخة الرسمية من الشهر العقاري، عليها الختم والتوثيق. كل الإجراءات خلصت وبقت سارية، فوفّر على نفسك الزعيق.
مسك الورق وإيده بتترعش، وفضل يقلب فيه وهو مش مصدق اللي بيقراه. وشه احمر، وبعدها اصفر، لحد ما رجله ما شالتوش وقعد على الأرض وهو ماسك العقد.
حماتي شهقت وفضلت تلطم على صدرها وتصرخ:
يا مصيبتك يا طارق! يا خراب بيتك! دي طلعت سريعة الحيلة والمال! ضحكت علينا وأكلت شقا عيلة عبد الحميد في ليلة دخلتها! إنتِ مفيش في قلبك رحمة ولا دين ولا ضمير؟!
بصيت لحماتي بمنتهى البرود وقلت لها:
يا حماتي، ابنك هو اللي جه برجليه ومضى الورق ده بإرادته قبل الجواز، لا أنا مسكت إيده ولا حد غصبه. وبعدين تعالي نتكلم عن ليلة الدخلة، ابنك المحترم ساب عروسته بفستانها الأبيض في نص الليل وجري ورا حبيبته القديمة، وإنتِ بدل ما توقفيه عند حده وتفهميه إن اللي بيعمله عيب، كنتِ بتشجعيه وتقولي له روح يا ضنايا، البنت ملهاش حد غيرك في البلد! هو ده بقى الضمير والأصول اللي بتتكلمي عنها؟!
حماتي اتخرست، وفضلت تحرك شفايفها من غير ما تعرف ترد.
أما طارق، فقام من على الأرض بالعافية ووقف قدامي، وعينيه حمرا من العصبية وعروق رقبته نافرة.
صرخ في وشي:
يا نهى اسمعيني وافهمي اللي حصل! شيرين عملت أزمة، ومكنش ينفع أسيبها مرمية في المستشفى ومحدش جنبها! إنتِ عايزة تخربي بيتنا عشان موقف حصل غصب عني؟!
بصيت له باستغراب مصطنع وقلت:
أخرب إيه يا طارق؟! هو إنت فاكر إني قعدت أدبر لموضوع الأسهم ده إمبارح بالليل بعد ما خرجت؟! إنت شكلك مش فاهم حاجة خالص! عقد التنازل ده ممضي من شهرين، وإجراءات الشهر العقاري خلصت من شهر. أنا بس كنت مستنية الوقت المناسب عشان أقولك إنت وأمك.
بصلي كأنه تلقى صدمة قوية، وقال بتوهان:
يعني… يعني إنتِ كنتِ مخططة لكل ده من زمان؟!
رديت عليه بهدوء:
أنا لا بخطط ولا بلعب ألعاب، أنا بس بأمّن نفسي. مش إنت اللي قبل الجواز جيت وطلبت مني نمضي اتفاق إن لو حصل بينا طلاق في يوم من الأيام، ما أطالبكش بقرش واحد من تعبك؟ وقتها فهمت إنك مش واثق فيا، وإنك عايز تضمن فلوسك على حساب أماني. فقلتلك يا نمضي عقد تمليك يضمن حقي، يا بلاش الجوازة من أساسها. وساعتها إنت بنفسك قلتلي إنك بتحبني، وإن كل اللي عندك مش كتير عليا، ومضيت بمزاجك ومن غير ما حد يجبرك.
سكت لحظة، وبصيت في عينيه وكملت:
بس اللي ما كنتش متخيلاه إن أول ليلة لينا بعد الجواز هتكون هي الدليل اللي يثبتلي إني كنت صح لما ما اديتلكش الأمان من غير ضمان.
حماتي رجعت للصويت من تاني:
يا سيدة يا محترمة! يا عاقلة! إنتِ من أول يوم عينك على فلوسنا، وداخلة بيتنا طمعانة في عزنا وورث عيلتنا!
لفيت ناحيتها وضحكت بسخرية:
أطمع في إيه يا حاجة صفية؟! هو إنتِ فاكرة إن عيلة مين دي اللي أنا نفسي أدخلها؟! أبويا الحاج جلال، إيرادات مصانع وتوكيلات الحديد والأسمنت ومواد البناء اللي عنده بتدخل أضعاف إيرادات شركة المقاولات بتاعتكم! ده غير شغلي ومرتبي وأرباح الأسهم والمحافظ الاستثمارية اللي باسمي، واللي لوحدها بتعدي المليونين جنيه في السنة! يعني إنتِ متخيلة إني كنت مستنية ورث ابنك عشان أعيش؟! ده ابنك هو اللي كان نفسه يتجوزني، وكان مستعد يحط أسهم الشركة تحت رجلي عشان أوافق عليه!
الكلام نزل على حماتي زي القلم، فسكتت خالص. حتى طارق رفع عينه وبصلي باستغراب، كأنه أول مرة يعرف أنا مين بجد.
وأنا فعلًا بنت الحاج جلال، واحد من أكبر رجال سوق مواد البناء في مصر. بس عمري ما اعتمدت على فلوس أبويا ولا استنيت حد يصرف عليا. من يوم ما اتخرجت وأنا نزلت اشتغلت وشقيت على نفسي، وبدأت من الصفر لحد ما وصلت لمنصبي الحالي كمديرة لإدارة المخاطر. بقيت فاهمة السوق بيتحرك إزاي، والفلوس بتدخل منين وبتروح فين.
أما طارق، فكان فاكر إنه لما اتجوزني يبقى كسب واحدة من عيلة كبيرة. وطول فترة الخطوبة كان عامل فيها الراجل الجدع الحنين اللي مفيش زيه، وكل شوية يقولي إنه مش عايز مني غير إني أكون مرتاحة معاه.
وأمي الله يكرمها كانت دايمًا تقولي:
يا بنتي، الفلوس ممكن تجيبلك راجل غني، إنما مش كل راجل غني يبقى راجل يتسند عليه. اللي يحبك بجد هو اللي يصونك ويشيلك فوق راسه.
يا ريتني كنت سمعت كلامها من بدري!
طارق فضل يفرك وشه بإيديه، وبعدها بصلي بعصبية وقال:
أنا مش هسمحلك تعملي كده! إنتِ مالكيش حق تاخدي تعبي وشقاي وتلوي دراعي بالشكل ده!
قلت له وأنا بظبط شنطتي:
العقد شريعة المتعاقدين يا طارق، وإنت مضيت بمزاجك، والتنازل اتسجل رسمي. يعني لا زعيقك ولا إنذارك ولا حتى طلاقك هيرجعلك سهم واحد من اللي نقلتهم باسمي.
حاول يبرر موقفه وقال:
يا نهى، ده كان ظرف طارئ! شيرين عملت أزمة، يعني كنت أعمل إيه؟ أسيبها تتعرض لخطر لوحدها؟!
بصيت له بسخرية:
ظرف طارئ؟! طب ماشي يا سيدي. إنت بتقول إنها اتأثرت واتنقلت المستشفى، بس هي دي بقى زميلة قديمة وبنت غلبانة وملهاش حد؟ ولا حكاية حب قديمة لسه مخلصتش؟ ولا إنت شايف إن كرامتي ملهاش قيمة، وإن عادي تسيبني في ليلة فرحي بفستاني الأبيض وتجري على واحدة تانية؟!
حماتي دخلت بينا بسرعة، وغيرت نبرة صوتها وبدأت تعمل فيها الست الطيبة اللي عايزة تصلح الدنيا:
صلّي على النبي يا نهى يا بنتي، وكبري دماغك، والصلح خير. خلاص اللي حصل حصل، وإحنا بنعتذرلك. وأنا بنفسي هاجي أبوس راسك لو رجعتي الأسهم والحصص لابني. إنتِ بقيتي واحدة مننا يا بنتي، ومش عايزين نخسر بعض.
بصيت لها بجمود وقلت:
الأسهم اتسجلت باسمي خلاص يا حاجة صفية، وأنا لما باخد قرار مبغيروش عشان حد يعيط أو يعتذرلي.
حماتي خبطت برجليها في الأرض وقالت بغيظ:
يا ساتر يا رب! إيه الجبروت ده كله؟!
وفي اللحظة دي بالظبط، جرس الباب رن.
قمت وفتحت، لقيت الأستاذ عصام، المحامي بتاعي، واقف قدامي ببدلته الأنيقة وشنطة الملفات الجلد اللي دايمًا بيشيلها معاه.
دخل وسلم وقال بصوت واضح:
صباح الخير يا مدام نهى. حبيت أطمن حضرتك إن كل أوراق وتوكيلات نقل الملكية خلصت تمام، وكمان الملف اللي طلبتي مني أجهزه بخصوص الست شيرين جاهز معايا.
أول ما طارق سمع اسم شيرين، نط من مكانه وقال:
شيرين؟! إنتِ مالك ومال شيرين؟! وإيه اللي بتقول عليه ده؟! إنتِ بتدوري وراها ليه؟!
الأستاذ عصام بصله بضيق، وبعدها اداني الملف وقال:
يا فندم، أنا راجعت بيانات الأزمة ومحضر القسم وتقرير المستشفى، واتضح إن الآنسة شيرين ما كانتش لوحدها في العربية زي ما اتقال. اللي كان معاها وقت الأزمة هو خطيبها، وهو اللي اتصل بالإسعاف وفضل جنبها لحد ما وصلوا المستشفى.
لفيت وشي ناحية طارق وبصيت له.
وشه وقع، وفضل باصص للمحامي كأنه مش مصدق اللي سمعه.
قال بصوت متقطع:
خطيبها؟! إزاي يعني؟! مستحيل! دي قالتلي في التليفون إنها كانت لوحدها ومفيش حد معاها!
ضحكت وقلت له:
قالتلك لوحدها؟! يا راجل يا طيب، إنت طالع على نياتك أوي! طب فكر معايا كده، هي رنت عليك ليه في ليلة فرحك بالذات؟! هي ما كانتش عارفة إنك بتتجوز النهارده؟ ولا كانت عايزة تبوظ عليك فرحتك وتفكرك إنها لسه موجودة في حياتك؟! دي رنت عليك مخصوص عشان تجري لها وتسيب عروستك في ليلة دخلتها، وإنت جريت زي العيل الصغير من غير حتى ما تفكر!
شفايف طارق بدأت تترعش، وحماتي واقفة مكانها مش قادرة تنطق، وعينيها بتتنقل بيني وبين المحامي.
الأستاذ عصام فتح الملف وكمل:
وبحسب بيانات دخول مستشفى الدمرداش، خطيب الآنسة شيرين اسمه وليد عبد الرحمن، ومتسجل في بيانات المرافق إنه خطيبها، وهو كمان مصاب بتلف في الحوض ومتحجز معاها في نفس الدور.
طارق انهار تمامًا، ورمى نفسه على الكنبة وحط وشه بين إيديه، كأنه تلقى صدمة قوية ومش قادر يستوعب اللي حصل.
حماتي جريت عليه وقعدت جنبه، وفضلت تربت على كتفه وهي بتعيط:
معلش يا ضنايا، معلش يا حبيبي، ما تزعلش نفسك. أنا هتصرف وهشوفلك حل، وهرجعلك حقك مهما حصل.
أنا ما علقتش، ولا دخلت معاهم في نقاش تاني.
قمت وروحت ناحية البلكونة، وبصيت على شجر الورد اللي كنت قصقصته إمبارح بالليل. الشمس كانت منورة عليه، والزرع شكله بقى أهدى وأنضف بعد ما اتشالت منه الفروع الناشفة والميتة اللي كانت مخنقاه.
ساعتها حسيت إن الحياة شبه الزرع بالظبط؛ ساعات بنضطر نقص منها حاجات كتير، حتى لو كانت غالية علينا، عشان الباقي يعرف يعيش ويكبر من غير ما حاجة تخنقه.
وفي نفس اليوم، طارق لم هدومه بسرعة ونزل من الشقة، وقال إنه رايح الشركة يشوف موضوع الأسهم.
بس أنا كنت متأكدة إنه مش رايح الشركة ولا حاجة، ده غالبًا رايح المستشفى عشان يشوف بنفسه حكاية حب عمره اللي طلع فيها راجل تاني وخطيب كمان!
دخلت أوضتي، ولبست أحلى طقم عندي، وحطيت لمسات بسيطة على وشي، وخدت شنطتي ونزلت. كان عندي مشوار مهم في شركة أبويا في المهندسين، وكنت رايحة أبدأ أرتب لحياتي الجديدة، بعيد عن الكدب والتمثيل والناس اللي ما تعرفش قيمة العِشرة.
من اللحظة دي، نهى قررت إنها مش هتكون ضحية في حكاية حد تاني، وإن اللي جاي هيكون كله بشروطها هي.
كان أبويا قاعد في مكتبه، قدامه كومة ورق وكشوف حسابات، ومندمج في مراجعتها. أول ما شافني داخلة، شال النظارة من على عينه وسألني:
خير يا بنتي؟ موضوع الأسهم والشركة وصل لفين؟
قعدت قدامه وقلت بابتسامة:
خلص يا بابا، والأسهم بقت في جيبي خلاص.
قلّب القلم بين صوابعه وسألني:
وعيلة عبد الحميد عملوا إيه لما عرفوا؟
ضحكت وقلت:
المحروس طارق رجله ما شالتوش، ووقع على الأرض من طوله لما عرف!
ابتسم أبويا، لكن كان واضح من عينيه إنه قلقان عليا. وقال:
بصي يا نهى، أنا طول عمري ما قلقتش عليكي. من وإنتِ صغيرة ودماغك ناشفة، وعندك شخصية، وعارفة مصلحتك فين، ومحدش يقدر يضحك عليكي. بس…
سكت لحظة وبعدين كمل:
إنتِ فكرتي كويس في جوازتك دي؟ ولسه عندك نية تكملي مع الراجل ده؟
بصيت له وقلت:
وإنت شايف إيه يا حاج؟
رد من غير تردد:
أنا شايف إن الراجل اللي يهون عليه يسيب مراته وعروسته في نص ليلة دخلتها ويجري ورا واحدة تانية، هيهون عليه يعمل كده مرة واتنين وعشرة. بس في الآخر دي حياتك، وإنتِ اللي تقرري تكملي ولا لأ.
هزيت راسي وقلت:
فاهمة يا بابا، ومش محتاجة حد يقولي أعمل إيه. أنا عارفة كويس أنا هعمل إيه.
وفجأة تليفوني رن. بصيت في الشاشة لقيت اسم طارق.
رديت، وكان صوته تعبان ومبحوح، كأنه ما نامش من أيام.
نهى… إنتِ فين؟
قلتله ببرود:
في إيه يا طارق؟ عايز إيه؟
قال بصوت واطي:
أنا عايزنا نقعد ونتكلم زي اتنين عاقلين. خلاص، موضوع الأسهم مش هفتح فيه كلام تاني، بس مش معقول اللي حصل ده يخلينا ننهي كل حاجة. إيه رأيك ننسى اللي فات ونبدأ من أول وجديد؟
سكت شوية، وبعدين قلتله بسخرية:
نبدأ من أول وجديد يا طارق؟ طب والحساب القديم بتاع الهانم شيرين، خلصته وقفلت صفحته ولا لسه؟
سكت الناحية التانية، وبعدها بدأ يتلخبط في كلامه:
نهى، والله الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة. دي كانت متخانقة مع خطيبها، ومكنتش عايزاني أعرف إنها ارتبطت بحد، فضحكت عليا وقالتلي إنها لوحدها في المستشفى وملهاش حد يسأل عليها، عشان أروح أقف جنبها. والله يا نهى أنا عمري ما فكرت فيها بالشكل ده، دي زي أختي وزميلة قديمة وبس.
ضحكت بسخرية وقلت:
زميلة قديمة تخليك تسيب مراتك وعروستك في ليلة دخلتها وتجري عليها من غير حتى ما تفكر؟!
اتقطع صوته تاني، وما لاقاش حاجة يرد بيها.
قلتله قبل ما أقفل:
اقعد مع نفسك وفكر كويس في اللي إنت عملته، ولما تعرف إنت غلطان في إيه نبقى نتكلم.
قفلت المكالمة، وبعدها نزلت اشتريت بوكيه زنبق أبيض جميل ورجعت الشقة.
أول ما فتحت الباب بالمفتاح، لقيت حماتي قاعدة في الصالة، وشها منفخ من العياط وعينيها حمرا، وشكلها إنها بقالها ساعات بتعيط.
أول ما شافتني قامت من مكانها وزعقت:
نهى! إنتِ عملتي إيه في طارق؟!
ما رديتش عليها. حطيت الورد في الفازة اللي على الترابيزة، وعدلت الأغصان براحة، وبعدها بصيتلها وقلت:
يا حماتي، أنا ما لويتش دراع حد ولا عملت حاجة من ورا حد. أنا ماشية بالقانون والأصول. بدل ما تسأليني أنا عملت إيه في طارق، اسألي ابنك هو عمل فيا إيه؟ وإزاي باعني في ليلة دخلتي وسابني وجري بره البيت!
مسحت دموعها بكم الجلابية، وبدأت تتكلم بصوت كله استعطاف:
يا بنتي طارق لسه عيل وخبرته في الدنيا قليلة، ومش فاهم يعني إيه مسؤولية. ما تقدريش تسامحيه وتعدي له غلطة زي أي ست بتسامح جوزها؟
بصيتلها بهدوء وقلت:
أنا سامحته يا حماتي، بس فيه فرق كبير بين إني أسامح حد على غلطه، وبين إني أسيبه يضحك عليا ويستغفلني. وبعدين موضوع الأسهم ده ملوش علاقة بزعل ولا خصام. دي حقوق اتكتبت في ورق رسمي واتسجلت في الشهر العقاري، يعني مش بمزاجي ولا بمزاجك نرجع فيها.
حماتي اتنفضت من مكانها، وعروق رقبتها بانت من كتر الغيظ، وقالت بصوت عالي:
يعني إنتِ ناوية على الطلاق وخراب البيوت؟! طب والله العظيم ما هتشوفي طلقة واحدة غير لما ترجعي الأسهم والورق اللي خدتيه ده الأول!
وقفت قصادها وبصيت في عينيها، وقلت كل كلمة بوضوح:
اسمعيني كويس يا حاجة صفية، الأسهم دي اتكتبت باسمي رسمي قبل الجواز، والقانون هو اللي بيحميني فيها. يعني حتى لو السما انطبقت على الأرض، مش هتشوفوا منها مليم. فبدل ما تفضلي تصوتي وتلمي في شعرك، روحي ربي ابنك وعلميه إزاي يبقى راجل بجد، ويعرف يشيل مسؤولية بيته ويحافظ على مراته ويصون كرامتها.
سبتها واقفة مش عارفة ترد، ودخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا.
كنت لسه بحط شنطتي على السرير لما تليفوني اتهز في إيدي. فتحت الرسالة، لقيتها من البنك بتأكد إن أرباح الأسهم والمبالغ المستحقة اتضافت لحسابي.
بصيت للرقم، لقيته رقم كبير، سبع أصفار وملايين دخلت حسابي وأنا قاعدة مكاني.
ابتسمت وأنا ببص من الشباك على الشارع والدنيا بدأت تليل. حسيت براحة غريبة. مش معنى إني اتوجعت إني اتكسرت، ولا معنى إن حد خذلني إني أسيبه يكمل عليا. ساعات الواحد لما بيتخبط في الدنيا، لازم يعرف يحمي نفسه وفلوسه وكرامته قبل ما يقع.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت زعيق ودوشة في الصالة، صوت يخض حتى اللي نايم في آخر الشقة.
لبست إسدالي وخرجت أشوف فيه إيه، ولقيت مفاجأة مستنياني.
العيلة كلها كانت متجمعة في الصالة، واقفين وقاعدين كأنهم في محكمة، وأنا المتهمة اللي مستنيين يحكموا عليها.
عم طارق، الحاج عبد المجيد، كان قاعد على الكنبة الكبيرة، حاطط سيجارة في بقه والدخان مالي المكان، ووشه مكشر وباصص في الأرض. جنبه مراته قاعدة بتبصلي من فوق لتحت، كأنها داخلة تتفرج على فيلم. أما عمته نعيمة فكانت لازقة في حماتي، وبتوشوش في ودنها كل شوية.
أول ما الحاج عبد المجيد شافني، نفخ دخان السيجارة وقال:
صباح الخير يا نهى. إحنا سمعنا إنك خدتي أسهم طارق كلها ونقلتيها باسمك؟! بصراحة الحركة دي لا تليق ببنت الحاج جلال، ولا تطلع من ناس أصول!
مشيت ناحية المطبخ من غير ما أهتم بكلامه، وصبيت لنفسي كباية مية، وبعدها رديت وأنا واقفة:
ابن أخوك هو اللي جه ومضى بإيده وبكامل قواه العقلية قبل الجواز، وراح بنفسه وثّق الورق في الشهر العقاري. يعني محدش خد منه حاجة غصب عنه، والعقد سليم ومفيهوش غلطة واحدة.
عمته نعيمة دخلت في الكلام بسرعة وبصوت عالي:
مضى إيه وزفت إيه؟! هو إحنا هنضحك على بعض؟! دي فلوس وشقا عيلة عبد الحميد كلها، تيجي واحدة غريبة من بره تاخد تعب السنين على الجاهز؟!
حطيت كباية المية على الترابيزة براحة، وبصيتلها وقلت:
يا طنط نعيمة، ما إنتِ كمان واحدة غريبة واتجوزتي في العيلة دي، هو إنتِ ليكي سهم واحد في الشركة؟! ولا فيه حد كتبلك حاجة باسمك من ورا ضهرنا وإحنا مش عارفين؟!
وشها احمر من الغيظ واتلخبطت في الكلام:
أنا… إنتِ إزاي تتجرئي وتخالفي الأدب معي وتردي بالطريقة دي يا سيدة إنتِ؟!
قلت لها وأنا ثابتة في مكاني:
أنا بتكلم بالحق والأصول يا طنط، ولا هو الحق بقى خروج عن الأدب لما ييجي على مزاجكم؟! إنتوا متجمعين كلكم هنا عشان تقفوا مع طارق وتعملوا عليا رجالة، طب فين الرجولة دي كلها لما ابنكم سابني في ليلة فرحي بفستاني الأبيض وجري على حبيبته القديمة في المستشفى؟! فين كبيركم وقتها؟! حد فيكم راح وراه وقاله عيب يا ناقص الأدب؟! حد وقف له وسأله إنت سايب عروستك ليه وجاي تجري ورا واحدة تانية؟!
الصالة كلها سكتت، وكل واحد بقى يبص للتاني. حتى نعيمة اللي كانت لسه فاتحة بقها من شوية، سكتت ومقدرتش ترد.
كملت وأنا ببص في وشوشهم واحد واحد:
مفيش راجل فيكم فتح بقه وقال لطارق إنت غلطان! كلكم شايفينه شهم وجدع وغلبان، وشايفين إن أنا اللي المفروض أبلع الإهانة وأسكت وأداري على غلطه. لكن لما واحدة تحاول تصون كرامتها وتحمي حقها، تبقى في نظركم متشددة وحريصة وداخلة تحمي ورث العيلة؟! هو ده العدل اللي إنتوا بتتكلموا عنه؟!
مرات عمه دخلت في الكلام بنبرة فيها عتاب:
يا بنتي، ما البنت كانت في أزمة وممكن تكون في خطر، يعني هنسيبها مرمية في الشارع؟!
بصيتلها ورديت من غير ما أرمش:
ومين قال نسيبها؟! يتصل بالإسعاف، ويبلغ أهلها في المنصورة، ويجيب لها ممرضة خاصة تقعد معاها لو محتاجة، ويدفع مصاريف علاجها كمان. إنما يسيب عروسته في ليلة دخلتها ويبات جنبها للصبح؟! دي مش شهامة يا طنط، دي مخالفة للأصل وسلوك شاذ!
الحاج عبد المجيد طفى السيجارة في الطفاية، واتنهد وقال:
بصي يا بنتي، إحنا مقدرين إنك زعلانة وعندك حق في اللي حصل، بس موضوع التلاتين في المية ده كبير أوي. النسبة دي مأثرة على موازين الشركة وقراراتها، والمهندس مدحت المدير التنفيذي قلقان ومش عارف يتصرف إزاي.
ضحكت وقلتله:
الباشمهندس مدحت؟! هو الباشمهندس مدحت ده صاحب الشركة ولا موظف عندكم بياخد مرتب آخر الشهر؟! إيه علاقته بملكية المساهمين عشان يحشر مناخيره فيها؟! مين يملك الأسهم ومين يبيع ومين يشتري، دي حقوق أصحابها، مش من اختصاصه.
قال وهو بيحاول يهدي الكلام:
يا نهى، مدحت شغال في الشركة من أيام الوالد عبد الحميد، وعارف كل صغيرة وكبيرة فيها، والشركة محتاجة استقرار في الفترة دي.
قاطعته بمنتهى الحسم:
والاستقرار مش بييجي بالمجاملات ولا بالوراثة يا حاج، الاستقرار بييجي بالإدارة الصح واللي يعرف يشيل المسؤولية. وبعدين أنا بنت الحاج جلال، بقالي عشر سنين براجع حسابات وميزانيات شركات استثمار وبنوك، وشفت شركات أكبر من شركة عبد الحميد بكتير. ولو الباشمهندس مدحت قلقان من وجودي، فأنا مستعدة أنزل بكرة الصبح ومعايا لجنة مراجعة قانونية ومالية، ونراجع الشركة من أولها لآخرها، ونشوف كل جنيه راح فين.
الحاج عبد المجيد فتح بقه وقفله، ومبقاش عارف يرد. واضح إنه ما كانش متوقع إن البنت اللي واقفة قدامه تكون فاهمة في الشغل والحسابات بالشكل ده.
عمته نعيمة قربت من حماتي وشدت كمها، وهمست في ودنها:
يا صفية، خلي بالك من البت دي، دي مش سهلة خالص. شكلها فاهمة السوق وداخلة علينا بدماغ كبيرة، دي هتودينا في داهية!
أما حماتي فكان وشها بيتقلب من لون للتاني من كتر الغيظ، ومش قادرة تطلع كلمة واحدة.
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح وطارق دخل الشقة.
أول ما شاف اللمة والوشوش المكشرة، عقد حواجبه وسأل:….يتبع للجزء الثاني والاخير
