عام

حكايات ملك ابراهيم ٢

حنين مسكت الكوباية بإيدين مرتعشة وشربت رشفة صغيرة، ووقتها لمست صوابعه صوابعها بالغلط. حسّت بكهربا خفيفة سابت رعشة في دراعها كله، وبعدت إيدها بسرعة. رائف لاحظ، ولاحظ إن خدودها اتورّدت من تاني.

قام واقف ورتب جاكيت البدلة، وقال بنبرة رجعت رسمية: “خدي وقتك. لو لسه تعبانة ارتاحي . ولو عايزة إجازة النهارده، أنا هبلغ مديرة القسم.”

 

حنين قالت بسرعة وبصوت متقطع: “لا… مفيش داعي يا فندم… أنا كويسة… آسفة جداً… أنا مش عارفة إيه اللي حصل.”

 

رائف بص لها لحظة طويلة زيادة عن اللازم. بعدين قال: “ما تعتذريش.” وبص على بسمة وقال: “الملف اللي سألت عنه، سيبوه دلوقتي. أنا هبعت حد ياخده بعدين.”

ولف وخرج من الأرشيف. كانت خطواته أبطأ من وقت ما دخل، وعقله مشغول تماماً. وهو في الأسانسير، بصّ على إيده اللي لمست خد حنين، وضمها في قبضته كأنه بيحاول يحتفظ بإحساس غريب ما عرفش يسميه.

رواية الكاتبة ملك إبراهيم.

في الأرشيف، بسمة قفلت الباب ورا رائف وسندت ضهرها عليه، وبصت على حنين بعيون مليانة ذهول: “حنين! إنتي عارفة إيه اللي حصل؟ ده شالك! رائف الحريري شالك بإيديه! شالك وقعدك على الكرسي بتاعك! وهو اللي فوقك بنفسه!”

 

حنين كانت قاعدة ساكتة، إيديها على ركبها، وبتبص قدامها بنظرة تايهة: “إنتي… إنتي بتتكلمي بجد؟”

 

بسمة: “بجد يا بنتي! أنا اللي كنت واقفة! ده ما سابش حتى الكوباية لحد غيره يمسكها لك. وبعدين… ده أول مرة في عمره ينزل الأرشيف! الشركة دي عمرها ما شافت رائف الحريري في البدروم. ليه نزل؟ إيه سبب؟ هو أصلاً مش محتاج ملف! ده عنده عشرين موظف يجيبوا له أي ملف في ثانيتين!”

 

حنين حطت إيدها على صدرها وقالت بهمس: “أنا مش مصدقة. لمسني بإيده يا بسمة. حطها على خدي.”

 

بسمة قربت منها وجلست قدامها. “بس إنتي سمعتي؟ هو سألك إنتي إسمك حنين صح؟ يعني عارف إسمك. يا ترى إزاي؟ ولأي سبب؟”

 

حنين هزت راسها بعدم فهم، وهي لسه حاسة إن إيده على خدها حرارتها ما اختفتش.

رواية الكاتبة ملك إبراهيم.

بعد ساعة.

اجتماع مجلس الإدارة كان في قاعة زجاجية ضخمة في الدور الأخير، وعلى الترابيزة الطويلة قعد تمانية رجال أعمال بوجوه تقيلة، منهم عمه الأكبر، ومنهم شركاء قدامى من أيام أبوه، ومنهم مستثمر أجنبي حضر عن طريق الفيديو. رائف قعد على رأس الترابيزة وقدامه ملف مفتوح لكنه ما كانش بيبص عليه.

الأستاذ عادل، أقدم عضو في المجلس، فتح الكلام بنبرة حذرة: “يا رائف بيه، إنت عارف إننا كلنا بنحترمك ونقدّر شغلك. بس الحقيقة إن أسهم الشركة نزلت اتنين وتمانية في المية في ساعتين بس من فتح البورصة.”

 

رائف رد بهدوء: “عارف.”

 

“والمستثمر الأجنبي بيبلغنا إنه بيفكر يراجع حصته.” “ده طبيعي في موقف زي ده.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى