
مازن بمزاح: أنت بتشكك في قدراتي؟ دا حتى عيب في حق السبع سنين اللي أتنفخت فيهم في الكلية.
لم يبتسم شعيب وأيضا لم يرد، كان عقله مشوشا مضطربا يخاف على جده ورافض لقراره، يحتاج ل زهرة الآن وبشدة!!
لم ولن ينساها، مازال عطرها يداعب أنفه للأن، يشتاق إليها ويشتاق لحنانها، ياالله، أحيانا ينسى أو يتناسى موتها!! ينادي بأسمها! فبعد ماكان يستيقظ على صوتها الخلاب بقى المنبه بصوته المزعج!! بعد أن كان ينعم بدفئ أحضانها أصبح وحيد في فراشهم البارد!!
أنتبه لصوت الممرضة تستدعاه لرؤية الجد بناءا على طلبه.
بوجه خالي من المشاعر أقترب من فراش الجد يقبله يده بأحترام: ألف سلامة عليك يا جدي.
الجد مهران بصوت خافت مجهد: حققلي أمنيتي الأخيرة يابن سالم.
شعيب بتأثر: ربنا يديك طوله العمر ياجدي.
مهران بألم: أنا عارف أنك منستش اللي حصل زمان، بس صدقني يابني، أنا كنت عايز راحتكم كلكم، أنتوا ثروتي الحقيقة ياشعيب، سيبك من المال والمناصب، ضفر بنت من بناتك أغلى عندي من كنوز الدنيا.
شعيب: ربنا يخليك لينا ياجدي، بس عشان خاطري بلاش اللي أنت عايزه ده، أنا عمري مارفضت لحضرتك كلمة، مش خوف منك، لا حب وأحترام وتقدير لمكانتك عندي، ف متجيش عليا ياجدي، وبعدين أفرض لتين رفضت، أكيد مش هنجبرها على الجواز.
الجد بصوت لاهث: وافق أنت بس، عشان لو مت أبقى راضي عنك، أما لتين فهي زي الغريق اللي هيتعلق في أشايه، حاسس أني هموت ومش هلحق أحميها ولا هطمن عليها غير معاك، وزي ما أنت شايف أبوها وجودة زي عدمه، وهيسبها ل عماد يعمل فيها مابداله، وافق ياشعيب، وافق، خليني أموت وأنا مرتاح.
شعيب بخفوت: لله الامر من قبل ومن بعد.
الجد براحه: بدام قولت كده يبقى وافقت ومخذلتنيش، روح هات المأذون وأبعتلي لتين.
شعيب بصدمة: مأذون!!! دلوقتي!! وهنا في المستشفى!!!
الجد: خير البر عاجله، يلا بسرعه، محدش ضامن عمره.
تطلع شعيب لسعاده جده الواضحة وأرتخاء عضلات وجهه بأسترخاء، ياالله ماهذا الأختبار!!
وقف بثقل في روحه لا بجسده، يخرج من الغرفة تحاصرة نظرات الجميع الفضولية والمتسائلة، فتطلع ل لتين يهتف بخشونة: جدي طالبك، ثم وجهه حديثه للواقفين: أنا هروح أجيب المأذون وجاي.
شهقة مصدومة صدرت من حنان ونورا.
أما توفيق وزوجته أرتسمت ملامح الحزن الشديد، فاليوم خسر أبنهم جوهرة لم يستطيع الحفاظ عليها، أما مازن وتقى فأبتسموا براحة، فمن ناحية تقى فهي تحب لتين وتعلم كم هي طيبة القلب وبالتأكيد ستسعد أخاها، أما مازن فهو على يقين أن أخاه لا يستحق لتين، وزواجهم من البداية كان خطأ فادح!!
تخطى شعيب الجميع يهرول خارج المستشفى بخطوات غاضبة، بداخله حمم بركانية من الغضب، لو أنفجرت لأحرقت الأخضر باليابس.
أنتبه لصياح والدته التي تهرول من خلفه، فوقف يتنفس بعمق يحاول السيطرة على أعصابه التي توشك على الأنفلات، فيفعل ويقول ما لا يحمد عقابه: نعم يا أمي، بتنادي عليا ليه؟
حنان بذهول: أنت فعلا رايح تجيب المأذون؟ هتتجوز لتين يا شعيب؟ هتتجوز لتين!!!!!
هتف بهدوء: أيوه يا أمي، هتجوزها.
أردفت حنان بغضب: أنت أكيد أتجننت، ملقتش إلا دي وتتجوزها يابني ياحبيبي؟ صحيح لتين كويسة وبنت حلال وأنا بحبها والله، بس متنفعكش ياشعيب، دي مش بتخلف يابني، لو على الجواز أتجوز نورا أهي، حتى تقدر تجبلك الولد اللي يشيلك أسمك.
ألتمعت أعين نورا التي تراقب من أحدى الزوايا الحديث الدائر بين الأم وأبنها، تلهفت لسماع رد شعيب، ربما يوافق وتصبح زوجته!!
ولكن أحلامها تلاشت وتبخرت لدى سماعها رده الغاضب.
شعيب بغضب مكتوم: بالله عليك يا أمي، أيه اللي أنت بتقوليه ده!!! أنا في أيه وحضرتك في أيه؟ حضرتك مش شايفة الوضع اللي أنا فيه؟ مش شيفاني خاااالص!!! واقف مش عارف أرضي مين ولا مين، أرضي جدي المريض اللي أي ضغط عليه ياعالم هيحصله أيه، ولا أتخلى عن بنت عمتي اللي كانت هتموت نفسها وطليقها كان!! اللي هو بالصدفة أبن عمتي! أفكر في بناتي اللي في اللحظة دي بفكر همهدلهم الموضوع أزاي، ولا أرضي حضرتك وأتجوز نورا!!!! نورا مين وزفت أيه دلوقتي؟
صمت يتنفس بعمق عده مرات ثم هدر بهدوء: أسف لو كنت أنفعلت عليك، بس أنا مضطر أمشي عشان ألحق ألاقي مأذون في الوقت ده، بعد أذنك.
في غرفة الجد
أقتربت لتين بخطوات متعثرة، نبضات قلبها تنبض بجنون.
تكلم مهران بخفوت: تعالي أقعدي جانبي يا غالية، يا بنت الغالية.
جلست جوارة بصمت، فتلمس بحنان خصلاتها ثم أردف: تعرفي أنك أكتر واحدة في أحفادي بحبها وغالية عندي.
تطلعت بعيون يغشاها الدموع تتمتم بتحشرج: بجد.
الجد بتأكيد: طبعا بجد، رغم أن جالي أحفاد قبلك وبعدك، بس فضلتي في حته لوحدك جوه قلبي محدش قرب منها، أنا يمكن مش عارف عماد عمل فيك أيه طول السنين اللي فاتت، بس اللي شوفته منه في الكام شهر اللي فاتوا كشف لينا كلنا شخص تاني أحنا منعرفوش، وافقي على جوازك من شعيب يا لتين، هو الوحيد اللي قادر يداوي جرحك ويرمم روحك من جديد.
أردفت ببكاء: بس هو جوز زهرة ياجدي، أختي.
أبتلع غصة مسننه قائلا بتأثر: بس زهرة ماتت، وبناتها محتاجينك، وشعيب مهما يعمل ليهم عمروا ماهيقدر لوحده يعوضهم غياب أمهم، زي ماهو محتاجينك أنت كمان محتجاهم.
أردفت بخفوت: بس أنا بخاف منه، ومش عايزة أكرر تجربة الجواز من تاني، أفرض طلع زي عماد.
هتف الجد بثقة: مستحيل، شعيب مفيش زيه، ولا يمكن يشبه عماد بأي شكل من الأشكال، هو الوحيد اللي هيقدر يحميك، ثقي في جدك وحكمه يا لتين، وأنا دائما هفضل جانبك وفي ظهرك.
بارك الله لكم وبارك عليكما وجمع بينكم في خير.
أفاقت من شرودها على هذه الجملة، أصبحت زوجة ل رجلا لم تتمناه يوما، رجلا كان زوج شقيقتها، رجلا تخشاه، ولكنه طوق النجاة!!!!
الفصل الخامس والسادس
سبحان المعبود في كل مكان، سبحان المذكور بكل لسان.
اللهم أنك عفو كريم حليم عظيم تحب العفو فاعف عنا.
صلوا على أشرف الخلق.
أنتهى المأذون من عقد قران شعيب سالم مهران من أبنه عمته لتين حسان نور الدين.
أقتربت فوزية تحتضن لتين وهي تبك بسعادة هاتفه بهمس أستمعته لتين جيدا: ربنا عوضك خير يابنتي، شعيب راجل من ضهر راجل، هو اللي ه يسندك في الدنيا دي، ألف مبروك ياضنايا، ألف مبروك.
طبعت بحنان عده قبلات على وجنتيها ثم أبتعدت تقف بجانب حسان واجم الملامح تتمتم بالحمد والشكر لله.
كان شعيب مشتت تائها في دوامة مشاعره، حرب طاحنة تدور ب داخله، يريد أن يبتعد عن الجميع، يريد أن يختلي بذاته، أن يعيد ترتيب حسابته ومخططاته التي أنهارت جزاء ما حدث، يريد وبشدة الذهاب للصاله الرياضية يمارس أحد الرياضات العنيفة لربما خرجت تلك المشاعر السلبية التي تسيطر عليه في هذه اللحظة.
أنتبه لوالده الذي يربت على صدره قائلا ب مؤازرة: عملت الصح يابني، عارف أن اللي حصل زمان لسه واجعك، بس دا الأحسن للكل.
أومأ برأسه موافقا ولم يرد، الجميع يفكر بنفسه، الجميع غافل عنه!!
أما خارج الغرفة كانت نورا تسير بغضب حارق تهاتف عماد مرارا وتكرارا ولكنه لا يجيب.
هتفت بهمس حاقد وهي على وشك الجنون: أتجوزته!! بعد كل اللي عملته فيها أتجوزته!! لييييه لييييه، ديما الحظ واقف معاها!!! ليه تتجوز بدل المرة اتنين وكل جوازة أحسن من التانية!! ليه هي تتجوز الراجل الوحيد اللي أتمنيته، وقبلها أختها، ليه مصممين يسرقوه مني ليييييه.
صمتت قليلا ثم أردفت بوعيد: بس والله العظيم يا لتين، لأعيشك في جحيم، أنك تحرميني من الأنسان الوحيد اللي أتمنيته، ليه عقاب عظيم، عقاب هتدفعيه في كل يوم من أيام حياتك.




