عام

حكايات ملك ابراهيم الفصل الخامس

حكايات الكاتبة ملك إبراهيم.. جوه المكتب، رائف مسك التليفون الأرضي بإيد والموبايل بإيد. كل ما يخلص مكالمة، التانية تدخل. هدى بتبلغه إن موقعين وافقوا يحذفوا الصور. موقع تالت رفض بحجة إن الخبر “مصلحة عامة”. صحفي معروف اتصل يسأل عن تعليق رسمي. محامي الشركة بيحضر إنذار قانوني ضد المصور المجهول.

 

وفي وسط ده كله، شاشة موبايله بتنور باسم: عمي منصور.

 

رد بسرعة: “ألو يا عمي.”

 

“رائف.” صوت عمه الكبير جه خشن وقاسي ومليان غضب. “إنت شفت الأخبار؟”

 

رائف: “شفتها.”

 

عمه : “وإيه رأيك؟ ده كلام ينفع يتقال عن عيلة الحريري؟ صورك مع واحدة موظفة عندك بالليل؟ وبعد أسبوع واحد من فسخ خطوبتك ؟ الناس كلها بتكلمني من الصبح! العيلة ، الصحافين، والشركاء !”

 

رائف: “أنا بصلح الموضوع يا عمي.”

 

عمه : “تصلح إيه؟ الأسهم نزلت تلات نقاط تانية من ساعة! والمستثمر الأجنبي بعت إيميل رسمي بيطلب اجتماع طارئ! والناس كلها ضدك يا رائف! ضدك! وإنت لسه بتقولي هتصلح؟”

 

رائف: “عمي، الموضوع أكبر من كده. دا تشهير بسمعة بنت ملهاش ذنب.. وكل الاخبار دي مفبركة.”

 

عمه : “مفبركة أو حقيقيه ، النتيجة واحدة.” صوت عمه ارتفع. “عيلتنا بقت ملطشة للصحافة كل يوم فضيحة جديدة . وإنت السبب.”

 

رائف أخد نفس طويل وقال بهدوء قاتل: “أنا هتصرف يا عمي. والموضوع دا هينتهي صدقني.”

 

قفل الخط. حط الموبايل على المكتب، وفضل ساكت لحظة. بعدين بص من الشباك الزجاجي الكبير على القاهرة الغارقة في الغيم، وفي دماغه بدأت فكرة تتشكل. فكرة مجنونة وسريعة وخطيرة. فكرة ما كانش ممكن تخطر على باله..

 

لكنها كانت الفكرة الوحيدة اللي هتنقذ كل حاجة.. وهتخلصه من كل الشوشره اللي بتحصل حوالين اسمه كل يوم من الصحافة.

 

رواية الكاتبة ملك إبراهيم.

 

عند حنين.

 

سلوى مدّت كوباية المية لحنين بإيد جامدة، وحنين شربت رشفتين وهي بتحاول تسيطر على رعشتها. الغرفة كانت ساكتة. وبعد دقيقة، سلوى اتكلمت بصوت واطي وبارد من غير ما تبص لها: “طلعتي مش سهلة أبدا زي ما كنت فاكرة يا حنين.. رائف الحريري عمره ما نزل على ركبته قدام حد. ولا قدام ميرهان هانم نفسها. ودلوقتي ينزل قدامك انتي ويعمل كدا!” حنين بصت لها بعيون حمرا من كتر العياط ومقدرتش تتكلم.

 

سلوى كملت كلامها المسموم: “انتي ضيعتي نفسك يا حنين.. عيلة الحريري الكبيرة مستحيل يقبلوا ان حتة موظفة أرشيف زيك تشيل اسمهم.. انا بقولك الكلام دا عشان أحلامك متروحش بعيد.. حتى لو رائف بيه حاول يحميكي.. مش هيقدر يقف قصاد عيلته.. ونهايتك هتبقى قريب اوي.. مرميه في الشارع وسمعتك في الأرض.”

 

حنين حطت الكوباية على المكتب بإيد مرتعشة.

 

كانت الكلمات دي بتخبط في حاجة جواها، حاجة هشة. مش بس عشان اتقالت بقسوة، لكن عشان فيها جزء من الحقيقة اللي كانت بتخاف منها من أول يوم. إنها مش من عالمه. أحلامها مستحيل تتحقق. هي مش مناسبه له ومستحيل اسمها يرتبط بأسمه.. لازم تخرج من حياته وتوقف حدود أحلامها.

 

قامت وقفت بعد ما خدت القرار.. هي لازم تمشي.. متظهرش في حياته تاني.. تحبه من بعيد زي الأول.. تكتفي انها تشوفه على صورة في مجله.. او تسمع صوته في أحلامها.. لكن في الواقع هي ملهاش مكان في حياته.

 

سلوى سألتها بفضول: “رايحة فين؟”

 

حنين: “لو سمحتي، ممكن ورقة وقلم؟” صوتها كان ثابت بشكل مفاجئ.

 

سلوى بصت لها بدهشة وبعدين مدت لها ورقة بيضا من الطابعة وقلم. حنين قعدت على مكتبها وبدأت تكتب بخط صغير منمّق، الدموع بتنزل على الورقة وتبوظ الحروف، لكنها كملت. كانت الكلمات بتطلع منها بدون تفكير، كأنها بتحفظها من زمان: “السيد الفاضل رائف الحريري، بعد التحية، أتقدم لحضرتك باستقالتي من العمل بالشركة اعتباراً من اليوم، وأشكرك على الفرصة التي أتحتها لي. أتمنى لك كل التوفيق. حنين محمود.”

 

قرأتها مرتين. حطت التوقيع. طوت الورقة. وقامت.

 

سلوى كانت بتتابعها بعينين ضيقتين، وفي قلبها كانت الخطة نجحت بشكل أسرع مما تخيلت. لكن اللي كان غريب إنها مش حاسة بالانتصار.

 

حنين وقفت قدام باب مكتب رائف. خدت نفس عميق وخبطت.

 

صوت رائف من جوه: “اتفضل.”

 

دخلت.

 

كان واقف عند الشباك والتليفون في إيده، وأول ما شافها قفل الخط على طول وقال: “حنين. كنت لسه هطلع اطمن عليكي.. انتي كويسه؟ .”

 

“فندم، أنا…” حنين قربت وهي ماسكة الورقة بإيدين بتتهز. “أتفضل.”رائف : “إيه ده؟”

 

حنين : “استقالتي.”

 

الكلمة وقعت في الغرفة وكأنها كسرت حاجة.

 

رائف ما اتحركش. فضل واقف مكانه ثواني طويلة، وعينيه على الورقة اللي ماسكاها بين صوابعها. وبعدين مد إيده واخدها منها بهدوء، وفتحها وقرأها. كل كلمة. والجملة الأخيرة. والتوقيع. كان باين على وشه إنه بيقرا كل حرف ببطء، كأنه بيحفظهم.

 

“ليه؟” سألها بصوت هادي جداً.

 

حنين بلعت ريقها. “أنا مش عايزة أضرك. حضرتك عندك شركة وسمعة وعيلة ومساهمين. وأنا… أنا مجرد موظفة. لو مشيت، الكلام ده هيتنسى. هتعدي الأيام وهيتلاشى. أنا مش عايزة أبقى سبب في مشكلة ليك. مش ممكن أتحمل إني أبقى سبب في آذى لحضرتك …”

 

رائف طوى الورقة بين صوابعه نصين، وبعدين نصين تاني، وبعدين مزقها ببطء. مرة. مرتين. تلات مرات. القطع الصغيرة وقعت من إيده على الأرض زي ثلج أبيض.

 

حنين بصت للأرض بعيون واسعة.

 

رائف : “أنا مش هقبل الاستقالة دي.” قالها بهدوء قاتل. “ولا دلوقتي ولا بعدين.”

 

حنين باستغراب “بس يا فندم …”

 

قرب منها خطوة. واحدة بس. كان قريب جداً لدرجة إنها شمّت ريحة عطره الخفيف كأنه بيحاوطها . صوته نزل لدرجة الهمس: “اسمعيني كويس. أنا مش هسمح لحد يأذيكي. لا الصحافة، ولا الناس، ولا حتى كلمة تتقال في الشركة. وأنا هصلح كل حاجة، وكل المشاكل سهل تتحل . لكن اللي مش هقدر عليه إنك تمشي. إنك تسيبي المكان ده وإنتي شايلة على كتافك ذنب مش ذنبك.”

 

حنين اتوترت من قربه ومن صوته الهادي اللي بيلمس قلبها وقالت “بس أنا خايفه …”

 

رائف “خايفة من إيه ؟”

 

حنين : “خايفة من كل الناس .” الكلام خرج منها بدموع حقيقية. “خايفة منهم. خايفة من اللي هيقولوه عليا. الناس شايفين ان انا الموظفة الفقيرة اللي استغلت صاحب الشركة .”

 

بصت في عنيه وقالت بدموع:” خايفه على حياتك وشغلك يتضروا بسببي”

 

رائف حس إن حاجة جواه اتكسرت. مد إيده ببطء، وبإرادته المطلقة، لأول مرة من غير سبب ولا اعتذار ولا حجة، لمس إيدها. مسكها بين إيديه وضمّها بحنية. صوابعها كانت باردة ومرتعشة، وهو ضغط عليها ضغطة بسيطة وكأنه بيحاول ينقل لها دفى.رائف: “بالعكس.. انتي السبب ان حياتي وشغلي يرجعوا تاني.” قالها بهمس. “إنتي اللي وقفتيني من تاني بعد ما كنت بنتهي.. بسببك انا تخطيت وجعي.. انتي مش عارفة ان الوقت اللي ظهرتي فيه في حياتي عملتي ايه.. انا كنت بقع وانتي اللي انقذتيني من غير ما تعرفي”

 

حنين رفعت عينيها له. الدموع بتنزل على خدودها بلا توقف. ومن غير ما يفكر، رفع إيده التانية، ومسح دمعة من خدها بطرف صباعه. حركة بسيطة وخفيفة ودافية. ومع لمسته، حنين اتجمدت. دقات قلبها بقت عالية لدرجة إنها اتخيلت إنه سامعها.

 

عيونهم اتقابلت في صمت طويل.

 

لحظة واحدة مليانة كل حاجة ما اتقالتش. لحظة كان ممكن فيها أي حد منهم يقول الحقيقة. لكن رائف سحب إيده ببطء، وحنين نزلت عينيها بخجل…اتأكدوا انكم بتتابعوا الرواية الأصلية من على صفحة الكاتبة ملك إبراهيم لأن في صفحات بتسرق الرواية وتغير الاحداث بالذكاء الاصطناعي.. وفجأة، من برا المكتب، سمعوا صوت زعيق عالي.

 

“فين بنت أخويا؟ فين حنين ؟ صاحب الشركة دي فين؟ !”

 

حنين شهقت وإيديها اتجمدت. “ده… ده صوت عمي.”

 

الباب اتفتح بعنف.

 

دخل راجل في أواخر الخمسينات، ملابسه بسيطه جدا ، وعيونه بتطلع شرار. ده عمها عبد الرحمن، الراجل اللي بعد وفاة أبو حنين بقى هو ولي أمرها. ووراه كانت بسمة بنته بتجري بوش شاحب وعيون منتفخة وبتقول بصوت مرتعش: “يا بابا! يا بابا، استنى بس! والنبي استنى!”

 

عبد الرحمن وقف في نص المكتب وعينيه جابت المكان بسرعة، وبعدين استقرت على حنين. صرخ بصوت هز الحيطان: “إنتي هنا! وواقفة جنبه! يا قليلة الحياء!”

 

وقبل ما حد يلحق يتحرك، رفع إيده وقرب عليها عشان يضربها .

 

حنين شهقت وغمضت عينيها.

 

لكن الضربة ما وصلتش.

 

رائف كان أسرع. خطى خطوة واحدة بسرعة غريبة، ودخل بين الراجل وحنين بحيث بقى هو قدامها بالظبط، ومسك دراع عبد الرحمن في الهوا بقبضة حديدية: “استنى.”

 

عم حنين: “سيبني! دي بنت أخويا! أنا حر فيها!”

 

“مش هتلمسها.” صوت رائف كان هادي لدرجة مرعبة. “مش في مكتبي. ولا في أي مكان طول ما أنا موجود.”

 

عم حنين : “إنت مين عشان تمنعني؟ إنت اللي فضحتنا! أنا ما شفتش الفضايح دي في عمري كله! جيراني بيكلموني من الصبح! زمايلي في الشغل بيقولولي: شفت بنت أخوك في الاخبار ؟ إزاي أرفع عيني في وش الناس؟ إزاي؟”عبد الرحمن كان بيبكي من الغضب والقهر والإهانة. دموع راجل كبير في السن بيحس إن كرامته اتداست. رائف حس بالراجل ده، وخفف قبضته شوية. كان واضح إن غضبه ما كانش على حنين بقدر ما كان على خوفه من الفضيحة.

 

“اسمع حضرتك .” قالها رائف بنبرة أهدى. “أنا فاهم غضبك. وأنا مسؤول عن اللي حصل. لكن بنت أخوك مظلومة. والله العظيم مظلومة. ما حصلش حاجة ولا قبل ولا بعد. الصور دي اتصورت بنية قذرة مش حقيقية.”

 

عم حنين : “بس الناس متفهمش الكلام دا يا بيه ! وانت راجل ميهمكش حاجة!”

 

عم حنين صرخ وهو بيرجع خطوة. “انما بنت أخويا بنت.. وإحنا إللي اتفضحنا!! من النهاردة مفيش حد هيبص في وشنا!”

 

“مفيش فضيحة.”

 

الكلمتين خرجوا من رائف ثابتين وواضحين.

 

عم حنين وقف. بسمة وقفت. حنين فتحت عينيها ورفعت راسها من ورا ضهر رائف.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى