
حنين فتحت بقها وقالت بصوت ضعيف جداً: “أنا… أيوه… أنا… يعني…” ثم سكتت.
رائف قرب أكتر، حتى بقى واقف قدامها بالظبط، وقال بنبرة ألين: “إنتي حنين، صح؟”
الاسم خرج من بقه بصوته. صوته هو. حنين حست إن الأرض بتميل تحتها. اسمها اللي كانت بتسمعه كل يوم من كل الناس اللي تعرفهم ، بقى يطلع من فم الراجل اللي حبته سنتين وما حلمتش حتى إنه يعرف شكلها.
حنين: “أيوه… أنا حنين يا فندم.”
رائف: “كويس. قوليلي يا حنين، الملف اللي سألت عليه فين؟”
حنين بلعت ريقها وحاولت تبص في الأرفف: “الملف ده… هو… في الرف التالت… لا لحظة… في الرف الخامس… أنا آسفة… أنا…”
وشها كان بيحمر أكتر وأكتر مع كل كلمة، لحد ما بقى لونه أحمر زي الورد في عز الربيع. رائف لاحظ ده ورفع حاجبه باستغراب، وسألها بهدوء: “إنتي كويسة؟”
حنين حاولت تهز راسها. حاولت تقول “كويسة”. لكن الصوت ما خرجش.
الأرفف اللي وراه بدأت تلف قدام عينيها ببطء، والنور الأبيض بتاع اللمبات بقى بيتحول لبقع سودا بتتسع. آخر حاجة سمعتها كانت صوت بسمة بتصرخ: “حنين!”
وبعدين وقعت.
لكنها ما وقعتش على الأرض. رائف اتحرك بسرعة ما كانش يتوقعها هو نفسه، ومد دراعه وسحبها قبل ما راسها تلمس أرضية الأرشيف.
جسمها خفيف وسقط في حضنه زي ورقة. شالها بين دراعاته بحرص، وحس بقلبها بيدق على صدره بسرعة.
بسمة كانت واقفة بتبص على المشهد بعيون مفتوحة على آخرها، وإيديها على وشها: “يا نهار أبيض… رائف بيه الحريري.. شايل حنين!”
رائف رفع عينيه لها وقال بصوت حاسم: “اعدلي الكرسي بتاعها ؟”
بسمة: “أتفضل يا فندم… الكرسي ده.”
مشى بخطوات هادية ناحية المكتب وقعدها على الكرسي برفق، وسند راسها على ضهر الكرسي بحرص كأنها حاجة قابلة للكسر. وبعدين لف ل بسمة وقال: “روحي هاتي مايه بسرعة.”
بسمة جرت من الأرشيف وهي بتتعثر في خطواتها وبتكلم نفسها: “أنا بحلم… أنا أكيد بحلم.”
رائف فضل واقف جنب الكرسي. نزل على ركبته قدامها وبص في وشها الشاحب. شاف رموشها الطويلة بتلمع عليها نقطة عرق صغيرة، وشاف إيدها اللي كانت متشبثة بحرف الكرسي حتى وهي فاقدة الوعي. مد إيده وحطها على خدها بحذر، وطبطب عليه بخفة: “آنسة حنين… آنسة حنين، سمعاني؟”
ما ردتش. وقتها حس بخوف غريب كأنه لسه بيجرب الإحساس ده لأول مرة. “حنين.” قالها بصوت أوطى وأحن من قبل. “فوقي يا حنين.”جفونها اتحركت. ببطء شديد، فتحت عينيها.
أول حاجة شافتها كانت وش قريب منها قوي، وش ما بتشوفه غير في أحلامها. عيون سودا عميقة وحواجب مقطبة بقلق وخطوط الوش اللي حافظاها من كتر ما بصت على صوره. ابتسمت ابتسامة صغيرة تايهة وهمست بصوت مبحوح: “أنا أكيد بحلم.”
رائف رفع حاجبه، وخرجت منه نص ضحكة هادية، وقال بصوته المميز اللي كانت بتحفظ رنته: “مش حلم. إنتي كويسة؟”
الصوت دخل ودنها حقيقي، ودافي، ومش جاي من حلم. حنين رمشت مرتين وبصت حواليها بسرعة. شافت الأرفف، والمكتب، والملفات الواقعة على الأرض، وبسمة مش موجودة. ورجعت تبص عليه، وشافته راكع على ركبته قدام كرسيها، بدلته الغالية على أرضية الأرشيف المتربة، وبيبص لها بقلق صادق.
عرفت ساعتها إنه حقيقي.
عينيها اتملت دموع من غير ما تقدر تمنعها، ونزلت على خدها بهدوء واحدة ورا التانية. حاولت تتكلم فخرج صوتها متحشرج، فهزت راسها بس، هزة صغيرة معناها “أنا كويسة”.
رائف بص لها بذهول. كان قدامه واحدة وقعت من الإغماء لمجرد إنها شافته، وبتعيط وهي بتقول إنها كويسة. وللحظة سأل نفسه سؤال ما كانش متوقع يسأله لنفسه أبداً: “معقول؟ معقول تحبني للدرجة دي؟ مجري إني أبقى قدامها فتقع وتبكي كده؟”
اللي سمعه في الكاميرات كان كلام. لكن اللي شافه دلوقتي كان أقوى من أي كلام. في عينيها ما كانش فيه طمع، ولا لعب، ولا حسابات. كان فيه حاجة صافية لدرجة ، حاجة عمره ما شافها عند ست قبل كده.
بسمة رجعت وهي بتجري ومعاها كوباية مايه، وسلمتها له بإيد بتترعش. رائف مسكها وقرب الكوباية من حنين وقال بهدوء: “اشربي شوية.”


