
حنين ارتبكت. في الحقيقة كانت عايزة تقول إن مكتب سلوى مليان توتر، وإن الملفات كتير بشكل مبالغ فيه، وإنها متضايقة ومتعبة وخايفة. لكن ازاي تقوله ده؟ هو اللي اختارها، وهو اللي وثق فيها. إزاي تشتكي له من أول يوم؟ وازاي تقول حاجة تحرمها من وجودها قريبة منه؟
ابتسمت ابتسامة ناعمة وقالت: “آه يا فندم، مبسوطة جداً. الحمد لله. وشكراً لحضرتك على الفرصة دي. أنا مش عارفة أشكرك إزاي.”
رائف حس إن في كلامها حاجة مش كاملة. حس إن في وراه حاجة مخبياها. لكنه ما ضغطش. وبدل كده، لقى نفسه ساكت.
ما كانش لاقي كلام يقوله.
هو رائف الحريري، اللي بيدير شركة بالملايين، واللي بيقف قدام مجالس الإدارة ويقنعهم في دقايق، واللي ما بيتلخبطش قدام أي حد في الدنيا. ودلوقتي، قاعد قدام موظفة صغيرة وعقله فاضي تماماً. كل الجمل اللي في دماغه بتتبخر. كان حاسس بنفسه زي شاب في السادسة عشرة، قاعد قدام أول بنت بيحبها، وعايزها تفضل قدامه ولو دقيقة كمان، وما لهوش حجة يستبقيها بيها.كل اللي كان عايزه إنها تفضل قاعدة. إنه يبص في عينيها. إنه يشوف الحب الصافي ده اللي بيملا قلبه، قلبه اللي فضل فاضي سنين.
وحنين، اللي قدامه، بدأت تحس بحاجة غريبة. كان بيبص لها. بس بيبص بدون ما يتكلم. دقيقة كاملة، يمكن أكتر. عيونه السودا مثبتة على وشها بنظرة دافية وعميقة ومش مفهومة، وهي ما عرفتش تعمل إيه. هل غلطت؟ هل في حاجة على وشها؟ هل هو مستني منها حاجة؟
سألت بصوت هادي : “في حاجة تانية يا فندم؟”
رائف فاق كأنه بيصحى من حلم. رمش مرتين، واعتدل في كرسيه، وقال بسرعة وبنبرة أخف من اللازم: “لا… لا. مفيش. بس… شكراً على الملف.”
حنين :”العفو يا فندم. بعد إذنك.”
قامت وخرجت بخطوات سريعة، وقفلت الباب وراها، ووقفت في الطرقة لحظة بقلب بيدق. مش فاهمة حاجة. هو ليه بص لها كده؟ هل هي اتخيلت؟ هل كانت بتحلم تاني؟ كانت دايماً متعودة إنه ما بيشوفهاش. كانت متعودة إنها شبح في الشركة. إزاي دلوقتي بيبص لها كأنها… كأنها حاجة مهمة؟
مسحت وشها بإيدها وتمتمت: “لا، أنا أكيد بتخيل. أنا عايشة في حلم بجد.”
رواية الكاتبة ملك إبراهيم.
جوه المكتب، رائف فضل ساكت على كرسيه، وابتسامة صغيرة على وشه. بعدين ضحك ضحكة قصيرة وخافتة وهمس لنفسه: “إيه اللي بيحصل لك يا رائف الحريري؟”
ما كانش عنده إجابة. بس كان عارف إنه مش عايز يوقف.
……….
في المساء.
الليل نزل على القاهرة بنسيم ثقيل ورطب. في شارع هادي في حي مصر الجديدة، وقفت عربية فخمة سودا قدام عمارة قديمة محترمة. ميرهان شوكت نزلت منها بفستان عملي وبدون أي مجوهرات، وبعدين لبست نضارة شمس رغم إن الشمس كانت غابت من كام ساعة.
طلعت لحد الدور التالت، ووقفت قدام شقة بابها خشب أنيق عليه اسم صغير على لوحة نحاس. خدت نفس، وضبطت وشها بحيث تبان عليه ملامح الحزن والإرهاق، وخبطت على الباب.
سلوى فتحت، وكانت لابسة بيجامة منزلية محترمة وروب خفيف، وفي إيدها كتاب. أول ما شافت ميرهان اتجمدت. “ميرهان هانم؟ حضرتك؟”
“مساء الخير يا أستاذة سلوى.” ميرهان قالتها بصوت مكسور. “أنا آسفة على الزيارة المفاجئة. مكنتش عارفة أروح لمين. ممكن أدخل؟”سلوى ترددت لحظة. كانت عارفة كويس إن رائف الحريري طرد ميرهان من الشركة بإهانة قدام الدور كله. وكانت عارفة إن استقبالها في بيتها ممكن يكلفها وظيفتها. لكن في حاجة جواها، فضول وحقد وحاجة تانية، خلتها تتنحى وتقول: “اتفضلي.”
قعدوا في الصالون الصغير المرتب بدقة. سلوى جابت شاي ومدته لميرهان اللي ما لمستوش. ميرهان سندت راسها على إيدها وبدأت تبكي بصوت خفيض: “أنا مظلومة يا سلوى. اللي حصل ده كله كان مؤامرة، أحمد الصياد حط لي حاجة وأنا مش في وعيي، وصورنا وسرب الخبر عشان يدمر رائف. وأنا بحب رائف. بحبه من قلبي. وهو مش مصدقني.”
سلوى كانت بتسمع وهي ساكتة، وعيونها بتتابع كل حركة. “وحضرتك عايزة مني إيه؟”
“عايزاكي تساعديني.” ميرهان رفعت عينيها لها وفيهم دموع. “إنتي أقرب واحدة ليه. هو بيثق فيكي أكتر من أي حد. لو إنتي كلمتيه، لو قلتي له إنك شايفة إن في حاجة غلط في الموضوع، ممكن يسمعك. أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تساعديني أثبت براءتي وأرجع له.”
سلوى بصت لها ثواني طويلة. في الظروف العادية كانت هتقول لا. كانت هتحترم وفاءها لرائف اللي عاشرته سنين. لكن اللحظة دي ما كانتش عادية. كانت في دماغها صورة لبنت صغيرة قاعدة على مكتبها، ووش منور، وإحساس غريب بإن الأرض بتتسحب من تحت رجليها.
قالت ببطء: “ميرهان هانم… أنا ما أقدرش أعمل حاجة ضد الباشا.”
“مش ضده.” ميرهان قربت منها. “معاه.. أنا عايزة الخير له زي ما إنتي عايزاه .”
سلوى سكتت. وبعدين، من غير ما تتحكم في نفسها، قالت بصوت جاف: “هو أصلاً مش عايز يسمع اسمك. في الأيام اللي فاتت، ما سألش عنك ولا مرة. وأنا مش شايفة إن لسه في مكان ليكي عنده.”
ميرهان رمشت. “كده؟”
“أيوه. وبعدين…” سلوى سكتت لحظة وبعدين كملت بنبرة مليانة غل مكتوم: “وبعدين في حاجة تانية.”
ميرهان رفعت حاجبها بحذر: “حاجة إيه؟”
سلوى : “حنين.”
ميرهان: “مين حنين؟”
“موظفة في الأرشيف. بنت بسيطة وصغيرة، ما حدش كان يعرفها في الشركة. بس من امبارح…” وسلوى بدأت تحكي. حكت إن رائف نزل الأرشيف بنفسه، وده عمره ما حصل. وإنه طلبها بالاسم في مكتبه. وإنه عينها سكرتيرة خاصة في يوم واحد، من غير ما يشاور حد، ومن غير مقابلة ولا اختبار. وإنه في الاجتماع العام كان بيبص عليها كل شوية وسط ٣٠٠ موظف وبيتلخبط في كلامه. وإنه النهاردة طلب الملف على إيدها هي بالتحديد، وبنبرة ما بتقبلش النقاش.وأنا يا هانم ما شفتوش كده في حياتي. بقالي ست سنين معاه، وعمري ما شفته بيبص لحد بالطريقة دي.” سلوى قالتها بصوت بيرتعش من القهر. “وهي ولا حاجة. موظفة ما عندهاش خبرة ولا اسم ولا عيلة. بنت من الشارع.”
ميرهان كانت قاعدة ساكتة وقلبها بيغلي. رائف؟ رائف الحريري اللي ما بيبصش لواحدة غير لو كانت من مستواه؟ اللي كان بيتعامل مع كل الستات بنظرة محايدة، ولا مرة بص لواحدة ولا موظفة عنده ؟ ودلوقتي ينزل الأرشيف بنفسه عشان بنت؟
كانت لسه ماسكة الكباية، وصوابعها بتضغط عليها بقوة. حاولت تخبي ملامحها، لكن عينيها كانت بتتحول لنار. بنت أرشيف. بنت أرشيف تاخد المكان اللي هي، ميرهان شوكت، اتطردت منه بإهانة؟
قالت بصوت بارد جداً: ” واضح ان حنين دي مش سهلة.. وانتي مش عايزه وجودها قريبه من مكانك؟”
سلوى بصت لها بحذر. وفجأة فهمت. فهمت من النظرة اللي في عيون ميرهان إن الاتنين ماشيين في نفس الاتجاه، وإن الكراهية اللي بينهم مشتركة. ابتسمت ابتسامة صغيرة جداً، ابتسامة واحدة قررت تقفل على ضميرها الباب. “أكتر من اللي تتخيليه يا هانم.”
وبدأوا يتكلموا. ساعة كاملة، والصوت واطي، والشاي بقى بارد، والحقد بيسخن بين الاتنين. ميرهان بتسأل، وسلوى بتجاوب، ومع كل جملة كان بيتبني بينهم حلف صامت، حلف مبني على غيرة وحقد وخوف من نفس الحاجة…. بقلمي ملك إبراهيم… يتبع في الجزء الجديد على صفحة الكاتبة ملك إبراهيم.



