قصص وروايات

زين وليل اميره جمال

قلبي الذي عاد إليك “كان نفسي تحبنى ربع مابحبك، بس للأسف يازين، إنت عيونك كانت دايماً شايفاني الأخت والصديقة، وأنا حاولت كتير وبأعترف إني تعبت من كتمان مشاعري…”

 

أعرفكم بنفسي؛ أنا “ليل”، أبلغ من العمر خمسة وعشرين عاماً، أعمل دكتورة تخاطب. متوسطة الطول، عيناي سوداوان كليل الشتاء يشبهان اسمي تماماً. قلبي تعلق منذ الطفولة بابن عمي “زين”. كان شاباً برياضي القوام، شعره أسود ناعم، وذو ملامح قمحية جذابة تخطف القلوب. “زين” لم يكن مجرد قريب، بل كان مهندساً ناجحاً يمتلك شركته الخاصة، وعاشقاً للنجاح. أحببته في صمت مطبق منذ الصغر، وكنت أحفظ تفاصيله الدقيقة أكثر حتى من والدته.

مرت السنوات، وظللت أؤجل الاعتراف له، إلى أن حدثت الفجيعة الكبرى التي غيرت مجرى حياتنا: رحلت توأم روحي وأختي الحبيبة “قمر” إثر مرض مفاجئ، تاركة خلفها طفلها الصغير “سيف” ذو الثلاثة أعوام. لقد انكسر بيتنا وتفتت قلوبنا جميعاً على فراقها.

بعد مرور عام كامل على رحيل “قمر”، وفي أجواء هادئة خالية من أي ضغوط، وجدت العائلة أن “زين” بحاجة لمن يرعى الصغير “سيف” الذي تعلق به كثيراً، وبدأت الجمة تتشكل حول فكرة زواجنا التقليدي الهادئ المبني على الاحترام والمودة. وافقتُ ودموع الحنين والاشتياق لتوأمي تملأ عيني، بينما كان يغمرني أمل خفي بأن يرى “زين” أخيرًا كم أحبه.

بداية الحكاية تحت سقف واحد
تزوجنا بهدوء تام، بلا مظاهر صاخبة، احتراماً لذكرى الراحلة “قمر”. ليلة الزفاف، دخلنا شقته. أشار لي بهدوء إلى إحدى الغرف قائلاً بنبرة محترمة: “دي هتكون أوضتك يا ليل، وتقدري تاخذي راحتك فيها تماماً”.

ابتسمت بداخلي، واكتفيت بهذا القدر من القرب. حين أراد أخذ “سيف” لينام في غرفته، قلت له بصوت هادئ: “سيف هيفضل معايا في أوضتي النهاردة”. هز رأسه بالموافقة في سكينة وذهب إلى غرفته.

في الأيام الأولى، كان الصمت هو رفيقنا الثالث. كان زين يخرج مبكراً لعمله ويعود متأخراً، وكنت أنا أتولى رعاية “سيف” مستخدمة تخصصي في التخاطب لمساعدته على تخطي صدمة غياب والدته، فضلاً عن الاهتمام بتفاصيل البيت. كنت أحرص على إعداد طعامه المفضل، وأترك له كوباً من النسكافيه حين يعود، فقط لأشعره بالدفء الأسري.

تقارب تدرّجي وذكريات الطفولة
بعد أسابيع قليلة، بدأ الجليد بيننا يذوب. في إحدى الأمسيات، طرق باب غرفتي بلطف وسألني بنبرة يملؤها الأسف:

“ممكن أتكلم معاكي شوية يا ليل؟ أنا حاسس إني كنت مقصر معاكي في الفترة اللي فاتت، وبشكرك على كل اللي بتعمليه عشان سيف والبيت.”

“حصل خير يا زين، ولا تشيل هم” أجبت بابتسامة خفيفة.

فقال بمشاكسة لطيفة: “طالما قولتي حصل خير، يبقى لسه زعلانية وعايزة تتصالحي زي واحنا صغار!”

ضحكت من قلبي: “يااه، لسه فاكر؟”

أجاب بابتسامة دافئة: “وطبعاً، دي أيام ما تنسيش… شرايك نرجع أصحاب زي زمان وأحسن؟”

منذ تلك الليلة، انقلبت حياتنا للأجمل. أصبحنا نتناول الغداء معاً، ونسهر في البلكونة نشرب النسكافيه ونستمع لأغاني عبد الحليم وفيروز في جو رومانسي هادئ. وفي يوم مبهج، قرر أن يخرجنا أنا وسيف إلى الملاهي. وبينما كنا نمرح، تصرف باهتمام شديد وحماية بالغة حين تطفل أحدهم بكلمات غير لائق، فوقف أمامي بحزم شديد وطلب مني العودة للبيت.

رأيت الغيرة في عينيه بوضوح، فامتلأ قلبي بالأمل، وحدثت نفسي بأن الوقت قد حان لأبوح له بما في قلبي منذ الصغر.

الحقيقة الكبرى والاعتراف الأخير
في إحدى الأمسيات، وبينما كنت متوجهة إلى غرفته لأخبره بما يكنه قلبي، وجدته جالساً بهدوء ينظر إلى صورة قديمة يمسك بها، ويقول بصوت خجول ومتحسر: “سامحيني يا قمر، أنا حاولت أن أفي بوعدي، لكن قلبي الآن ينبض باتجاه ليل…”

تسمرت في مكاني. شعرت بوهلة من الارتباك، وظننت خطأً أنه لا يزال متعلقاً بالماضي ويريد الانفصال، فتملكني الخوف والتسرع. في الصباح، أخذت أمتعتي وسيف وذهبت إلى بيت عائلتي، مصرة على طلب الطفولة والابتعاد.

حاول زين مراراً وتكراراً التواصل معي ومع أهلي، ورفض تماماً فكرة الطلاق، إلى أن جاء بنفسه إلى بيتنا ودخل وتحدث معي وجهاً لوجه ليفك هذا الاشتباك العاطفي.

“ممكن اعرف إيه اللي خلاكي تسيبى البيت بالشكل ده وتطلبي الطلاق يا ليل؟” سألني بنبرة حنونة تملؤها اللهفة.

نظرت إليه بعتاب رقيق: “لأني سمعتك تكلم صورة قمر، وكنت مفكرة إنك لست مشدوداً للماضي ومش عاوزني…”

ابتسم زين بحنان بالغ، واقترب مني ليجلس بالقرب مني بهدوء:

“يا مجنونة، افهمي القصة صح. أنا بحبك من قبل ما تتخرجي أصلاً، كنت بستناكي تكبري قدام عيني عشان تكوني ليا لوحدي. لكن لما مرضت قمر، طلبت مني في أيامها الأخيرة أن أكون سنداً لها وأظهر لها كل الاهتمام والدعم، فوعدتها بذلك احتراماً لروحها ولصلة القرابة. يوم ما سمعتيني بكلم صورتها، كنت بقول لها إني عاجز عن إكمال التمثيل وإني مشتاق أقول لليل الحقيقة وإني بحبها هي وحدها منذ الطفولة!”

اتسعت عيناي دهشة، وانهمرت دموع الفرح من جديد لتزيل كل شك وكل سوء فهم بيننا.

مد يده بحنان، ومسح دموعي قائلاً بابتسامة ساحرة:

“خلصتي هبل؟ يلا بينا على بيتنا، عشان أعوضك عن كل دقيقة زعل عشتيها، وهناك هتسمعي كلامي كله بمزاجك!”

ابتسمت بسعادة طاغية، وأدركت أن القصة لم تنتهِ، بل بدأت للتو حين التقت قلوبنا على أطراف الحب الصادق والنقي.

أميرة جمال
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى