
الحاج منصور وقف قدام رائف دقيقة كاملة، صدره بيطلع وينزل، وإيده مشدودة على مقبض عصاه الأبنوس لدرجة إن مفاصل صوابعه ابيضت. بص لرائف، وبعدين لحنين اللي واقفة ورا ضهره، وبعدين رجع بص لرائف. كان باين على وشه إنه بيدور على أي رد يكسر بيه الراجل اللي قدامه، لكنه ما لقاش.رد رائف بهدوء. “أطمن يا عمي انا طول عمري راجل وبتحمل مسؤولية اختياراتي .”الحاج منصور ضرب الأرض بعصاه ضربة أخيرة، ولف ومشي ناحية الباب بخطوات غاضبة، وسكرتيره جري وراه وهو مرتبك. وقبل ما يخرج، لف نص لفة ورمى على حنين نظرة قاسية من فوق لتحت، ومشي. الباب اتخبط وراه بعنف خلى الزجاج يرتج.
المكتب فضل ساكت
حنين كانت لسه واقفة في مكانها، وعيونها في الأرض. كلمات عمه كانت بتتردد في دماغها: بنت من الشارع، ما نعرفش أصلها.
رائف لف لها ببطء، وصوته نزل لدرجة هادية: “حنين.”
رفعت عيونها.
رائف : “إحنا لازم نمشي.”
حنين : “نمشي فين؟”
“البيت.” قالها وسكت لحظة، وبعدين ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة عشان يطمنها . “بيتنا.”
الكلمة خلت قلبها يدق . قبل ما تلحق ترد، كان رائف مد إيده ومسك إيدها. مسكها بحزم وحنية في نفس الوقت، وصوابعه لفت حوالين صوابعها الباردة، وشدها برفق ناحية الباب. “تعالي.”
فتح الباب، وخرجوا.
مراد كان واقف في الطرقة، وأول ما شافهم ماسكين إيدين بعض اتحرك بسرعة قدامهم من غير ما ينطق بكلمة، وفتح لهم الطريق. وحنين مشيت جنب رائف في الطرقة الطويلة، وإيدها في إيده، وكل خطوة كانت حاسة إن رجليها مش شايلاها.
في مكتب السكرتارية، سلوى كانت واقفة جنب مكتبها ووشها شاحب. رائف عدّى من قدامها من غير ما يبص عليها بكلمة ولا نظرة، وهي حاولت تبتسم ابتسامة مصطنعة وفشلت. حنين لمحت عيون سلوى وهي بتنزل على إيديهم المتشابكة، وشافت فيها حقد وغل، لكن رائف شدّ على إيدها أكتر، فنسيت.
الأسانسير نزل بيهم بهدوء. حنين كانت واقفة جنبه بتحاول تتنفس بانتظام، وهو ساكت، ومراد واقف ورا ضهرهم بصمته المعتاد. وفي الدور الأرضي، لما الباب اتفتحاللوبي كان لسه مليان. الموظفين اللي كانوا في الصبح بيتهامسوا بسخرية، كانوا لسه واقفين. لكن اللحظة دي كانت مختلفة تماماً. كل العيون اتحولت عليهم، بس المرة دي ما كانش فيها سخرية. كان فيها دهشة، وحرج، واحترام مضطرب. شافوا رائف الحريري ماشي بخطوات هادية وواثقة، رافع راسه، ومسك إيد مراته قدام الدنيا كلها بكل فخر.
أول واحد اتحرك كان مدير قسم المشتريات، راجل كبير في السن، قال بصوت عالي شوية: “مبروك يا فندم.”
رائف وقف، ورد بنبرة هادية: “الله يبارك فيك.”
وبعده، موظفة من الاستقبال بصوت هادي : “مبروك يا أستاذة حنين.”
حنين بصت لرائف بعيون واسعة، وهو ابتسم لها بحنية وشدّ على إيدها كأنه بيقولها: الدنيا كلها عرفت ان انتي مراتي.
رواية الكاتبة ملك إبراهيم.
خرجوا من الباب الزجاجي الكبير. والهوا البارد لفح وشها، والسما كانت لسه غايمة، لكن في حتة بعيدة منها كان خيط شمس رفيع بيحاول يطلع.
حنين طول الطريق كانت حاسة إنها بتحلم.
قاعدة في الكرسي الخلفي للعربية السودا الفخمة، جنب رائف الحريري، وإيدها لسه في إيده. شباك العربية بيعدي عليه شوارع القاهرة المغسولة من المطر، والناس ماشية في حالها، وعربية تانية بتزمر، ومفيش حد من الناس دي عارف إن البنت اللي قاعدة ورا الزجاج المظلل اتجوزت من ساعتين رجل من أغنى رجال الأعمال في البلد.
كانت بتفكر: هل ده حلم فعلاً؟ هل هتصحى دلوقتي وتلاقي نفسها في السرير الضيق بتاعها وطلع كل دا حلم ؟ هل كل ده هيتبخر؟



