قصص وروايات

زهره الربيع ١

لما رجعت من الغربه قالولي ان بنتي غابت بسبب اهمال امها وامها خافت مني وابتعدت ، فضلت ادور على مراتي في كل مكان ملقتهاش ، وبعد 3 سنين لقيتها فاقده الوعي عند الكبري ومعاها بنت معرفهاش ولا عمري شوفتها، واللي عرفته بعدها خلاني مش قادر اصلب طولي من الصدمه !!!

كانت حياتي ماشية هادية ومستقرة، متجوز واحدة بحبها جدا وهي كمان، وربنا رزقنا ببنوتة قمر كان عمرها 6 سنين، كانت هي نور عينينا وبهجة البيت كله.

لحد ما كل حاجه اتغيرت لما صاحبي جابلي فرصة شغل ممتازة في السعودية، فرصة ما تتتعوضش عشان نأمن مستقبل بنتنا ونعمل قرشين حلوين.

قعدت أفكر كتير، بس مراتي شجعتني وقالتلي: “سافر يا حبيبي، دي مصلحتنا ومصلحة بنتك، وأنا هقعد في البيت مع أهلك أهو عينهم علينا”.

سافرت وقلبي كان متعلق هناك معاهم. كنت بكلمهم كل يوم فيديو وكول، اسمع صوت ضحكة بنتي وأطمن على مراتي، وكنا في أتم هدوء وسعادة.

بس بعد ست شهور من سفري، ابتديت أحس بحاجة غريبة مكنتش فاهمها. مراتي بقت كل ما أتصل تسألني بنبرة قلق وتوتر: “قولي يا حبيبي.. إنت هتنزل إمتى؟ إنت متأكد مش هتتأخر؟”

كنت بستغرب طريقتها وأقولها بضحك: “يا بنتي مالك قلقة كده ليه؟اطمني مش هغيب”.

لحد ما عدت اول سنة بعد سفري وكالعادة جيت أتصل بمراتي لقيت تليفونها مقفول. استغربت، بس قلت يمكن نايمة أو الموبايل فاصل شحن.

تاني يوم وتالت يوم ونفس القفلة، ومحدش بيرد عليا

فتصلت على امي تطمني….لقبت صوتها مرتبك وقالتلي هيه بس تعبانه شويه

بس انا عارف دنيا مراتي مهما تكون تعبانه مش هتسيبني قلقان كده قلبي اتقبض وقلقي زاد ألف مرة، حسيت إن فيه مصيبة حاصلة والكل مخبيها عليا. خدت قراري في ثانية، نزلت إجازة فجأة بدون ما أنبه حد، قلت يمكن فيه مشكله مع بنتي ومحدش راضي يقلقني في التليفون.

وصلت البلد، دخلت البيت مفزوع، ملقيتهاش! سألت أمي وأهلي بلهفة عليها وعلى حنين بنتي.

لقيت أمي بتبكي بحرقة وبتقول لي بصوت مهزوز: “يا ابني.. شد حيلك، حنين بنتك غابت من كام شهر، ومكناش عارفين نقولك في التليفون”.

حسيت إن الدنيا لفت بيا وكل حاجه بتنهار قدامي، صرخت فيهم: “بنتي غابت إزاي؟! انتو بتقولوا ايه…ودنيا فين؟!”.

كملت أمي وهي منهارة: “مراتك سابتها لوحدها في البيت وخرجت، واحنا مكناش موجودين، البنت طلعت لوحدها على الشارع خبطتها عربية وغابت في ساعتها”.

اتصدمت صدمة عمرى، حسيت إن روحي طلعت مني ومبقتش قادر اقف على رجلي. وبعد وقت طويل لما حسيت بروحي ونطقت سألتهم: “ومراتي فين؟”

بصوا في الأرض وقالوا لي: “مراتك خافت منك ومن غضبك لأنك دايما كنت بتوصيها بالبنت، وأول ما حصلت الحادثة.. ابتعدت ومحدش يعرف لها طريق”.

ساعتها حسيت بنار في صدري. بقيت ألف الدنيا وأدور عليها في كل حتة، في مصر كلها، عند قرايبها، في كل مكان ممكن تروح فيه.. مفيش أي أثر ليها كأنها فص ملح وداب.

دورت سنة كاملة وانا منهار ومش قادر أتحمل المرار والتعب مش قادر اتصور ان خسرت بيتي وحياتي في لمح البصر.

لحد ما غصب عني وبمحاولات كتير من اهلي رجعت لشغلي في السعودية عشان مكنش قدامي حل تاني.

وقعدت هناك وأنا روحي ميتة وجوايا وجع مش بينتهي.

وبعد سنتين غربه رجعت مصر تاني وأول حاجة عملتها وأنا مش قادرة أصلب طولي، إني رحت زرت قبر بنتي اللي مقدرتش أنساها ولا هيه ولا مراتي اللي صورة وشها مش بتفارق عيني، وكنت فاكر إن خلاص، قصتي معاها انتهت وإني مستحيل أشوفها تاني.

لحد ما في يوم، كنت مستعجل جداً وعندي مشوار مهم، دخلت بنزينة عشان أفول عربيتي. وأنا جوه العربية وبقول للعمال يخلصوا بسرعة لأني متأخر على الميعاد، فجأة لقيت بنت صغيرة وهدومها متبهدله و عندها حوالي 5 سنين واقفة عند شباك العربية وبتعيط بصوت مقطع وهي بتقولي:

“ساعدني يا عمو.. ارجوك ساعدني نودي ماما بالعربية المستشفى.. أمي في خطر ارجوك!”.

قلبي وجعني من منظرها وصعبت عليا جداً، وبصت لها ونسيت أنا رايح فين، وقلت لها: “طيب يا حبيبتي اهدي.. اهدي بس.. ماما فين؟ وريني”.

شافتني نازل بسرعة من العربية فشاورت لي على مجمع ناس متجمعين هناك عند الكوبري القريب.

جريت معاها بسرعة ولقيت ست مرمية على الأرض وهدومها متبهدلة والناس واقفة حواليها بتقول “لا حول ولا قوة إلا بالله.. الست اغمى عليها”.

البنت الصغيرة جريت وقربت من الست وهي بتعيط وتنادي: “دي ماما.. والنبي يا عمو الحقني، دي ماما!”.

قربت عشان أنزل أشيل الست وأسعفها وأهدي الطفلة، وعيني جت على وش الست النايمة على الأرض.. وساعتها حسيت إن مبقاش فيا عظم أقف عليه كنت خلاص هيغمى عليّ من هول اللي شوفته..

دي كانت هي..دنيا مراتي اللي قلبت الدنيا عليها سنه كامله.. واللي عرفته بعدها خلاني فعلاً مش قادر أقف على حيلي من الصدمة !!!!

الجزء الثاني:

عيني فضلت شخوصة على وشها.. هي.. بعينها! رغم الشحوب، ورغم الهالات السوداء اللي مالية وجهها، ورغم الهدوم الرثة اللي لابساها، ملامح “دنيا” حبيبتي ومراتي اللي دورت عليها في كل زاوية في مصر مش ممكن أتوه عنها.

وقفت جامد مكاني، ورجلي مبقتش شيلاني. كنت حاسس بصوت طنين عالي في وداني، وصوت البنت الصغيرة وهي بتعيط وتنادي: “ماما.. والنبي يا عمو فوّق ماما!” بيخترق صدري زي السكاكين.

الناس حوالينا قالوا: “الست شكلها مباعتش أكل من أيام، وجايز هبوط حاد مع صدمة عصبية”.

نزلت على ركبي قدامها بسرعة، ومديت إيدي وأنا بترعش عشان أرفع راسها وأقيس نبضها، وناديت بصوت مختنق:

— دنيا.. دنيا فوقي!

فتحت عينيها ببطء شديد، وأول ما وقعت عينها عليا، كأن روحتها رجعت لها، بس مش فرحة.. ده كان قلق وخوف أعمى! كأنها شافت شبح قدامها. حركت شفايفها بصعوبة بالغة وقالت بصوت مأساوي مكسور:

— عـ… عبد الله؟! أنت جيت؟! سامحني.. والله ما كنت أعرف.. والله ما..

مرجعتش كملت الجملة، ورجعت أغمى عليها تاني في إيدي!

حسيت بنار شاعلة في صدري، شلتها بسرعة بين إيديا وحطيتها في عربيتي، والبنت الصغيرة ركبت ورانا وهي بتعيط وبتعيط بمرارة. ما استنيتش إسعاف ولا غيره، دوست بنزين على آخر مهارة وطرت على أقرب مستشفى طوارئ.

وصلت المستشفى ودخلت أشيلها وأصرخ في الدكاترة:

— الحقوها! الست في خطر!

الدكاترة خدوها على الطوارئ وأمروها بالدخول لغرفة الإنعاش، وأنا وقفت بره مع الطفلة الصغيرة اللي كانت بتترعش من الخوف. نزلت لمستواها، مسحت دموعها بحنان مهزوز، وسألتها بصوت خافت:

— يا حبيبتي.. اسمك إيه؟ وإنتي مين؟ وباباكِ فين؟

الطفلة بصت لي بعيون بريئة وقالت وهي بتشهق:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى