عام

حكايات ملك ابراهيم الفصل الرابع

ميرهان كانت بتسأل، وسلوى بتجاوب، ومع كل جملة كان بيتبني بينهم حلف صامت، حلف مبني على غيرة وحقد وخوف من نفس الحاجة.

 

بعد مرور أسبوع.

 

عدّى أسبوع كامل على اليوم اللي دخلت فيه حنين مكتب السكرتارية في الدور العشرين، وكان أغرب أسبوع في عمرها.

 

كانت بتصحى كل يوم قبل الفجر بساعة، تلبس وتسرّح شعرها بإيد بتترعش شوية من اللهفة، وتنزل من البيت قبل بسمة بكتير. اتعودت توصل الشركة بدري، قبل ما الدور يتملي بالصوت والتليفونات، عشان تلحق تخلص الملفات اللي سلوى بتحطها لها كل يوم زي الجبل. وفي الهدوء ده كانت بتسمع خطوات رائف بتدخل من الأسانسير، وتحس بالدنيا بتنوّر شوية شوية.

 

اتعلمت في الأسبوع ده حاجات كتير عنه من غير ما حد يقولها. اتعلمت إنه بيشرب قهوته من غير سكر، وإنه بيفوّت الغدا لما الشغل يزيد عليه. فبدأت، من غير ما تستأذن، تسيب له كوباية قهوة سادة على حرف مكتبه قبل ما يوصل بلحظات، وتخرج بسرعة قبل ما يشوفها.

 

ورائف كان بيدخل مكتبه ويلاقي القهوة لسه سخنة، ويقف قدامها لحظة، وبعدين يبتسم ابتسامة صغيرة ويقعد.

 

في الأسبوع ده كمان، بدأ رائف يدور على أسباب صغيرة يطلبها. ملف يتبعت مع حنين، ورقة تتراجع عند حنين، سؤال صغير عن حاجة في الأرشيف ما كانش محتاج يسأل عنها. وفي كل مرة كانت بتدخل المكتب بخطواتها الحذرة وبوشها اللي بيحمر، كان يحاول يطوّل الكلام ثانيتين زيادة، ويتفرج على ارتباكها وهو بيحاول يخبي اهتمامه ورا وش رسمي.

 

لكن في الدور العشرين، كان فيه عينين تانيين بيراقبوا كل ده.. عينين سلوى السكرتيرة.

 

كان تليفون سلوى بيرن كل يوم تقريباً بنفس الرقم.

 

كانت بتخرج من المكتب وقت الغدا، وتنزل لحد العربية بتاعتها في الجراج، وتقفل الباب وتكلم ميرهان بصوت واطي. حكت لها عن القهوة. حكت لها عن كل مرة رائف طلب فيها حنين بالاسم، وعن النظرات، وعن السكوت الطويل اللي بيحصل في المكتب لما الباب يتقفل عليهم.

 

“رائف بيه شكله بيحبها بجد يا ميرهان هانم.. هي بالنسبه له مش بنت عاديه.” سلوى قالتها في آخر مكالمة بصوت مختنق. “أنا شايفة ده بعيني. وهي بريئة وطيبة ومش بتعمل حاجة غلط خالص في الشغل . وده اللي بيجنني.”وإنتي بتعملي إيه عشان تبعديها؟” ميرهان سألت من الناحية التانية بصوت زي السكينة.

 

سلوى: “بشغلها. بحط عليها شغل أكتر من طاقتها عشان تزهق. بس هي صابرة. بتفضل سهرانه لوحدها في المكتب وبتروح متأخرة وبتخلص كل حاجة من غير ما تشتكي.”

 

سكتت ميرهان لحظة، وبعدين قالت بنبرة كلها شر: “بتروح متأخرة ؟. يعني بتفضل في الشركة بعد ما الناس تمشي.”

 

سلوى: “أيوه.”

 

ميرهان: “ورائف؟”

 

سلوى: “لأ رائف بيه بيمشي في ميعاده عادي.. هو ميعرفش ان حنين بتتأخر في الشركة وانها بتاخد شغل كتير.”

 

“كويس.” قالتها ميرهان وابتسمت من غير ما سلوى تشوفها. “الليلة هتسيب لها شغل كتير. كتير قوي. وهتسيبيها لوحدها وتمشي ..”

 

سلوى ترددت. كانت لسه جواها حتة صغيرة من الضمير بتحاول تتكلم. “بس يا هانم، هو حضرتك ناويه تعملي فيها ايه.. البنت غلبانه وطيبه على فكرة.. وانا مش عايزه اضرها.. انا بس مش عايزاها معايا في المكتب…”

 

“محدش هيضرها.” ميرهان قاطعتها بنعومة وكملت “هتبقى قرصة ودن صغيرة . وإنتي بنفسك قلتيلي إنك خايفة على مكانك.”

 

الكلمة الأخيرة قفلت على الضمير الصغير ده. سلوى سكتت، وبعدين قالت بصوت جاف: “هسيب لها شغل كتير حاضر .”

 

وقفلت الخط. ولما رجعت للدور العشرين، كانت حطت على مكتب حنين ثلاثة ملفات ضخمة وقايمة تعليمات طويلة. وقالت لها بابتسامة باردة: “ده كله لازم يخلص النهارده يا حنين. عندي ميعاد ضروري ومضطرة أمشي بدري. أنا واثقة إنك هتتصرفي.”

 

ومشيت وسابتها قبل ميعاد الانصراف.

 

رواية الكاتبة ملك إبراهيم.

 

في مكتب رائف.. كان بيراجع ملفات مهمة وعنده شغل كتير.. قرر يسهر في مكتبه الليلة عشان يخلص كل الشغل اللي عنده.

 

………

 

الساعة سبعة بالليل في الشركة.

 

المطر بدأ ينزل، خفيف في الأول، وبعدين اشتد لدرجة إن زجاج البرج كله بدأ يرتجف من رعده. الشركة فضيت واحد واحد، والموظفين لموا حاجاتهم وجريوا يلحقوا مواصلات قبل ما الدنيا تغرق. وفي الدور العشرين، فضلت حنين لوحدها قدام جهازها، وحواليها كوم أوراق، وضوء مكتبها الأصفر هو النور الوحيد في الطرقة.

 

كانت متعبة. عينيها بتحرقها من القراية وضهرها بيوجعها، وإيديها بتترعش من الجوع لأنها ما أكلتش من الصبح. لكنها كانت بتكمل. كل ملف تخلصه كانت بتحط عليه علامة صغيرة وتبتسم لنفسها بشكل بسيط: خلصت.في مكتب صاحب الشركة، كان رائف قاعد بيراجع آخر الأرقام. الساعة عدت تسعة، وبعدين تسعة ونص. مكنش عايز يمشي، وما كانش عارف ليه. لما قام يفتح الباب عشان يطلب قهوة، شاف النور الأصفر طالع من مكتب السكرتارية، وسمع صوت ورق وخربشة قلم خفيفة.

 

وقف عند الباب.

 

كانت حنين قاعدة منحنية على الأوراق، وشعرها نازل على كتفها بعد ما التوكة فكت من التعب، وخدودها فيها لون شاحب. كانت بتتكلم مع نفسها بصوت واطي وبتقول: “خلصنا ده… وده… فاضل ده… يا رب مفيش حاجة تانية.”

 

رائف حس بحاجة بتتقبض جوه صدره.

 

“حنين.”

 

انتفضت وقامت بسرعة من على الكرسي: “أنا آسفة يافندم ، أنا ما كنتش أعرف إن حضرتك لسه هنا…”

 

“الساعة عشرة إلا ربع.” قالها بنبرة هادية لكن فيها حاجة جديدة. “إيه اللي مقعدك لحد دلوقتي؟”

 

حنين: “شوية ملفات بخلصها يا فندم. أنا كده كده كنت هخلص.” حاولت تبتسم. “الأستاذة سلوى كانت مضطرة تمشي بدري فسابت لي شوية شغل.”

 

“شوية.” رائف بص على الأوراق اللي على المكتب، وعرف على طول إن ده شغل يخلص في 3 أيام ، مش شوية. صوابعه ضغطت على حرف الباب. “وإنتي أكلتي؟”

 

“أنا…” سكتت. ما عرفتش تكدب.

 

رائف زفر ببطء، ودخل المكتب وجاب الجاكيت بتاعه ومفاتيح عربيته، وطلع وقال: “قومي. نمشي.”

 

حنين “بس يا فندم، لسه فاضل…”

 

رائف “بكره الصبح كملي شغلك .” قالها بحزم لطيف. “النهارده كفاية.”

 

حنين “أنا ممكن أروح لوحدي، المترو…”

 

وقتها دوّى رعد قوي هز الأرض، ولمع برق في الشباك الكبير. حنين اتخضت وحطت إيدها على صدرها. رائف بص لها بنظرة ثابتة وقال: “المترو في الوقت ده؟ وفي الجو ده؟ لا يا حنين. أنا هوصلك.”

 

الجملة نزلت في الغرفة هادية لكن حاسمة. حنين فتحت بقها تعترض، وبعدين رأت في عينيه إن مفيش حاجة هتغيّر قراره، فهزت راسها بخجل. “حاضر يا فندم. شكراً.”

 

جمعت حاجتها بسرعة، وطفت الجهاز، ولبست الكارديجان الصغير الرقيق اللي كان على الكرسي. وقبل ما يخرجوا، رائف وقف ثانية وبص على شنطتها الصغيرة وعلى كارديجانها الخفيف اللي مستحيل يدفيها ويحميها من المطر، وما قالش حاجة. بس فتح باب الأسانسير وسابها تدخل قبله.في الجراج، المطر كان بيخبط على السقف الحديد خبط عنيف. عربيته السودا الفخمة كانت واقفة في مكانها المخصص، ولمعتها بتعكس نور النيون. فتح لها الباب بنفسه، وحنين دخلت بحرص كأنها خايفة تبوظ حاجة.

 

من بعيد، في عربية رمادية واقفة عند آخر الجراج، راجل ضخم الجسم لابس جاكيت جلد كان قاعد وراء الدريكسيون ومعاه كاميرا بعدسة طويلة. رفع الكاميرا وضغط على الزرار مرة. مرتين. تلات مرات.. والتقط لهم كام صورة من بعيد.

 

كانت حنين بتركب العربية، ورائف واقف ماسك الباب بإيده وبيبص لها بنظرة ناعمة ما انتبهش إنها ظاهرة.

 

العربية خرجت من البرج وسط مطر ينهمر زي ستارة سودا. المساحات كانت بتشتغل بسرعة، والطريق قدامهم كان لامع وفاضي تقريباً، والشوارع شبه نايمة تحت المياه.

 

جوه العربية، كان دافي ومضيء بنور خفيف أزرق من لوحة العدادات، وفي الخلفية موسيقى هادية من غير كلام، بيانو بيمشي في نغمات بطيئة.

 

حنين كانت قاعدة ماسكة شنطتها على رجليها بإيديها الاتنين، ومش عارفة تحط عينيها فين. كل حاجة حواليها كانت غريبة وأنيقة: الكراسي الجلد، ريحة العطر الخفيف الدافي، وصوت المحرك الناعم. كانت حاسة إنها داخلة حلم ويمكن تفوق منه في أي لحظة.

 

رائف سألها بصوت هادي من غير ما يبعد عينيه عن الطريق: “بتحبي المطر؟”

 

حنين اتفاجئت من السؤال، وبعدين ابتسمت: “أيوه جداً. من وأنا صغيرة.”

 

رائف: “ليه؟”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى