قصص وروايات

بقلم محمد عبده

الجزء الثاني
في صباح اليوم التالي، صحيت قبل حسام بساعتين.

فضلت قاعدة في السرير، عيني مفتوحة، وببص لكل حاجة حواليا كأني بشوف الدنيا لأول مرة.

سبع سنين من الظلام… وفجأة كل التفاصيل رجعت.

الستارة.

المراية.

صور العيلة.

حتى الخاتم اللي في إيدي.

قربته من عيني، وبدأت أفتكر.

الخاتم ده ماكانش هدية من حسام زي ما كان بيقول.

أنا اللي اشتريته لنفسي قبل جوازنا.

وكان جواه نقش صغير:

«سلمى الشاذلي… لا تثقي إلا في نفسك.»

الغريب إني عمري ما افتكرت الجملة دي قبل كده.

لحد النهارده.

سمعت صوت خطوات برا الأوضة.

قفلت عيني بسرعة وتظاهرت إني لسه نايمة.

الباب اتفتح بهدوء.

حسام دخل.

وقف جنب السرير شوية.

وبعدين سمعته بيتكلم في الموبايل بصوت واطي:

— هي بدأت تفتكر.

سكت.

— أيوه… شافت آدم كويس.

قلبي بدأ يدق بسرعة.

مين اللي كان بيكلمه؟

وليه خايف إني أشوف ابني؟

وبعدين قال جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:

— لازم نتصرف قبل ما تحليل الـDNA يحصل.

اتحركت في السرير حركة بسيطة.

حسام قفل المكالمة فورًا.

وبعد ثواني خرج من الأوضة.

فتحت عيني.

دلوقتي بقيت متأكدة.

هو عارف.

وهو خايف.

لكن السؤال كان: خايف من إيه؟

بعد حوالي ساعة، دخل حسام ومعاه ملف بني.

قعد جنبي وقال بنبرة هادية مصطنعة:

— سلمى، الدكتور قال إن فقدانك للذاكرة ممكن يرجعلك ذكريات بشكل متقطع. وده ممكن يخليكي تشكي في حاجات ملهاش أساس.

بصيتله وقلت:

— زي إيه؟

ابتسم.

— زي موضوع آدم.

سكت.

طلع ورقتين من الملف.

— دي أوراق تخص مستقبل آدم. المدرسة، التأمين، وبعض الإجراءات القانونية. محتاج توقيعك هنا.

مد الورق ناحيتي.

بصيت على أول صفحة.

لكن بدل ما أمضي، سألت:

— ليه مستعجل؟

اتوتر.

— مش مستعجل. بس دي إجراءات طبيعية.

ابتسمت وقلت:

— حاضر.

مديت إيدي ناحية القلم.

وشفت عينيه بتلمع بالارتياح.

لكن بدل ما أمضي، حطيت القلم على الترابيزة.

— هقراهم الأول.

وشه اتغير.

— إنتِ مش محتاجة تقري كل ده.

— بالعكس.

بصيتله في عينه.

— أنا محتاجة أقرا كل حاجة.

سحب الورق بسرعة.

— لما تبقي أحسن نبقى نخلص الموضوع.

وقام وخرج.

وأنا ابتسمت.

لأن في اللحظة دي عرفت إن الورق ده أكيد وراه حاجة.

مسكت موبايلي واتصلت بأبويا.

— بابا، متبعتليش أي حاجة على البيت.

— ليه؟

— لأن البيت ده مش آمن.

سكت لحظة.

— إنتِ شاكّة في جوزك؟

بصيت ناحية الباب.

— أنا مش شاكّة يا بابا.

— أمال؟

— أنا متأكدة إن في حاجة مستخبية.

بعد أقل من ساعة، وصلتني رسالة من رقم غريب.

فتحتها.

كانت صورة.

صورة قديمة ليا وأنا حامل.

وقفت أنفاسي.

أنا واقفة قدام مستشفى.

لابسة نفس الفستان اللي كنت فاكرة إني لبسته يوم الحادثة.

لكن الصورة كان فيها شخص واقف جنبي.

رجل ماكنتش أعرفه.

وتحت الصورة رسالة قصيرة:

«لو عايزة تعرفي مين والد آدم الحقيقي… اسألي عن اللي حصل ليلة ولادته.»

فضلت أبص للصورة.

وبعدين كبرت الجزء اللي فيه الرجل.

وفجأة…

عرفته.

مش من الصورة.

من ذاكرتي.

كنت شوفته قبل كده.

في المستشفى.

في اليوم اللي اتولدت فيه طفلة…

مش طفل.

اتجمدت.

طفلة؟

يعني آدم…

مش بس ممكن مايبقاش ابني.

ممكن الطفل اللي اتولد لي أصلًا يكون بنت.

قفلت الصورة بسرعة لما سمعت مقبض الباب بيتحرك.

حسام دخل.

ابتسم.

— بتكلمي مين؟

حطيت الموبايل على السرير.

— بابا.

قرب مني.

— قالك إيه؟

ابتسمت بهدوء.

— ولا حاجة مهمة.

فضل يبصلي ثواني.

وبعدين قال:

— سلمى… أنا عايزك تثقي فيا.

بصيتله.

— أنا وثقت فيك سبع سنين.

اتوتر.

— وده معناه إيه؟

قربت منه وقلت:

— معناه إن السبع سنين دول كفاية جدًا علشان أعرف إذا كنت صادق ولا لأ.

خرج من الأوضة من غير ما يرد.

وأول ما الباب اتقفل، جالي اتصال من أبويا.

رديت.

قال بصوت متوتر:

— سلمى، لقيت ملف المستشفى.

قلبي دق بعنف.

— فيه إيه؟

سكت ثواني.

ثم قال:

— إنتِ ماولدتيش ولد يا بنتي.

غمضت عيني.

— أمال؟

قال:

— إنتِ ولدتي بنت.

فتحت عيني وأنا مش قادرة أتكلم.

وبعدين سألته:

— فين بنتي؟

لكن أبويا ماجاوبش فورًا.

ولما اتكلم، صوته كان مكسور:

— هنا المشكلة يا سلمى…

— إيه المشكلة؟

قال:

— شهادة الميلاد الأصلية اتغيرت بعد الولادة بيومين.

— مين غيرها؟

سكت.

ثم قال جملة هزتني:

— اسم الشخص اللي قدم طلب التعديل كان… حسام المنشاوي.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أنطق.

حسام… هو اللي غيّر شهادة ميلاد بنتي؟

يبقى آدم مش ابني.

لكن لو بنتي كانت موجودة فعلًا يوم الولادة… راحت فين؟

قلت لأبويا:

— بابا، عايزاك تبعتلي صورة من شهادة الميلاد الأصلية حالًا.

— هبعتها لك، بس لازم تكوني حذرة.

— أنا خلاص مش هخاف.

بعد ثواني وصلتني الصورة.

كبرتها بإيدي.

كان اسمي موجود.

سلمى حسن الشاذلي.

وتحت اسمي مكتوب:

أنثى.

وبجانب خانة الأب كان اسم حسام المنشاوي.

أما اسم الطفل فكان:

ليان حسام المنشاوي.

حسيت إن الأرض بتلف بيا.

ليان.

أنا فاكرة الاسم ده.

قبل الحادثة بأيام كنت أنا وحسام بنتكلم عن اسم بنتنا.

وكان هو اللي اقترح «ليان».

لكن بعدها، كل حاجة اختفت من ذاكرتي.

ضغطت على الصورة أكتر.

ولاحظت ملاحظة صغيرة أسفل الورقة:

تم تعديل البيانات بناءً على طلب رسمي.

وتاريخ التعديل كان بعد ولادتي بيومين.

في اللحظة دي سمعت صوت مفتاح الباب.

قفلت الموبايل بسرعة وحطيته تحت المخدة.

دخل حسام.

كان في إيده كوباية عصير.

— إنتِ كويسة؟

ابتسمت.

— كويسة.

حط العصير قدامي.

— لازم تهدي شوية. الدكتور قال إن أي ضغط ممكن يأثر على ذاكرتك.

بصيت للكوباية.

وبعدين بصيتله.

— حسام…

— نعم؟

— لو أنا كنت خلفت بنت، كنت هتسميها إيه؟

وشه اتغير للحظة.

لحظة واحدة بس.

لكن أنا شفتها.

قال:

— بنت؟

ضحكت بخفة.

— مجرد سؤال.

— أكيد كنت هسميها على اسم أمي.

كذب.

أنا متأكدة.

لأن الاسم اللي اختاره من سبع سنين كان «ليان».

سكت شوية، وبعدين سألني:

— ليه بتسألي؟

— افتكرت حاجة بسيطة.

قرب مني بسرعة.

— إيه؟

بصيت في عينه وقلت:

— إني كنت حامل.

اتراجع خطوة.

وشه فقد لونه.

— إنتِ… افتكرتي ده؟

— آه.

سكت.

وبعدين ابتسم ابتسامة مصطنعة.

— دي مجرد أوهام بسبب الخبطة.

قلت:

— ممكن.

لكنه خرج من الأوضة بسرعة.

وأول ما الباب اتقفل، اتصلت بأبويا.

— بابا، لازم أعرف كل حاجة عن يوم ولادتي.

— عندي حد قديم كان شغال في المستشفى.

— كلمه.

بعد ساعة تقريبًا، وصلني تسجيل صوتي من رقم أبويا.

سمعت صوت راجل كبير:

— أنا فاكر اليوم ده كويس. والدتك كانت في المستشفى، وإنتِ دخلتي الولادة حوالي الساعة تلاتة العصر.

صمت لحظة.

— وبعدها حصلت مشكلة.

قلت في الرسالة:

— مشكلة إيه؟

جاء الرد:

— بعد الولادة، حسام أخد الطفلة وقال إنه هيرجعها للحضانة.

قلبي توقف.

— وبعدين؟

— بعدها بحوالي ساعتين، حصلت خناقة كبيرة بينه وبين واحدة من الممرضات.

— ليه؟

صوته اتردد.

— لأنها قالت له إن الطفلة مش بنته.

مسكت الموبايل بقوة.

— إزاي يعني؟

— قالت له إن فصيلة الدم المسجلة للطفلة مش متوافقة مع فصيلته.

سكت.

وبعدين قال:

— وفي نفس الليلة، الممرضة دي اختفت من المستشفى.

حسيت بقشعريرة.

لكن كان فيه سؤال أهم:

— والطفلة؟

الرجل سكت طويلًا.

ثم قال:

— دي المشكلة… لأنها اختفت هي كمان.

قفلت التسجيل.

فضلت قاعدة مشلولة من الصدمة.

بنتي اختفت من المستشفى.

ممرضة اختفت.

وشهادة ميلاد اتغيرت.

وآدم ظهر في حياتي بعد كده باعتباره ابني.

كل حاجة بدأت تركب فوق بعض.

لكن لسه كان فيه جزء ناقص.

مين والدة آدم الحقيقية؟

وليه حسام جاب طفل تاني وحطني قدامه وقال لي إنه ابني؟

في نفس اللحظة، جالي اتصال من رقم غريب.

رديت.

ماحدش اتكلم.

قلت:

— ألو؟

سمعت نفسًا متقطعًا.

ثم صوت امرأة هامس:

— سلمى؟

اتجمدت.

— مين؟

قالت:

— أنا الممرضة اللي كانت موجودة يوم ولادتك.

وقفت من مكاني.

— إنتِ عايشة؟

— أيوه.

— بنتي فين؟

سكتت.

وبعدين قالت:

— قبل ما أقولك، لازم تعرفي إن حسام مش هو الشخص الوحيد اللي كذب عليكي.

— مين كمان؟

قالت:

— نورا.

سمعت اسمها، وقلبي انقبض.

ثم تابعت الممرضة:

— الطفل اللي عايش في بيتك مش مجرد طفل اتجاب بدل بنتك.

— أمال إيه؟

صوتها ارتجف.

— آدم هو ابن نورا.

اتسعت عيناي.

لكن قبل ما أقدر أسألها أي سؤال، قالت:

— ولو عايزة تعرفي بنتك فين…

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى