عام

رد المظالم اسما السيد

في فرح اختي الصغيره اللي في اعتقادهم كلهم انها اجمل مني امي ضر.بتني بالقلم قدام المعازيم والسبب كان اني دافعت عن اختي التي  رفضت التنازل عن منزلها اللي ورثته من بابا ليها في اعتقادها أن البنت اللي بتتجوز متورثش بالعكس تتنازل عن املاكها للعيله..

تعالوا احكيلكم الحكايه…

كان حفل زفاف أختي الكبرى ليلى يُقام في قاعة أفراح أنيقة في مدينتنا…كل شيء كان مُعدًّا ليبدو مثاليًا: زهور بيضاء، موسيقى هادئة، كؤوس مصطفّة بدقة…

أما أنا، شمس القبيحه كما يقولون، فكنت أراقب المشهد من طاولة جانبية، بشعور مزعج لم أستطع تجاهله.

أنا أعرف أمي جيدا …دعندما تبتسم أكثر من اللازم… فهناك شيء على وشك أن ينك.سر..

لسنوات طويلة، كانت أمي تتحكم بكل شيء في العائلة:

المال، العقارات، وحتى المشاعر.

ليلى عاشت دائمًا في ظلها.

كان هذا اليوم من المفترض أن يكون يومها، لكن أمي لا تحتمل ألا تكون محور الاهتمام.دد

أثناء كلمة التهنئة، وقفت أمي بابتسامة هادئة وصوت محسوب بدقه…وصدمه ليست لي وحدي… من العدل كهدية زفاف أن تُعيد ليلى بيتها إلى العائلة…فالمرأة المتزوجة لا تحتاج إلى أملاك خاصة…لتُسلّم المفاتيح الآن.

كان الصمت مربكا……خمسون شخصًا توقفوا عن التنفس في اللحظة نفسها.. ليلى تجمّدت في مكانها، شاحبة الوجه.

نظرتُ إليها أنتظر أن تتكلم، لكن يديها كانتا ترتجفان.

وأخيرًا، وبصوت منخفض لكنه ثابت، قالت: لا يا أمي. هذا البيت ملكي. ولن أُسلّمه.

اختفت ابتسامة امي فورًا….

ومن دون أي إنذار، رفعت يدها وصفعتها بقوة، حتى إن أحد أقراط ليلى طار وسقط على أرضية الرخام…شهقات مكتومة.

ضحكة عصبية من أحدهم…ولا أحد… تدخّل.

ليلى لم تبكِ…بقيت واقفة، عيناها تلمعان، مهانة أمام الجميع.

قفزتُ من مكاني، لكنها نظرت إليّ وهزّت رأسها، تطلب مني الصمت.

تحدثت أمي وكأن شيئًا لم يحدث …هكذا يتعلّم الإنسان الاحترام.

لم أنطق بكلمة…خرجتُ من القاعة، اتصلتُ برقم واحد، وقلت كلمتين فقط:  الآن.

بعد ساعة، فُتحت أبواب القاعة.

دخل رجل طويل، أشيب الشعر، يرتدي بدلة داكنة، بخطوات واثقة.

رأته أمي، فتجمّدت في مكانها وصرخت: ما الذي يفعله هو هنا؟!

وفي تلك اللحظة…

تغيّر الزفاف إلى الأبد….

تجمّد كل شيء لحظة دخول الرجل.

الموسيقى انقطعت فجأة، وكأن أحدهم انتزع السلك من قلب القاعة. العيون التفتت نحوه، همسات متقطعة، وأسئلة بلا إجابات…أما أمي…..فالمرأة التي لم أرها يومًا ضعيفة، ولا خائفة، ولا مترددة…كانت واقفة كتمثال شمعي ذاب نصفه.

عرفته فورًا….حتى قبل أن يقترب…حتى قبل أن يتكلم.

إنه عني يوسف…الرجل الذي مُنع اسمه من التداول في بيتنا منذ خمسة عشر عامًا….الرجل الذي كانت أمي تقول عنه دائمًا:.م.يت… ولو كان عايش يبقى أسوأ من الم.يت.

اقترب بخطوات بطيئة، ووقف في منتصف القاعة، كأنها خُلقت لتتّسع له وحده.

نظر حوله، ثم قال بصوت هادئ، لكن حاد كالسِّكين:  مساء الخير… يبدو أني وصلت في الوقت المناسب.

أمي صرخت، دون وعي: اطّلع برّه! إنت مالكش وجود هنا!

ابتسم خالي يوسف ابتسامة خفيفة، موجعة=غريب… نفس الجملة اللي قلتيها لي يوم  ما طردتِني من البيت، بعد وفاة أخويا بأسبوع…التفتت العيون إلى أمي…لم يعد أحد ينظر إلى العروس.

ولا إلى الزينة…ولا إلى الكعكة العملاقة التي بدأت تذوب من الإهمال…كل الأنظار كانت معلّقة بها.

ليلى أخيرًا تحركت…رفعت رأسها، لمست خدها ببطء، ثم سألت بصوت مكسور: هو… هو مين ده يا ماما؟

صمت.

صمت طويل، ثقيل.

ثم قال يوسف:  أنا عمّكِ يا ليلى…أخو أبوكِ.

شهقة جماعية…إحدى السيدات وضعت يدها على فمها.

رجل مسن تمتم: معقول؟

أمي تقدمت خطوة، وصوتها ارتجف لأول مرة:  ما فيش حاجة اسمها عم…الراجل ده حاول يسرقنا.

طمعان في الفلوس والعقارات.

ضحك يوسف ضحكة قصيرة= ما زلتِ بارعة في الكذب…

لكن للأسف، عندي مستندات.

أخرج ملفًا بني اللون من حقيبته الجلدية، ورفعه عاليًا=وصايا. عقود. أوراق موثّقة.

تثبت إن كل بيت، وكل شقة، وكل متر أرض…

كان من حق بنات أخويا…مش من حقك.

القاعة بدأت تضجّ.

الهمس تحوّل إلى ضجيج.

أحد أقاربنا قال بصوت عالٍ: يعني إيه؟!

 يوسف التفت إليه:  يعني إن اللي حصل النهارده مش أول ظلم.

ده آخره.

نظرتُ إلى أمي…كانت تتراجع.

خطوة… ثم أخرى…كأن الأرض التي طالما وقفت فوقها بثبات، قررت أخيرًا أن تتخلّى عنها.

ليلى قالت:  بابا… كان عارف؟

هزّ  يوسف رأسه ببطء= أبوكِ ما.ت وهو فاكر إنكوا في أمان.

كان فاكر إن أمكم هتحميكم…لكنها باعت الوعد.

أمي صرخت:  كفاية!إنت جاي تفضحنا قدام الناس؟!

نظرتُ إليها أخيرًا…وتكلمت.

— لا يا ماما…إنتِ اللي فضحتي نفسك…كنتي قولتي الكلام دا قبل ما تهيني اختي قدام الناس وتك.سري فرحتها..كنتي سكتي

صوتي كان ثابتًا…أقوى مما توقعت.

— ضر.بكِ لليلى مش كان عشان الاحترام…

كان عشان لأول مرة بنت من بناتك قالت لا

صفعتني…بقوه..يد عمي منعتها من الأخري..

=اياك…اك.سرهالك لو قربتي لوحده منهم تاني..اخرسي وكفايه

ارتجفت شفتاها وهتفت= إنتي دايمًا كنتِ ناكرة للجميل يا شمس..

ابتسمت…ابتسامة صغيرة، مُتعبة= يمكن…

بس على الأقل مش ناكرة للحق.

 يوسف تقدّم خطوة أخرى= عندك خيارين.

إما نكمّل الليلة دي كفرح، ونحل الموضوع قانونيًا وبهدوء…

أو نكملها كمحضر رسمي، ونقفل القاعة ونطلع على النيابة.

ساد صمت قاتل.

العريس كان واقفًا بجانب ليلى، مذهولًا، لكنه أخيرًا وضع يده على كتفها= البيت ده حقك وانا مش عايزه..عندي اللي يكفينا وزياده بس لو متمسكه بيه مش هلومك بس مشوفش دمعه من عيونك وأنا واقف معاكي للنهايه..

دمعة نزلت من عين ليلى لأول مرة…لكنها لم تمسحها.

أمي نظرت حولها…لا أحد كان معها…لا ابتسامات.

لا تأييد…ولا خوف.

قالت بصوت خافت:  هسلّم المفاتيح…نكمل الفرح

سقطت المايك من يدها على الأرض.

رنّ الصوت…كأنه نهاية فصل طويل.

بعد ساعات، خرجنا من القاعة.

الزفاف اكتمل… لكن بشروط جديدة.

ليلى كانت واقفة شامخة، رغم الألم…وعمي  يوسف بجانبها.

وأنا… لأول مرة، لم أكن “شمس القبيحة”.

كنت فقط…اخت دافعت عن أختها…وكشفت حقيقة.

وبينما كنا نغادر، سمعتُ أمي تقول خلفي: — إنتي كسبتي…

بس خسرتِ أمك… للابد

توقفت….لم ألتفت.

قلت بهدوء: الأم اللي تخيّر ولادها بين الكرامة والطاعة…

بتخسرهم من غير ما تحس.

خرجت إلى الليل…الهواء كان باردًا…

لكن صدري كان أخف من أي وقت مضى.

لا اعلم انتهى الالم..… أم ربما بدأ كل شيء من جديد… وحدي.. لكنني سعيده… وصوت في الخلفيه بيقول..ولابد من يوم معلوم تترد فيه المظالم … ابيض على كـل مظلوم..واسود علي كـل ظالم.

تمت… سلسلة حكايات اسما السيد حصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى