عام

الجميله والوحش

الفصل الأول: الهروب من القصر الغامض

كان الباب يُفتح على غرفة كبيرة مزدحمة بالفتيات، وكانت أصغرهن تبدو في عمر صغير، بينما لم يتجاوز عمر أكبرهن الثامنة عشرة.

وقف رجل أمامهن يتفحص وجوههن، وكأنه يبحث عن فتاة بعينها. ظل ينظر بينهن حتى لاحظ واحدة تحاول الاختباء خلف بقية الفتيات.

نظر إليها بنظرة حادة وقال:

_ هاتوا اللي هناك دي!

ارتجفت الفتاة وقالت بصوت متقطع:

_ أنا.. لا، لا، أرجوكم سيبوني.. أنا معملتش حاجة!

تقدم أحد الحراس نحوها، وأخرجها من بين الفتيات، ثم حملها على كتفه واتجه بها إلى خارج الغرفة.

ظلت الفتاة تحاول الإفلات منه وتقول:

_ حرام عليكم، نزلني.. عايزين مني إيه؟ روحوني من هنا، أنا عايزة أرجع لأهلي!

أدخلها الحارس إلى غرفة أخرى، حيث كان رعد ينتظرها.

نظر إليها وقال بلهجة آمرة:

_ افتحي رجلك!

ارتبكت الفتاة ولم تفهم ما يقصده، ثم قالت بخوف:

_ إيه؟ أنت بتقول إيه؟

رد رعد بعصبية:

_ بسرعة، ما عنديش وقت!

قالت الفتاة وهي تتراجع إلى الخلف:

_ أنت مجنون!

أمسكها من شعرها ودفعها بقوة ناحية الحائط، فسقطت على الأرض وهي تشعر بألم شديد.

وفي تلك اللحظة، سمع صوت طرقات قوية على الباب، وصوت أحد الرجال يقول:

_ خلصت يا رعد ولا لسه؟

رد رعد:

_ لسه شوية.

ضحك الرجل من الخارج وقال:

_ كل ده؟ أومال لو كانت أكبر شوية كنت عملت إيه؟

تعالت ضحكات الموجودين، بينما قال شخص آخر:

_ تحب أجي أساعدك؟

رد رعد بسخرية:

_ لا يا خفيف، مش أول مرة يعني!

وبينما كان منشغلًا بالحديث مع من بالخارج، لاحظت الفتاة شيئًا معدنيًا بجوارها، فالتقطته بسرعة وضربته على رأسه، ليسقط أرضًا فاقدًا القدرة على الحركة.

وقفت الفتاة للحظات وهي ترتجف، ثم نظرت حولها بحثًا عن مخرج. لمحت نافذة صغيرة، فتوجهت إليها وخرجت منها بحذر، ثم بدأت النزول عبر المواسير.

كانت حافية القدمين، وخائفة من أن يلاحظها أحد الحراس.

وبعد أن وصلت إلى الأرض، أخذت تتحرك بحذر حتى اقتربت من سور القصر. وجدت سلمًا خشبيًا، فاستعملته للصعود، لكنها فوجئت بأن المسافة إلى الأرض من الجهة الأخرى كانت مرتفعة للغاية.

لاحظ أحد الحراس وجودها وصاح:

_ استني عندك!

ارتبكت الفتاة، ولم تعرف ماذا تفعل. وفي لحظة فقدت توازنها وسقطت من أعلى السور، فأصيبت ساقها وأصبحت تجد صعوبة في الحركة.

كانت الفتيات الموجودات في الغرفة يراقبنها من النافذة الحديدية، وصاحت إحداهن:

_ الحقوا يا بنات، غدير هربت!

تجمعت الفتيات حول النافذة، وبدأن يتابعن غدير وهي تحاول الابتعاد عن المكان.

نهضت غدير بصعوبة، وأخذت تتحرك رغم الألم، حتى وجدت نفسها وسط منطقة شديدة البرودة، والثلوج تغطي المكان من حولها.

وفجأة، شاهدت سيارات سوداء تقترب من بعيد، فاختبأت داخل ممر ضيق، وظلت تتحرك حتى ابتعدت عن أنظار الحراس.

كانت قد استنفدت طاقتها تقريبًا، لكنها لم تتوقف عن البحث عن مكان يحميها.

وبينما كانت تلتقط أنفاسها، فوجئت بظهور ذئب أبيض أمامها، فبدأت تتراجع بقلق.

نظرت خلفها، فوجدت سياجًا معدنيًا يفصل بينها وبين قصر غريب مطلي باللون الأسود. كان المبنى يبدو مهجورًا، وتغطي النوافذ خيوط العناكب، بينما بدا المكان مخيفًا من الخارج.

أصبحت أمام اختيار صعب؛ إما العودة إلى الطريق الذي جاءت منه، أو عبور السياج والوصول إلى القصر.

قررت دخول المكان، رغم صعوبة العبور، وتمكنت في النهاية من الوصول إلى الجهة الأخرى، ثم تحركت نحو باب خلفي وفتحته بصعوبة.

دخلت غدير إلى القصر، وبدأت تتحرك ببطء شديد.

كان المكان واسعًا، مصنوعًا معظمه من الخشب، وكلما خطت خطوة صدر صوت من الأرضية. توقفت أكثر من مرة حتى لا تلفت الانتباه.

كان الأثاث مغطى بطبقات من الغبار، والعناكب منتشرة في زوايا الغرف.

وفجأة، لاحظت رجلًا يجلس على كرسي هزاز، يتحرك بهدوء إلى الأمام والخلف.

اقتربت منه بحذر، ولاحظت أنه لا يستطيع الرؤية.

بدأت تتحرك مبتعدة عنه، لكنها فوجئت به يمسك ذراعها بسرعة ويقربها منه، ثم وضع يده أمام فمها.

اقترب من أذنها وهمس:

_ أنتِ مين؟

حاولت غدير الإجابة، لكنها لم تستطع من شدة الارتباك.

وفي تلك اللحظة، ظهرت طفلة صغيرة تحمل لعبة بين يديها، وكانت تبكي.

قالت الطفلة:

_ سيبها، حرام عليك!

توقف الرجل للحظة، بينما كانت غدير تحاول استيعاب ما يحدث حولها.

في الخارج، كان الحراس يقفون بعيدًا عن القصر، ولا يجرؤ أحد منهم على الاقتراب.

قال أحدهم:

_ أنت يا غبي، ما دخلتش وراها ليه؟

رد الآخر:

_ أنت مش فاهم! دي دخلت بيت داغر.. المكان ده محدش بيقرب منه!

كرر الحارس الأول الاسم بدهشة:

_ داغر؟!

الفصل الثاني: سر الطفلة الصغيرة

كان داغر لا يزال ممسكًا بغدير، ثم اقترب من أذنها وهمس مرة أخرى:

_ مش هكرر كلامي تاني.. أنتِ مين؟

كانت غدير تحاول إبعاده عنها، بينما بدأت تشعر بالإرهاق الشديد.

وفجأة، تدخلت الطفلة الصغيرة وقالت وهي تبكي:

_ سيبها يا وحش!

ما إن سمع داغر صوت الطفلة حتى ترك غدير وابتعد عنها.

سقطت غدير على الأرض، وأخذت تحاول استعادة أنفاسها، بينما كانت تنظر إلى الطفلة بدهشة.

أما داغر، فقد اتجه نحو الصغيرة وجلس أمامها، وأخذ يتأمل وجهها وكأنه لا يصدق ما يسمعه.

قال بدهشة واضحة:

_ الطفلة اتكلمت! أنتِ بتنطقي يا طفلة؟

ثم تابع بتوتر:

_ قولي.. قولي أي حاجة تاني!

لكن الطفلة لم تجب.

بدأ داغر يتحدث معها بإلحاح، محاولًا سماع صوتها مرة أخرى، بينما كانت غدير تراقب المشهد من مكانها.

وفجأة، ركضت الطفلة نحو غدير واختبأت خلفها.

التفت داغر ناحية الفتاة الغريبة، واقترب منها ببطء.

كانت غدير تجلس على الأرض، لا تعرف ماذا ينتظرها داخل هذا القصر الغريب.

اقترب داغر منها، ولاحظ آثار التعب والإصابة على ملابسها وكتفها، ثم قال بعصبية:

_ اخرسي!

كانت الطفلة تراقب الموقف بقلق، وتحاول تهدئة غدير حتى لا تزداد الأمور تعقيدًا.

وبينما كانت غدير تنظر حولها، اكتشفت أن القصر لا يشبه أي مكان رأته من قبل.

الستائر قديمة وسوداء، والنوافذ الخشبية لا تسمح بدخول ضوء كافٍ، كما أن المكان يخلو تقريبًا من المرايا والزجاج.

كانت الحشرات والعناكب منتشرة في أركانه، حتى بدا وكأنها جزء من المكان.

لاحظت غدير وجود السكر في بعض الزوايا، وكأن أحدًا يضعه عمدًا لجذب الحشرات.

نهض داغر وأعطاها ظهره، فحاولت غدير التقاط أنفاسها بهدوء.

لكنه لاحظ ذلك، والتفت إليها فجأة، ثم اقترب منها بسرعة.

أشار إلى كتفها وقال:

_ أنتِ مصابة!

حاولت غدير الابتعاد، لكنه كان يريد معرفة ما حدث لها.

وبعد أن لاحظ إصابتها، بدأ يتفحص ما علق بملابسها، ثم قال وهو ينظر إلى قطعة معدنية صغيرة:

_ دي رصاصة من نوع LR 22.

أمسك القطعة المعدنية وتأملها، ثم نظر إلى غدير مرة أخرى.

قال داغر ببرود:

_ أنتِ هتفضلي هنا. الطفلة اتكلمت ودافعت عنك، مع إنها ما اتكلمتش من سنين. لو وجودك هيخليها تتكلم تاني، يبقى أنتِ هتفضلي معايا لحد ما أفهم الحكاية.

ثم استدار وصعد إلى الطابق الثاني.

ظلت غدير تنظر خلفه وهي ترتجف، ثم همست لنفسها:

_ ده مش طبيعي.. أنا دخلت مكان أغرب من اللي هربت منه!

اقتربت الطفلة منها، وأشارت إليها ألا تتحدث بصوت مرتفع، ثم حاولت مساعدتها على الوقوف.

أخذت الطفلة بيد غدير وأشارت نحو الحمام حتى تتمكن من تنظيف آثار الإصابة.

تحركت غدير بصعوبة خلفها، حتى وصلتا إلى الحمام.

كان المكان قديمًا وغير مرتب، لكنه كان يحتوي على مصدر للضوء.

أشارت الطفلة إلى المفتاح، فشغلت غدير الإضاءة وفتحت صنبور المياه، ثم بدأت تنظف وجهها وكتفها بحذر.

ذهبت الطفلة لإحضار منشفة، وعادت بها سريعًا.

أخذت غدير المنشفة ومسحت وجهها، ثم فتحت عينيها ونظرت إلى ملامح الطفلة للمرة الأولى بوضوح.

تراجعت إلى الخلف من شدة المفاجأة، وخرجت منها صرخة عالية.

وفي لحظة، ظهر داغر أمامها، وعلى وجهه ابتسامة غامضة.

قال لها:

_ إيه؟ الطفلة معجبتكيش؟

نظرت غدير إليه، ثم إلى الطفلة، وقالت بدهشة:

_ الجميلة والوحش!

نهاية الفصل الثاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى