قصص وروايات

زهره الربيع ١

حطيت بسملة على السرير في أوضتها القديمة، وغطيتها ببطانية خفيفة. وخرجت للرسبشن لقيت دنيا واقفة في نص الصالة، باصة حواليها بعيون تايهة، كأنها مش مصدقة إنها رجعت للمكان اللي اترعبت تمشي منه يوم ما غابت بنتها. قربت منها، ووقفت قدامها بهدوء، وقلت بصوت هادئ بس جواه بركان:— ارتاحي يا دنيا.

. الشقة بيتك، ومحدش يقدر يطردك منها تاني أبداً.. طول ما أنا عايش. دنيا انهارت ووقعت على ركبتها في الأرض، وبقت تبكي بمرارة وتخبط على صدرها وتقول بصوت متهدج:— البيت ده بيموتني يا عبد الله.. كل حتة فيه بتفكرني بحنين وهي نايمة، وهي بتلعب.

. وأنا السبب، أنا اللي مكنتش دريان لها في اللحظة دي!نزلْت على ركبي قدامها، ومسكت كفيها الباردتين، وقلت بحسم:— قومي يا دنيا.. كفاية عياط وجلد في نفسك. بنتنا في مكان أحسن بكتير من الدنيا دي، وربنا هو اللي أخد وديعته.

الغلط مش عندك لوحدك، الغلط الأكبر عند اللي استغلوا ضعفك وطردوكِ وسابوكِ ترمي في الشارع، والناس اللي كدبوا عليا وسابوني ألف في الدنيا وأنا مش عارف راسي من رجلي!تاني يوم الصبح، بدأت مرحلة جديدة وصعبة جداً في حياتنا.

أول حاجة عملتها، إني نزلت جبت طلبات للبيت، وأكل مغذي لدنيا عشان تقدر تقف على رجلها وتعوض السنين اللي دمرت فيها صحتها. وبعدين، قررت أنزل أجيب لبس جديد لبسملة اللي كانت هدومها متبهدلة ومقطعَة. بسملة كانت قلقة في الأول، بس بالتدريج، ومع أول ضحكة طلعت منها وهي بتاكل شوكولاتة اشتريتهالها، حسيت إن البيت بدأ يرجع له نبض الحياة شوية.

لكن الكارثة الحقيقية مخلصتش عند كده.. أهلي مكنوش هیسكتوا!بعد تلات أيام من رجوعنا، وخناقتي الكبيرة مع أمي وأخواتي، لقيت جرس الباب بيخبط بعنف واستماتة. فتحت الباب، لقيت أمي قدامي، ووراها أخويا الكبير، وعيونهم مليانة غضب واستنكار.

أمي بصت لي وقالت بصوت حاد:— بقى جاي تبهدلنا وتسيب بيتك عشان “الست الهانم” اللي ابتعدت بنتها وسببت غيابها، وترجعها الشقة تاني وكأن مفيش حاجة حصلت؟! وفين؟ مع بنت غريبة جيبتها معاك الشارع؟!دمي غلي في عروقي، وعروق رقبتي بارت، وقبل ما أنطق بكلمة، طلعت دنيا من المطبخ، وشها كان أصفر بس عيونها فيها قوة وثبات أول مرة أشوفهم.

أمي أول ما شافتها، صرخت فيها وقالت:
— إنتي لكي عين تقعدي في بيت ابني بعد كل اللي عملتيه؟!

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى