قصص وروايات

شعيب بقلم شيماء عصمت

أسرع يتمسك بها يمنعها من السقوط، نظرت له ذاهلة لترى أصابعه تعانق أصابعها بقوة وحزم، ثم جذبها إليه برفق وحذر حتى وقفت فوق أرض الغرفة.

أول من أقترب منها كان الجد مهران يغمرها بين أحضانه يتمتم بالحمد والشكر لله، فأنفجرت لتين باكية بكاء يمزق نياط القلب.

الجد بحنان وصوت متحشرج: كفاية بكى، كفاية يابت، خليك ناشفة زي جدك.

نورا بحقد: هو الدلع المرق ده هيخلص أمتى؟ بصراحة مكنش ليه لزمة العرض ده كله، وبعدين مش تحمدي ربنا أن أخويا عايز يستر عليك؟ ولا هو الحرام حلو!! مش كفاية صابر عليك وأنت زي الأرض البور كده.

أنسابت دموع لتين بألم ولم يكن لديها طاقة لترد عليها، بينما صرخت صباح: بت يانورااا، لمي نفسك ولا عايزة علقة زي بتوع زمان.

أردفت نورا بتوتر وهي ترى الجميع ينظر لها بغضب: أنا مقصدش، أنا بس خائفة عليها، أصل مين هيرضى بيها وهي لمؤاخدة، يعني مبتخلفش.

الجد مهران بثقة: ومين قالك أن محدش هيرضى بست البنات كلهم؟ السؤال الصح هي هترضى بمين!! يمكن اللي متعرفهوش أن أتقدم ل لتين يجي أربع عرسان من بعد ما عدتها أنتهت، ومن بين العرسان دول شعيب حفيدي ودراعي اليمين طلب أيد لتين مني، وأنا بصراحة وافقت، ومنتظرين رأي العروسة مش أكتر، ولو وافقت يبقى على بركة الله.

جحطت عين شعيب بصدمة وذهول، هل ما سمعته أذناه صحيح أم هي مجرد أوهام!!!! ولكن علامات الذهول المترسمة بوضوح على ملامح الجميع أكدت له أن ما سمعه صحيح بالفعل!!

هدر عماد صارخا بغضب وحقد: دا على جثتي، سامع، على جثتي، لتين ليا سواء طلقتها أو حتى مت، وأكمل بسخرية: ألا لو حفيدك حابب يلم البواقي بتاعتي.

تجاهل شعيب عماد تماما وأردف بهدوء خطير: جدي لو سمحت عايز أكلم حضرتك في كلمتين ولوحدنا.

هدر عماد بجنون من تجاهل الجميع له وخاصة شعيب: حد يرد عليا رد يا شعيب باشا! حابب تلم البواقي بتاعتي؟ وأكمل بوقاحة: بس صدقني هي مش هتعجبك، دي فاشلة في كل حاجة وعمرها ما هتبسطك.

أنتفضت فوزية من جلستها تقترب من عماد وهي تحمل حذائها بين يديها وتنهال به على عماد تهتف بقلب أم يحترق على أبنتها: أخرس يا كلب، يا نسيت نفسك ياوقح، دا أنت بوست أيدينا علشان نوافق نجوزهالك، نسيت ولا أيه يا قليل الرباية؟ أنت عمالة أصبر نفسي وأصبر بنتي وأقول يابت أبن أخوكي معلش أستحملي، بس خلاص الكيل طفح منك ومن قرفك، أتفووو عليك وعلى معدنك الواطي، فاكر بالضرب والأهانة هتبقى راجل؟ دا أنت كل ب ولا تسوى.

أبتسم مازن بتشفي ولم يقترب للدفاع عن شقيقة، سعيد بما يحدث له، فهذا أقل مما يستحقه.

أما توفيق أقترب يخلص أبنه من فوزية يهدر بغضب: غور من هنا، عرتني منك لله، يلا غور من هنا في ستين داهية.

نظر لهم عماد بغل وحقد ثم ترك الغرفة وذهب وهو يلعنهم جميعا ويلعن الساعة التي ولد فيها.

أنفجرت فوزية في نوبة بكاء عنيفة، فضمھا توفيق يتمتم بالأعتذار عن أفعال أبنه.

كرر شعيب بنفاذ صبر: بعد أذنك يا جدي، عايز أتكلم معاك حالا.

في مكان أخر في مكتب فاخر قال رجلا ما بصوت غليظ للشخص الجالس أمامه: شعيب أكل السوق وقفل الطريق علينا خالص، كل تجار الآلماس بتتعامل معاه لوحده تقريبا، حتى العملاء اللي بيشروا مننا من قديم الأزل سابوا محلتنا وكل فروعنا وبقوا زباين دائمين عنده، لازم نشوفله صرفة عشان نخلص منه.

رد الأخر بتفكير: نخلص منه أزاي بس؟ هو من وقت ما فتح الفرع الجديد اللي في الحي اللي أحنا فاتحين فيه خطف عيون الزباين، وخصوصا أن كل الصاغة اللي عنده كلها شغل أيده تصميمه، يعني ومفيش منها في السوق إلا عنده، ماهو عقبال عندك المصنع بتاعه شغال على ودنه، مش ملاحق دهب وآلماس، حتى يا أخي الفضة مش عتقها.

أردف الأول بغضب: وديني لأقطع رجله من سوق الصاغة خالص، لازم أمخمخله في مهموز يجيبه الأرض.

في غرفة الصالون

هدر شعيب بهدوء مصطنع: ممكن أفهم معنى الكلام اللي حضرتك قولته بره ده.

الجد بتريث: اللي أنت فهمته ياشعيب، أنا عايزك تتجوز لتين.

أنتفض شعيب كمن لدغته أفعى صارخا بغضب حارق: الكلام ده مستحيل يحصل، ولو هي أخر واحدة في الدنيا، أنا لا يمكن أتجوزها، سامع ياجدي، لا يمكن أتجوزها.

قال الجد بهدوء يحاول أن يمتص غضب حفيده: بس يا شعيب، دي بنت عمتك، تهون عليك تسيبها في الظروف اللي هي فيها دي! عماد مش هيرحمها، وأنت شايف بيعاملها أزاي، وهي وسطينا، تخيل وهي معاه لوحدهم بيعمل فيها أيه.

قاطعة شعيب بلهجة حاسمة بها لمحة من السخرية: والله محدش ضرب حفيدتك على أيديها، كل اللي حصلها كان برضاها وبموافقتها، عماد هي اللي أختارته وهي اللي أصرت تتجوزه، ودي كانت رغبة حضرتك، أنا وحفيدتك بينا ميت سد.

لا يمكن طريق يجمعنا، وخصوصا بعد اللي حصل زمان.

وأكمل بألم: دا غير أنها أخت مراتي زهرة، ياجدي فاكر زهرة اللي فات على موتها كام شهر؟ مش أكتر، وحتى لو نسينا أنها أخت مراتي، هقول ل عائشة وملك أيه؟ هفهمهم أزاي؟ كفاية عليهم صدمة موت أمهم اللي بيعانوا منها، أنا هعيش ل بناتي وبس ياجدي، لا هتجوز لتين ولا غيرها.

شعر مهران بألم حاد يعتصر قلبه والأرض تميد به وكأنه على وشك فقدان الوعي!

أقترب شعيب بخوف يساعده على الأتزان، ولكن كانت تلك الغيمة السوداء قد أبتلعت الجد مهران في بحور ألا وعي.

صرخ شعيب بجزع يتطلب الأسعاف وسط صرخات عائلة مهران التي أجتمعت أثر صرخة شعيب.

مازن بهمس خائف: تقريبا دي جلطة!!

وفي تلك الزاوية كانت ترى ما يحدث لجدها، ولكن شعور بداخلها منعها من التأثر وكأن أحساسها قد تبلد!! وكأن ذلك الشخص لا يعنيها!!

أقتربت منها تلك التي تسمى أبنه خالها نورا قائلة بحقد: كل اللي بيحصل ده بسببك، أنت جدي لو حصله حاجة أنا هأذيك يا لتين، فاهمة يعني أيه هأذيك.

نظرت لها لتين بلا مبالاه، حقا لا تهتم!! حسنا الرحيل ليس بذلك السوء الذي تعتقده نورا، بل هو أمنية تحلم بها أن تتخلص من تلك العائلة وتلك الندوب التي شوهت روحها! الرحيل راحة، وراحتها بعيدة المنال، ليت نورا تؤذيها حقا، ياليت!!

في المستشفى

هتف سالم بقلق: طمنى يادكتور، والدي عامل أيه؟

الدكتور بعملية: للأسف أتعرض لذبحة صدرية وكان على وشك الأصابة بجلطة في القلب.

صباح بصراخ: مهران.

أقترب تقى تهتف ببكاء: أهدي ياتيتا، الحمدلله ربنا ستر.

الدكتور: أنصحكم متعرضوش المريض لأي ضغط عصبي، حالته الصحية ماتسمحلوش بأي أجهاد سواء نفسي أو جسدي.

أقترب مازن من شعيب الواجم الملامح يهتف بهدوء: أطمن، هو كويس، متقلقش.

شعيب: متأكد!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى