
— أنا.. أنا اسمي “بسملة”.. ومفيش بابا.. أنا وماما عايشين في الشارع من زمان.. ماما كانت بتشتغل في مصنع، وساعات بتنظف بيوت، بس من يوم ما تعبت مبقناش نلاقي أكل.. وماما دايماً كانت بتعيط وتقول: “أبوكِ لو عرف اللي حصل هيأذيني”.. يا عمو هي ماما هتتعب وتسيبني زي حنين أختي؟!
بمجرد ما نطقت اسم “حنين”.. حسيت إن الكون كله وقف!
عقلي اترفرف وعيني جاحظت قدام الطفلة. كأني أخدت رصاصة في نص صدري!
— حـ… حنين مين يا بنتي؟! أختك مين؟!
قالت ببراءة الأطفال اللي بتكسر الصخر:
— حنين.. أختي اللي غابت من سنتين.. لما عربية خبطتها وهي بتجري ورا ماما لما كنا في الشارع، وماما قعدت تعيط جنبها لحد ما أهل بابا خدوا العزاء.. ومن ساعتها ماما ابتعدت بيا عشان قلقة بابا يأذيني لو عرف!
قعدت على الكرسي اللي في ممر المستشفى، ورأسي كأنها بتنفجر.
أهلي قالوا لي زمان إن حنين غابت لأن دنيا سابتها لوحدها وخرجت.. بس الحقيقة اللي بتنطق بيها الطفلة دي، واللي دنيا كانت مأكوسة فيها، بتكشف كارثة أبشع بكتير من اللي تخيلتها!
طلعت الدكتورة من أوضة الطوارئ بعد ساعة، وقالت لي بجدية:
— المدام فاقت.. بس للأسف حالتها الصحية والنفسية منهارة تماماً، عندها أنيميا حادة وسوء تغذية، والأهم إن فيه صدمة عصبية مسيطرة عليها.. هي محتاجة ترتاح وتتكلم في اللي جواها عشان تقدر تقف على رجلها.
قمت من مكاني، ورجلي كأن فيها مسامير، فتحت باب الغرفة بهدوء، ودخلت لقيتها قاعدة على السرير، باصة للحيطة ودموعها نازلة بصمت.
أول ما سمعت صوت الباب بيفتح، لفت وشها لي.. وعيوننا اتقابلت، والنار اللي جوايا كانت كفيلة تحرق الدنيا كلها. قفلت الباب ورايا بهدوء مرعب، وقربت منها وأنا بقول بصوت جاف ملوش صوت:
— انطقي يا دنيا.. فهّميني إيه اللي حصل بجد.. وإيه حكاية البنت دي، وإيه حكاية بنتي اللي قالوا لي إنها غابت بسبب إهمالك؟!
دنيا غطت وشها بإيديها وبدأت تصرخ بانهيار هستيري:
— عاقبني.. لومني.. أنا أستاهل العقاب! بس والله العظيم ما كان مقصدي
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
الجزء الثاني قعدت على الكرسي اللي جنب السرير، وكنت حاسم أمر إن مهما سمعت، مش هبكي تاني؛ دمعتي نشفت من كتر القهر. بصيت لها وقلت بصوت حاد:— اتكلمي يا دنيا.. سامعك. أنطقِ، إيه اللي حصل يوم ما بنتي غابت؟
وأهلي قالوا لي إنك ابتعدتِ عشان قلقة مني، وطلعت الطفلة دي بنتك التانية اللي مخبياها؟! إيه اللي دار في غيابي؟دنيا أخدت نفس عميق وهي بتترعش، وبدأت تحكي وهي بتعيط بدموع غالية ومريرة:— أول ما سافرت يا عبد الله، حماتي وأهلك مكنوش بيعاملوني كويس.
. كانوا دايماً بيحسسوني إني خدامة في البيت مش مرات ابنهم الغائب. وكنت بستحمل عشان خاطرك وخاطر بنتنا “حنين”.. بس في يوم، أهلي في البلد تعبوا، وطلبت من أمك إني أغيب يومين أروح أطمن عليهم، أمك رفضت بطريقة ناشفة وقالت لي: “جوزك مسافر عشان يصرف عليكي، مش عشان تتمشعي عند أهلك!
“.سكتت لحظة، وكملت بصوت متهدج:— في اليوم ده.. حصلت مشادة كلامية جامدة بيني وبين أمك، وخرجت من البيت وأنا أعصابي منهارة، وخدت معايا حنين لأن مكنش ينفع أسيبها لوحدها وسطهم وهي بتعيط.. مشينا في الشارع، وكنت تايهة في أفكاري وهمومي، وفجأة..
حنين سابت إيدي وجريت تعبر الشارع عشان تجري وراء قطة كانت قدامها.. وعربية مسرعة ظهرت من الهوا وخبطتها قدام عيني!حسيت بقلبي بينزف وأنا سامع تفاصيل غياب بنتي الوحيدة. صرخت فيها:— وسايباها ليه تعدي الشارع لوحدها؟
! إزاي عملتِ كده؟!انهارت أكتر وقالت:— والله العظيم جريت وراها بس ما لحقتهاش! غابت في حضني يا عبد الله.. غابت في ساعتها! ومن كتر الصدمة والقلق، حسيت إن الدنيا اتدمرت فوق دماغي.. ولما رجعت للبيت بالطفلة اللي غابت، أمك وأهلك بدل ما يطبطبوا عليا، هجموا عليا بكلام زي السم، وقالوا لي: “لما عبد الله يعرف إن بنته غابت بسبب إهمالك، هيأذيك.
. وهيفضحك في البلد كلها، وهو دلوقتي في السعودية بيشتغل عشان بنته!”.أكملت ببكاء مرعب:— حماتي هي اللي قالت لي بالحرف: “ابتعدي يا دنيا.. انحي بنفسك، ومتقوليش لحد إنك معاكي بنت تانية (بسملة اللي كانت مخبياها عن أهلي عشان ظروف ومصاريف كنت مخليها عند أختي في بلد تانية)، وابتعدي عشان ابننا ما يدخلش السجن بسببك لو أذاكِ في لحظة غضب!
“.. ومن يومها وأنا تايهة في الشوارع، بشتغل خادمة في البيوت وفي المصانع البسيطة عشان أربي بسملة، وكنت عايشة ميتة بالحياة، وقلقة أرجع لك أو أقابلك!كلمات دنيا نزلت عليا زي الصواعق المتتالية. يعني مش هي اللي تسببت في غياب بنتي بـ “تعمد”، دي كانت حادثة قدرية، والأوسخ من كده.
. إن أمي وأهلي هما اللي طردوها وخوفوها عشان يداروا على قسوتهم وطريقتهم اللي خلوها تهرب، وفي نفس الوقت طلعوا إشاعة إنها “ابتعدت لوحدها” عشان يغطوا على المسؤولية!قمت من على الكرسي، وعروق رقبتي بارزة، ودمي كان بيغلي في عروقي.
حسيت إن الكارثة مش بس في غياب بنتي، الكارثة الحقيقية في الكدب والقسوة اللي عشت وسطهما من أقرب الناس ليا.. أهلي!الجزء مستنتش لحظة واحدة. سيبت دنيا في المستشفى تحت رعاية الدكاترة، وخدت “بسملة” في إيدي، وركبت عربيتي وطرت على بيت عيلتي في البلد.
وصلت البيت، وفتحت الباب بعنف لدرجة إن الباب خبط في الحيطة بصوت عالي. أمي وأخواتي طلعوا مفزوعين، وأمي قالت بخضّة:— عبد الله؟! إنت جيت إمتى تاني من مصر؟ وبنت مين دي اللي معاك؟!بصيت لأمي بنظرة نارية خلتها ترجع لورا خطوة، وقلت بصوت عالي رعد في أركان البيت:— أنا جيت عشان أكشفكم على حقيقتكم كلكم!
أنا لقيت مراتي يا أمي.. لقيتها مرمية عند الكوبري بتتعب من الجوع والفقر!أمي جابت ألوان، وقالت بتلجلج:— لـ.. لقيتهَا فين؟! ومالها البت دي؟— لقيتها وهي هاربة منكم ومن طريقتكم السودا اللي طردتوها بيها يوم ما حنين غابت! كدبتوا عليا..
قلتوا لي إنها سابت البيت وابتعدت عشان قلقة مني، وداريتوا على الحقيقة.. داريتوا على إنكم أنتوا السبب في طردها، وإن حنين غابت في حادثة قدرية مش بسبب إهمال متعمد زي ما صورتم لي عشان تغطوا على جبروتكم!أخويا الكبير قرب وقال بحِدّة:— يا ابني اسمعنا.
. أحنا كنا بنخاف عليك وعلى مستقبلك، و…قاطعته بزعيق هز البيت:— اخرس! مفيش مبرر للكدب والظلم! أنتوا حرمتوني من بنتي اللي غابت، وحرمتوني من مراتي سنتين كاملين وأنا عايش ميت في الغربة! أنتوا كدّبتوا عليا وقطعتوا صلة الرحم وكسرتوا بيتي!
بسملة الصغيرة كانت متمسكة ببنطلوني وبتعيط من صوتنا العالي، نزلت شلتها وحضنتها لصدري، وبصيت لأمي نظرة أخيرة مفيهاش أي مودة، وقلت بصرامة:— من النهاردة.. مفيش علاقة بيني وبينكم لحد ما تراجعوا نفسكم وتعرفوا حجم الجريمة اللي عملتوها في حقنا.
البيت ده أنا ماشي منه، ومراتي وبنتي هيرجعوا معايا لبيتي، ومش هسمح لمخلوق يتدخل في حياتنا تاني بعد اليوم!خرجت من البيت وأنا سامع صراخ أمي وعياط أخواتي ورايا، بس مالتفتش ورايا أبداً. الجزء بعد ما خدت “دنيا” وبسملة وخرجت بيهما من مستشفى الطوارئ، متوجهين لبيتي القديم، كانت العربية ماليها صمت ثقيل ومخيف.
الهوا البارد كان بيخبط في زجاج العربية، وصوت أنفاس دنيا المتعبة والمكتومة هو الصوت الوحيد اللي بيقطع السكون. بسملة كانت نايمة على الكنبة الخلفية، حاطة راسها على رجل مامتها وبتأن بصوت خفيف من كتر الإرهاق والجوع اللي شافوه طول السنين اللي فاتت. أنا كنت سايق وعقلي شغال زي الطاحونة.
الأفكار كانت بتخبط في راسي كأنها مطارق حديد: إزاي أهلي قدروا يعملوا فيا كده؟ إزاي أمي اللي ربتني قدرت تطرد زوجة ابنها المكلومة وهي لسه خارجة من صدمة غياب بنتها؟! وليه اختاروا طريق الكدب الرخيص بدل ما يقفوا جنبي ويقولوا لي الحقيقة؟
وصلنا العمارة، نزلت وشلت بسملة بحنان على دراعي، وفتحت باب الشقة اللي كان بقاله سنتين شبه مهجور وغارق في التراب والظلمة. دخلت، ونورت النور الأصفر الباهت. الشقة كانت ريحتها كتمة، وكل زاوية فيها بتفكرني بضحكة “حنين” الله يرحمها وهي بتجري في الصالة وتلعب بلعبتها المفضلة.


