
كان الليل يخيم بظلامه الهادئ على أرجاء المدينة، لكن الأجواء داخل تلك الغرفة المغلقة كانت تموج بالتوتر والصراع الخفي. اقتربت “نور” بخطوات بطيئة ومتعمدة نحو “زين”، وامتزجت أنفاسهما في ذلك الصمت الثقيل. كانت تمتد بيديها لتفتح أزرار قميصه ببطء، وعيناها تلمعان بنظرات تحمل الكثير من الحقد والضغينة.
قالت بصوت خافت يشوبه الغضب والغل:
– “أنا أكرها قوي يا زين، وكفاية لحد كده، ما زلت صابرة على الوضع ده، بس خلاص تعبت.”
التفت إليها زين وابتسم ببرود، ثم مال ليطبع قبلة على رقبتها، وقال بنبرة هادئة يحاول بها تهدئتها:
– “خلاص يا نور، لازم تستحملي شوية كمان، وكل حاجة هتبقى لصالحنا.. وبعدين عايز اعرف ازاي…”
قاطعتْه نور بحدة، وبدت ملامح وجهها متقلبة بين الغضب والقهر:
– “أنا ما عنديش أخوات! أهلي الله لا يسامحهم، جابوها من الملجأ وفضلوا شايلينها كأنها بنتهم الحقيقية، وفي الآخر، وقبل ما يتوفوا، يكتبوا كل حاجة باسمها! ويقولوا متديش حاجة لأختك، دي هتعمل وهتساوي، وتضيع كل حاجة تعبنا فيها سنين!”
تنهد زين وهو يتحرك ببطء ليطبع قبلة أخرى على كتفها، محاولاً امتصاص غضبها:
– “خلاص اهدي، ميهمكيش من كل ده.. أنا هخليها تمضي على الورق ليكي، وساعتها هطلقها فوراً، وكل اللي بتمنيه هيبقى بين إيديكي.”
ظلت نور تقترب منه، بينما كان الغموض يلف تفاصيل تلك اللحظات. وفي مكان آخر، بعيداً عن هذا الجو المشحون، كان هناك مكتب هادي ومرتب بعناية فائقة. جلست “تمارا” ووجهها يكسوه الاستياء الشديد، بينما كان “سيف” يقف أمامها محذراً وبنبرة جادة:
– “ازاي تقولي كده عن جوزي؟ انت مش مكفيك اللي قولته عليه قبل كده؟ أنا استحملت كتير منك يا سيف، لكن لحد هنا وكفاية!”
رفعت تمارا صوتها بحدة، وظهرت علامات الغضب الصريح على وجهها:
– “كلمة كمان عن جوزي، هنسي خالص إنك تبقي ابن خالتي زينب الله يرحمها! اخرج بره يا سيف!”
وقف سيف مكانه بثبات، ونظرات القلق والخوف واضحة في عينيه، وقال بصوت حنون لكنه حازم:
– “يا تمارا انتي مش فاهمة حاجة.. أختك نور دي بتقابل جوزك كتير في السر، تقدري تفهميني ليه؟ أنا خايف عليكِ ومش عايز أشوفك مخدوعة.”
رفعت تمارا إصبعها في وجهه بغضب عارم وقالت:
– “سيف! الزم حدودك وكفاية لحد هنا.. اطلع بره حالا!”
لم يجد سيف فائدة من الكلام، فتراجع خطوات للخلف وقال بأسى:
– “أنا فعلاً خايف عليكِ، وحاسس إن فيه حاجة وحشة جداً مستنياكي يا تمارا.. ربنا يستر.”
خرج سيف بهدوء وتركها وحدها. شعرت تمارا باهتزاز داخلي، ومدت يدها نحو الهاتف لتتصل بزين، علّها تفرغ لديه هذا التوتر الذي ينهش صدرها.
الفصل الثاني: شكوك تتسع ونوايا خفية
كان زين في ذلك الوقت مستغرقاً في النوم، ونور نائمة بقربه، حتى رن هاتف زين بصوت عالٍ شق سكون الغرفة. مد زين يده بكسل ورد على الاتصال بصوت ناعس:
– “أيوة يا حبيبتي.. خير؟”
جاء صوت تمارا عبر الهاتف مستفسراً بقلق واضح:
– “زين.. انت فين؟ الساعة متأخرة وبره البيت؟”
بص زين بسرعة إلى نور التي كانت تحضنه بذراعها، فارتبك وتغيرت نبرة صوته:
– “أنا.. أنا في مشغل شغل كده.. خلصت وجاي في الطريق.”
قالت تمارا بصوت يملكه الشك:
– “تبقي معاها ليه؟ وليه صوتك متنح كده يا زين؟”
شعر زين بتوتر أكبر، فابتعد عن نور بحذر وقال متهرباً:
– “مين قالك كدة بس يا تمارا؟ إنتي بتهيا لك.”
أجابت تمارا بصوت هادئ ولكنه حازم:
– “تمام يا زين.. هستناك في البيت، وعايزة كلام كتير معاك.”
أغلق زين الهاتف، فنظرت إليه نور بقلق وقالت:
– “هتقولها إيه؟ هتعمل إيه لو سألتك؟”
شد زين نور نحوه بابتسامة ماكرة وقال بثقة زائفة:
– “متقلقيش.. أنا عارف هعمل إيه كويس، خلي الأمور دي عليا.”
بعد مرور ساعتين كاملتين، كانت تمارا جالسة على حافة السرير تنتظر قدوم زين، مرتدية ملابس أنيقة وبسيطة، وقلبها ينبض بالأسئلة والقلق. عندما فتح باب الغرفة ودخل زين، لاحظت التأخير الواضح عليه. اقترب منها زين وطبع قبلة خفيفة على رأسها وقال مبتسماً:
– “أسف يا حبيبتي.. تأخرت عليكِ، نور أختك كانت عايزة تشوفني في موضوع ضروري.”
شعرت تمارا بضيق شديد، ليس فقط من تأخيره، بل من تكرار ذكر أختها، وتذكرت كلمات سيف التي كانت تحذرها دائماً. حاولت أن تتجاوز شعورها وقالت بجدية:
– “حصل حاجة تستاهل كل التأخير ده؟”
أخرج زين من جيبه ملفاً ورقياً ومدّه إليها قائلاً بهدوء مخادع:
– “خدي.. امضي على الورق ده يا تمارا، واديلها فلوسها وحقها عشان نخلص ونرتاح، وخلينا نعيش حياتنا مرتاحين بعيد عن وجع الدماغ ده.”
أبعدت تمارا الورق عن بيدها بحدة وقالت برفض قاطع:
– “مش هينفع.. أنا مقدرش أخالف وصية بابا أبداً! والله العظيم ما همني الفلوس، والدليل على كده إني باديها فوق حقها وزيادة من الأرباح كل شهر.. الفكرة كلها إن بابا قالي: ‘أول ما نور تبقى إيدها في إيدك وتنزل معاكي الشركة وتمشي الشغل، اديهاله نصيبها’. وأنا طلبت منها ده كتير وهي رفضت تماماً لأنها عايزة تبيع نصيبها كله، وبابا لو كان عايش مستحيل كان يسمح بكده أبداً!”
اقترب منها زين بحنان مزيف، واحتضنها لتهدئتها قائلاً:
– “خلاص يا حبيبتي، ما تزعليش نفسك.. ماشي يا تمارا، اجهزي بكره عشان عندي ليكي مفاجأة جميلة هتعجبك جداً وتنسيكي الهموم دي كلها.”
ابتسمت تمارا رغماً عنها، واحتضنته بقوة وهي تشعر بالأمان الكاذب، وقالت بصوت رقيق:
– “أنا بحبك قوي يا زين..”




