عام

حكايات ملك ابراهيم الفصل الرابع

فكرت لحظة. “عشان بيحسسني إن الدنيا بتتغسل. كل حاجة قديمة وتعبانة بتروح، وبعد المطر بتبقى الدنيا أنضف. وبابا الله يرحمه كان بيقول إن المطر دعوة مستجابة من السما.”

 

رائف حرك عينيه لها لثانية وبعدين رجعهم للطريق: “الله يرحمه.. والدك كان بيشتغل إيه ؟”

 

“كان مدرس لغة عربية.” الكلام خرج منها بحنين مشاعرها كلها. “في مدرسة إعدادي صغيرة. كان بيحب الكتب أكتر من أي حاجة . كان ممكن يقعد ساعات يقرأ وميزهقش.”

 

رائف:”للدرجة دي كان بيحب القراءة؟ .”

 

“أيوه.” حنين ضحكت ضحكة صغيرة. “ومكانش عنده غير كتبه، وكل ما يشتري كتاب جديد كان بيحس إنه أغنى واحد في الدنيا.”

 

رائف سكت. كان حاسس بشيء غريب. كلمة “أغنى واحد” جاية من بنت بسيطة، كانت أصدق من كل الأرقام اللي اتعامل معاها في حياته. “الله يرحمه.” قالها بصدق. “واضح إنه ربّاكي كويس.”حنين أتكلمت بخجل: “أنا آسفة لو بتكلم كتير. أنا بس… مش متعودة حد يسألني عن بابا.”

 

“أنا اللي سألت.” رائف رد بهدوء. “وأنا مستمتع بالكلام عن والدك الله يرحمه.”

 

حنين نزلت عينيها. شفايفها اتحركت بابتسامة صغيرة. وفي الصمت اللي جه بعد كده، ما حسّتش بتوتر. كان صمت دافي.

 

رائف قال فجأة، وصوته خرج أهدى من المعتاد. “أنا بقى والدي كان رجل صارم. علّمني إن الناس كلها بتتعامل معاك على قد اللي تقدر تدّيه لها. وإن اللي بيحبك أوقات بيحب اللي في إيدك. وإن الواحد لازم يبني حيطان عالية عشان يحمي نفسه.”

 

حنين التفتت له بنظرة عميقة ومتأثرة.

 

ابتسم ابتسامة جانبية لحظية وكمل كلامه. “لحد ما اكتشفت إن الحيطان العالية بتحمي بس من اللي بيهاجموا. مش من اللي بيجوا عشان ياخدوا.”

 

“مش كل الناس عايزة تاخد.” حنين قالتها بصوت هادي ودافي. “في ناس بتحب وهي مش عايزة تاخد اي حاجة.”

 

رائف حس إن العربية سكنت جوه الكلمة. بص لها بسرعة وبعدين رجع للطريق، وإيده شدّت على الدريكسيون. كان عايز يسألها: إنتي بتتكلمي عن نفسك؟

 

كان عايز يقول لها: أنا عارف. أنا سمعتك. لكنه كتم الكلام ده في صدره وقال بنبرة هادية: “إنتي مختلفة عن أي حد قابلته.”

 

حنين اتجمدت، حست ان قلبها بيدق بسرعة.

 

المطر زاد، والرعد دوّى، وحنين فركت إيديها ببعض من البرد. رائف لاحظ الحركة. مد إيده من غير كلام، وزوّد التدفئة.

 

بعد ربع ساعة، دخلوا حي شعبي ضيق، وشوارعه غرقانة بالمياه، والبيوت متلاصقة وبلكوناتها بتتدلى فوق الطريق. رائف خفف السرعة، وبص حواليه بعينيه اللي مش متعودة على الاماكن دي. شاف بقالة صغيرة مقفولة، وعربية فول عليها غطا بلاستيك.. وقطط الشوارع بتجري تحت المطر.

 

حنين أشارت لعمارة قديمة بسيطة على ناصية الشارع، بنورها الأصفر الخافت. “أنا ساكنه هنا.”

 

رائف وقف قدام العمارة بالظبط، وبص لها وبعدين بص للبيت. كان بيت قديم، حيطانه مقشرة، وأدراجه ضيقة، لكن على بلكونة الدور التاني كانت فيه أصيص ورد صغير بيرتعش تحت المطر، وفي النور اللي طالع من الشباك ظل ستارة بسيطة مكوية بعناية.

 

حس بالفرق. فرق بين عالمه وعالمها. لكنه ما حسش بالتعالي ولا بالشفقة. حس بحاجة غريبة. شكراً يا فندم على التوصيلة.” حنين ضمت شنطتها ولمّت الكارديجان الخفيف على جسمها وقالت. “أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي.”

 

“استني.” قالها رائف بحنيه غريبة.. و نزع جاكيت البدلة من الكرسي الخلفي ومده لها: “خديه. البسي دا.. المطر شديد.”

 

حنين بخجل: “لا يا فندم، دا جاكيت غالي هيبوظ من المطر.. شكرا …”

 

“انتي أغلى من اي حاجة في الدنيا يا حنين.” قالها بابتسامة هادية. “ألبسي الجاكيت.”

 

حنين خدت الجاكيت بإيد مترددة.. جملته الأخيرة دوبت قلبها.. الجاكيت كان تقيل وفيه ريحة عطره، وحسّت بدفاه على صوابعها. لبسته وغطى جسمها كله، قالت بخجل:”شكرا يا فندم”

 

وفتحت الباب، وجريت بخطوات سريعة ناحية مدخل العمارة وسط المطر.

 

لكن قبل ما تدخل، وقفت. لفت له وعيونها كانت بتلمع بسعادة وحب، ورفعت إيدها بحركة صغيرة جداً، وابتسمت. ابتسامة صافية، وعينيها بتلمع تحت ضوء الشارع.

 

رائف قعد ثابت وراء الدريكسيون وعينيه عليها، وما اتحركش إلا لما شاف باب العمارة بيتقفل وراها. بعد كده، ثبت على المكان لحظة طويلة، وبعدين ابتسم، وحرك العربية بهدوء.

 

وعلى بعد خمسين متر، في ضلمة الشارع المقابل، كانت نفس العربية الرمادية واقفة وراها راجل ضخم بيرفع الكاميرا للمرة الأخيرة ويصوّر المشهد كله: العربية السودا، والبنت اللي بتجري تحت المطر ولابسه جاكيت رجل الأعمال، والنظرة الطويلة اللي اتبادلوها.

 

الراجل ضحك ضحكة قصيرة، ورفع تليفونه وبعت رسالة واحدة: “عند مفاجأة لحضرتك.”

 

رواية الكاتبة ملك إبراهيم.

 

صباح يوم جديد.

 

رائف صحي الصبح على صوت موبايله وهو بيرن للمرة العاشرة.

 

فتح عينيه بصعوبة. كانت الساعة ستة ونص، والنور الرمادي بتاع الفجر داخل من الستارة، والمطر لسه بينقط على زجاج الشباك نقط ناعمة بعد ليلة طويلة. ما كانش ناوي يرد، لكن الاسم اللي على الشاشة خلاه يعدل نفسه: الأستاذة هدى، مسؤولة العلاقات العامة في الشركة. هدى عمرها ما اتصلت بيه الصبح بدري، ولا قبل التاسعة، إلا لو حصلت كارثة.

 

رد بصوت مبحوح: “ألو.”

 

“صباح الخير يا فندم، أنا آسفة على الإزعاج بس لازم تشوف الأخبار حالاً.” صوتها كان متوتر ومنخفض. “في صور نزلت على كذا موقع الصبح. صور حضرتك.”صور إيه؟”

 

“حضرتك وواحدة من الموظفات.”

 

رائف قعد على السرير بسرعة وكل أثر النوم راح من عينيه. “ابعتيلي الروابط.”

 

بعد دقيقة، كانت الشاشة قدامه مليانة. أول صورة كانت لعربيته السودا وهي خارجة من برج الحريري في الليل، والمطر مغرق الزجاج، وحنين باينة جنبه في الكرسي الأمامي. تاني صورة كانت قدام عمارتها، وهي بتجري تحت المطر ولابسه الجاكيت بتاعه، وهو قاعد في العربية بيبص لها. والتالتة كانت لقطة قريبة لنظراته وهي بترفع إيدها وتلبس الجاكيت بتاعه ، لقطة عمل المصور كل جهده عشان تبان مش بريئة.

 

والعناوين.

 

“بعد أسبوع واحد من فسخ الخطوبة.. رائف الحريري يستبدل خطيبته بموظفة من شركته.”

 

“هل دبّر رجل الأعمال مؤامرة ضد ميرهان شوكت ليتخلص منها؟ ومن هي الفتاة الغامضة التي تركب سيارته ليلاً؟”

 

“عشيقة رجل الاعمال السرية.. تحت المطر وأمام عيون العالم.”

 

رائف فضل ساكت. إيده اللي ماسكة الموبايل بدأت ترتعش، لكن مش من الخوف. من غضب بارد وعميق وقديم.. غضب ما جربوش حتى ليلة الفيلا اللي شاف فيها خطيبته بتخونه قدام عنيه.

 

ليلة الفيلا كانت بالنسبة له جرح في كرامته. أما ده فكان حاجة تانية. كانت خدش في اسم بنت بريئة، بنت قعدت قدامه إمبارح بتحكي عن أبوها المدرس اللي رباها على الأخلاق . بنت ما عملتش حاجة غير إنها قبلت جاكيتة تحت المطر.

 

قام وقف، والموبايل لسه في إيده، وقال بصوت واطي ومحتد لهدى: “اسمعيني كويس يا أستاذة هدى. أنا مش عايز أسمع أي حاجة غير إن الأخبار دي اتشالت. اتصلي بكل موقع، كل منصة، كل صحفي. استخدمي كل علاقاتنا، وكل تعاقداتنا الإعلانية، وكل ورقة ضغط عندنا. وأي موقع يرفض يحذف، قولي له إن المحامين هيتصلوا بيه في خلال ساعة.”

 

“حاضر يا فندم، بس…”

 

“مفيش بس. وبسرعة.”

 

“والاسم يا فندم؟ اسم الآنسة حنين لسه ما اتذكرش في الأخبار. بس الصورة واضحة.”

 

رائف أخد نفس طويل وأغمض عينيه. “يبقى ما حدش ينطق باسمها. ولا حرف. ولا حتى تلميح.”

 

قفل الخط. لبس بسرعة من غير ما يهتم بالتفاصيل، وما ربطش رباط الرقبة. وهو نازل على السلم نادى بصوت عالي: “مراد! العربية! حالاً!”

 

مراد كان على بعد خطوات منه، وشاف وش رائف وفهم من غير سؤال. ما اتكلمش.لأن اللي شافه على وش رائف ما كانش وش واحد بيحاول ينقذ سمعته. كان وش واحد بيحاول ينقذ حد تاني.

 

اتأكدوا إنكم بتتابعوا الرواية من على صفحة الكاتبة ملك إبراهيم malak Ibrahim لأن في صفحات بتسرق الرواية وتكملها بالذكاء الاصطناعي وبتكون أحداث مختلفه عن الرواية الأصلية.

 

رواية الكاتبة ملك إبراهيم.

 

عند حنين.

 

كانت حنين وصلت الشركة بدري عن ميعادها، زي ما اتعودت من أسبوع، وبسمة لسه في البيت بتلبس وهتلحقها بعد ساعة، والسماء كانت لسه غايمة والأرض مبلولة، وقلبها خفيف على غير العادة. جاكيت رائف كان متعلق في الدولاب الصغير عندها في البيت، وكانت ناوية ترجعه له النهارده بعد ما تغسله وتكويه بنفسها.

 

دخلت اللوبي ومشيت ناحية الأسانسيرات.

 

وأول ما عدّت من الباب الزجاجي، حست بحاجة غريبة.

 

اللوبي كان مليان على غير عادته في الوقت ده. موظفين واقفين مجموعات صغيرة قدام الاستقبال، وفي إيديهم موبايلات، ووشوشة بتتحرك بينهم زي الموج. أول ما شافوها داخلة، الوشوشة وقفت. كل العيون اتحولت ناحيتها في نفس الوقت، عيون فيها فضول وسخرية واستغراب.

 

حنين وقفت مكانها. “صباح الخير.”

 

ما حدش رد.

 

مشيت خطوتين. سمعت ضحكة مكتومة من ناحية الاستقبال. موظفة من قسم الحسابات، بنت لابسة فستان بنفسجي وبتحط ماكياج تقيل، بصت لها من فوق لتحت وقالت لزميلتها بصوت عالي: “كنا فاكرينها محترمة. بنت مؤدبة ودايما بتبص في الأرض. وفي الآخر طلعت عشيقة صاحب الشركة في السر.”

 

الكلمة وقعت على حنين كأنها صفعة.

 

ما فهمتش. ما استوعبتش الجملة في الأول هي تقصد مين. عشيقة؟ عشيقة مين؟ وقفت بتبص حواليها بعيون واسعة وهي بتبحث عن معنى للكلام، وبعدين شافت موبايل في إيد موظف جنبها، شاشته منورة بصورة. صورة عربية سودا، وبنت جواها لابسة كارديجان رقيق.

 

صورتها.

 

إيدها اتجمدت على شنطتها. الكلام اللي حواليها بدأ يوصل لودنها وتفهم : “…في عربيته بالليل…” “…قدام بيتها…” “…فسخ خطوبته من أسبوع بس…” “…مش بعيد هي اللي…” “…الصحافة هتو..لع…الشركة هتقع “

 

وشوشة.. همسة. نظرة. كل واحدة منهم كانت زي سكينة صغيرة بتخبط فيها.

 

حنين حست إن رجليها مش قادرة تشيلها. فتحت بقها تقول حاجة، أي حاجة، تدافع عن نفسها، تقول إن ده غلط، إن ده ما حصلش بالشكل ده، إنها ما عملتش حاجة. لكن الكلمات رفضت تخرج. كان فيها صوت جواها بيصرخ لكن حنجرتها مقفولة.وفجأة، الباب الزجاجي اتفتح بقوة.

 

دخل رائف الحريري بخطوات سريعة وعنيفة. وراه مراد وتلات من الحرس بيمشوا بسرعة بيحاولوا يلحقوه. أول ما دخل اللوبي، الصوت كله اتقطع في نص ثانية. وكأن حد قفل زرار الصوت في مكان بيضم خمسين شخص.

 

رائف وقف. عيونه جابت اللوبي كله في ثانية واحدة، الموظفين، الموبايلات، الوشوش. وبعدين لقى حنين واقفة في نصه بالظبط، شاحبة زي الشمع، وعيونها واسعة ومليانة صدمة وخوف.

 

قلبه وجعه.

 

قال بصوت منخفض وهادي بالدرجة اللي بتخوف: “اطلعي مكتبك يا حنين.”

 

حنين رفعت عيونها له. كانت عايزة تتكلم لكن مش قادرة.

 

قالها بنبرة أنعم شوية. “اطلعي. وشوفي شغلك عادي .”

 

حنين هزت راسها ومشيت. مشيت ناحية الأسانسير بخطوات مرتجفة ومن غير ما ترفع عينيها. ورائف وقف مكانه وعينه عليها لحد ما دخلت الأسانسير وأبوابه اتقفلت. وبعدين لف.

 

لف ببطء على كل الموجودين، وصوته طلع هادي لدرجة مرعبة: ” أكيد كلكم شوفتوا الأخبار اللي نزلت الصبح؟”

 

مفيش حد قدر ينطق.

 

رائف مشى خطوتين ناحيتهم. “أنا هقول لكم حاجة واحدة بس، ومش هكررها. اللي نزل الصبح كذب ومفبرك. صور اتصورت بنية قذرة وعنوان اتكتب بنية أقذر. الآنسة حنين موظفة محترمة ومحترمة جداً. وأي حد فيكم يتجرأ يقول عليها كلمة، أي كلمة، همس أو ضحك أو نظرة، هينتهي عقده من الشركة في نفس اللحظة. من غير إنذار. من غير تعويض. من غير شهادة خبرة.”

 

الصمت كان ثقيل لدرجة إن صوت المكيف كان مسموع.

 

لف على المديرين اللي واقفين في الصف الأول: “وأنتم مسؤولين عن أقسامكم. لو وصلني إن في أي قسم عندكم بيتكلم عن الموضوع ده، هتتحاسبوا قبل الموظفين. مفهوم؟”

 

واحد من المديرين قال بسرعة بصوت مبحوح: “مفهوم يا فندم.”

 

رائف هز راسه ومشى ناحية الأسانسير بخطوات سريعة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى