
رواية الكاتبة ملك إبراهيم.
في الدور العشرين.
حنين دخلت مكتب السكرتارية. شنطتها وقعت من إيدها على الأرض من غير ما تحس. وقفت ثواني ساكتة، بتتنفس بصعوبة، وعيونها بتجري على الحيطة قدامها من غير ما تشوف.
وجاها صوت من الناحية التانية من المكتب.
“صباح الخير يا حنين.”
رفعت عينيها. سلوى كانت قاعدة على مكتبها لابسة طقم رمادي أنيق، وقدامها فنجان قهوة وموبايل مقلوب على وشه. كانت قاعدة بكامل هدوئها، وعلى شفايفها ابتسامة صغيرة فيها شماتة مش مستخبية.
“صباح النور يا أستاذة سلوى.” صوت حنين خرج ضعيف.
“إنتي مش باين عليكي إنك كويسة.” سلوى شالت الفنجان من على المكتب وحطته جنبها بحركة بطيئة. “حصل حاجة؟”
حنين: “في أخبار نزلت و…”
“أيوه، أنا شفتها.” سلوى قامت وقفت ومشيت ناحية حنين، وفتحت الموبايل على حاجة، وحطته قدامها. “اتفضلي. شوفي بنفسك.”
حنين بصت.
الصور. العناوين. الكلمات. كلها قدامها مرة واحدة. عشيقة. تحت المطر. مؤامرة. أرشيف. رجل الأعمال وعشيقته. كل كلمة بتقطع في حاجة جواها بشكل مش عادي. وجعها مش بس إنها اتهمت ظلم. وجعها إن الحاجة الوحيدة الجميلة اللي حصلت ليها في حياتها، الليلة اللي فاتت، اتحولت فجأة لحاجة قذرة قدام الناس كلها.
“ده… ده كذب.” همست حنين بدموع.
“كذب؟” سلوى ضحكت ضحكة قصيرة. “يعني إنتي ما ركبتيش عربية رائف بيه؟ ما نزلتيش قدام بيتك ولابسة الجاكيت بتاعه؟ الصور واضحة يا حنين.”
حنين بدموع: “ركبت عربيته.. رائف بيه وصلني عشان المطر كان شديد و…”
“طبعاً.” سلوى قالتها بنبرة جارحة وبصت لها من فوق لتحت. “المطر. أكيد. وهو اللي وصلك. وهو اللي طلبك بالاسم من الأرشيف. وهو اللي عينك سكرتيرة في يوم واحد. وهو اللي بيدخل مكتبه ويطلب الملفات من إيدك بالتحديد. ودلوقتي المطر كمان. بنت ذكية والله.”
حنين اتصدمت من كلامها وقالت “أستاذة سلوى، أنا ما عملتش حاجة غلط.”
سلوي بسخرية: “أكيد دا بالنسبه لكي مش غلط .”
سلوى قربت منها أكتر، وصوتها نزل لدرجة الهمس السام. “وأنا ما أقدرش أقول عنك حاجة، بس الناس بتشوف اللي قدامها. والناس هتقول إن البنت الغلبانة اللي دخلت الأرشيف من سنتين طلعت أشطر من اللي كلنا فكرناه. عرفت إزاي تدخل مكتب الباشا صاحب الشركة من أقصر طريق في الدنيا. وبنات كتير بيعملوا كده يا حبيبتي. مش إنتي الأولى.”
حنين شهقت. الكلمة نزلت عليها كأنها نار. حطت إيدها على بقها وعيونها اتملت دموع. “بس… أنا مش كده…”سلوى بصت في عينيها مباشرة، وبصوت متقطع ومليان غل: “لتكوني فاكرة إن واحد زي رائف الحريري هيبص لواحدة زيك بجد؟ موظفة أرشيف غلبانه وفقيرة ما عندهاش حاجة؟ هو بيلعب. بيسلي وقته بعد ما فسخ خطوبته لحد ما يلاقي واحدة من مستواه.. وبعدها هترجعي الارشيف تاني.”
الكلام ده كان الأخير.
حنين حست إن رجليها خانتها. جلست على الكرسي ببطء وإيديها بتتهز. دموعها بدأت تنزل على خدودها من غير صوت في الأول، وبعدين بدأ نفسها يتقطع وبقى بكاء حقيقي بقهرة. حطت وشها بين إيديها وانهارت. كل الأسبوع اللي فات، كل الخجل، وكل الحلم الجميل اللي كانت عايشاه، اتبخر في ثواني.
سلوى وقفت تتفرج عليها بعينين باردتين. وللحظة صغيرة جداً، حسّت بحاجة غريبة بتتحرك في صدرها. ندم صغير. لكنها دفنته على طول.
وفي اللحظة دي، الباب اتفتح.
دخل رائف.
وقف عند الباب لحظة وهو شايف المنظر: حنين منهارة على الكرسي، وكتفيها بيرتجفوا، وسلوى واقفة قدام مكتبها . الغضب اللي كان في وشه اتحول في ثانية لحاجة تانية. قلق. خوف. وجع حقيقي.
“حنين!”
جرى عليها ونزل على ركبتيه قدام الكرسي زي ما عمل في الأرشيف. مسك إيديها بحرص وشالهم من على وشها: “حنين، بصيلي. بصيلي. خلاص. أنا هنا.”
حنين رفعت عيونها له. كانت عيونها حمرا ومبللة وخدودها غرقانة دموع، ووشها اتحول لحاجة صغيرة وهشة. همست بصوت مكسور: “أنا آسفة يا فندم… أنا والله ما عملت حاجة… أنا آسفة… أنا آسفة إني… إني سببتلك الأخبار دي.. بس انا مظلومة.. حضرتك عارف”
قلب رائف اتقبض. كانت بتعتذر. بنت بتنهار وهي لسه بتعتذر. “إنتي مش مسؤولة عن حاجة.. انتي أشرف وانضف بنت قابلتها في حياتي.. مفيش حاجة غلط عملتيها. اللي حصل ده انا المقصود بيه مش انتي. وأنا اللي هصلحه.” قالها بصوت ثابت.
حنين بصت في عنيه.. رائف هز راسه لها بثقة وقال: “وعد مني. هصلح كل حاجة.. صدقيني”
ولف راسه بحدة لسلوى اللي وقفت متجمدة من المنظر ومش مصدقه اللي بيعمله رائف الحريري مع حنين.
رائف : “أستاذة سلوى.”
“نعم يا فندم.” قالتها سلوى بتلعثم وهي بتبلع ريقها.
رائف: “هاتي لها مية. وخليكي جنبها لحد ما تهدى. وما تسمحيش لأي حد يدخل يقول كلمة واحدة تضايقها. مفهوم؟”سلوى: “م… مفهوم يا فندم.”
رائف رجع بص لحنين. إيده لسه ماسكة إيديها بحنية، وصوته نزل لدرجة خفيفة: “هاسيبك دقايق وأرجع. بس ما تعمليش حاجة. ما تشتغليش. ما تفكريش في أي حاجة.. ارتاحي وبس.. تمام؟”
حنين هزت راسها بدموع.
قام وقف. بص لها لحظة أخيرة قبل ما يخرج، وفي عينيه حاجة لو حد شافها كان فهم أكتر من اللي لازم يتفهم. وبعدين دخل مكتبه وقفل الباب بقوة.
وفضلت سلوى واقفة، ماسكة كوباية مية في إيدها وحاسة بحاجة سودا بتتجمع في صدرها، حاجة أقوى من أي حقد. رائف الحريري نزل على ركبتيه قدام بنت. رائف اللي عمره ما نزل على ركبتيه قدام أي حد في الدنيا….. بقلمي ملك إبراهيم… يتبع في

