قصص وروايات

زهره الربيع ٢

— إنتي لكي عين تقعدي في بيت ابني بعد كل اللي عملتيه؟! ابتعدي من هنا يا بت إنتي، وإياكي تقربي من عبد الله تاني!

هنا، مبقتش قادر أتحمل كلمة زيادة. خطوت خطوتين قدام أمي، ورفعت إيدي بحسم، وقلت بصوت رعد في الشقة كلها:

— لحد هنا وبس! كدب وظلم وقسوة لحد كده مكفي!

أمي جاحظت عيناها بصدمة وقالت:

— إنت بتعلي صوتك على أمك يا عبد الله عشان دي؟!

— أيوة بعلي صوتي، لأن اللي زيك يستاهل أطول من كده! مراتي ما ابتعدتش لوحدها.. أنتوا اللي طردتوها وخوفتوها وهددتوها عشان تداروا على خطأ إنكم مكنتوش واخدين بالكم من حنين! أنتوا اللي كدبتوا عليا سنة كاملة وقلتوا لي إنها سابت البيت برضاها، بينما هي كانت مرمية في الشوارع بتتعب من الجوع والفقر مع بنتها التانية!

أخويا الكبير حاول يتدخل ويقول:

— يا ابني إحنا أهلك، متسمعش لكلام ست عايزة تخرب بينك وبين عيلتك…

قاطعته بعنف وقلت:

— العيلة اللي تخرب بيت ابنها وتكدب عليه وتدمر نفسية مراته عشان تداري على قسوتها، متبقاش عيلة! اسمعوني كويس أنتوا الاتنين.. أنا مش هسمح لمخلوق يخطو رجله جوه الشقة دي، ولا حد يتدخل في حياتي أو حياة مراتي وبنتي بعد اليوم! العلاقات بيننا وبينكم منتهية.. اخرجوا من بيتي حالا، وقبل ما تفكروا ترجعوا، اتعلموا إزاي تطلبوا السماح عن كل كدبة قلتوها في حقي وحق مراتي!

أمي وقفت مذهولة، مبقتش قادرة تنطق بحرف واحد، وبصت لي نظرة مكسورة، بس قسوتها منعتها تعتذر. لفت وشها وهي بتعيط بغضب وقالت:

— ماشي يا عبد الله.. بكرة تندم لما تعرف إن مفيش غير أهلك اللي بيحبوك!

خدت أخويا ونزلوا، وباب الشقة اتقفل وراهم.

مرت الأسابيع الأولى بعد طرد أهلي من البيت وكأنها سنة كاملة. الصمت كان سيد المكان، مكنش فيه غير صوت خطواتنا الحذرة وصوت ضحكات بسملة البريئة اللي بدأت تدريجياً تملى الشقة وتنسينا جزء من المرارة اللي عشناها.

أنا ودنيا كنا محتاجين وقت طويل عشان نلم شتات أرواحنا المكسورة. دنيا كانت لسه بتقوم من النوم مفزوعة في نص الليل، تفتح باب أوضة بسملة وتطمن عليها وهي نايمة، وبعدها تقعد على السجادة تدعي وتبكي بصوت مكتوم. كنت بقوم أقعد جنبها، أطبطب على كتفها وأقول لها بصوت هادئ:

— كفاية يا دنيا.. اللي فات مات، وإحنا ربنا رزقنا بعمر جديد، وعوضنا ببسملة، والوجع اللي شفناه هيكون حصن لينا مش ضعفنا.

وبالنسبة لشغلي، قررت إني مش هسافر تاني. كفاية غربة وفلوس راحت تمنها غالي أوي؛ تمنها ضحكة بنتي اللي راحت، وتمنها سنين عذاب مراتي. صفيت أموري في السعودية نهائي، وقررت أستقر في مصر، وأفتح مشروع صغير جنب البيت أقدر أصرف بيه على بيتي وأكون قاعد وسط مراتي وبنتي كل لحظة، عشان مسبش فرصة لأي حد يرجع يخرب بيتنا.

في يوم، وأنا نازل أجيب طلبات للبيت من السوبر ماركت اللي تحت العمارة، قابلت عم “صابر”، البواب القديم بتاعنا اللي كان بيحبني وبيعتبرني زي ابنه.

أول ما شافني، بص حوليه باهتمام وقرب مني وقال بصوت واطي ومتردد:

— يا بشمهندس عبد الله.. أنا من حق ربنا عليا، لازم أقولك على حاجة كنت خايف أنطق بيها أيام ما مشيت.

وقفت مكاني وبصيت له باهتمام وقلت:

— خير يا عم صابر؟ في إيه؟

قال بصوت مكسور:

— يوم الحادثة.. يوم ما البنت الصغيرة الله يرحمها غابت، أمك وأخوك الكبير هم اللي منعوا الست دنيا ترجع البيت، وهما اللي هددوهـا وقالوا لها: “لو طلعتي لعبد الله هيدخلك السجن ويأذيك”.. أنا بنفسي سمعت أمك وهي بتقول لأخوك: “خليها تبتعد وتولي، أحسن ما الفضايح تطلع للناس إننا فرّطنا في حفيدتنا وهملناها”. أنا وجعني ضمايري لما شفتك بتلف تدور عليها، بس كنت خايف أفتح بوقي لقمة عيشي تخرب.

الكلام نزل عليا زي الصاعقة! كنت فاكر إن الحقيقة ظهرت كلها، لكن كل يوم بيعدي كان بيثبت لي إن القسوة عند أهلي كانت أعم وأبشع بكتير مما تخيلت.

شكرت عم صابر بهدوء واديتُه حاجة بسيطة، وطلعت الشقة وأنا جواي بركان ساكت. دخلت لقيت دنيا بتحضر الفطار وبسملة بتلعب بلعبتها. بصيت لمراتي وهي بتتحرك في المطبخ بتعب، وحلفت في نفسي إن عمري ما هسمح لمخلوق يقلل منها أو يمس شعرة من كرامتها تاني.

مرت شهور، وبدأنا نندمج في حياتنا الجديدة. نزلت وسجلت بسملة في روضة أطفال قريبة من البيت عشان تتعلم وتعيش طفولتها طبيعي، وبدأت أصلح حاجات كتير في الشقة عشان تتغير ريحة الحزن والماضي المؤلم.

في يوم من الأيام، وفي وقت العصر، رن جرس الباب.

فتحت، وكانت المفاجأة…

أختي الصغيرة (منى)، اللي كانت دايما طيبة بس مغلوب على أمرها وبتخاف من سيطرة أمي وأخويا الكبير. كانت واقفة قدام الباب ودموعها على خدودها، وماسكة في إيدها طبق فيه حلويات عملتها بـ إيدها.

بصت لي باختناق وقالت بصوت مهدوج:

— ازيك يا عبد الله.. ينفع أدخل ولا هتقفل في وشي زي أمي؟

وقفت على باب الشقة، وبصيت لأختي “منى” اللي كانت واقفة باصة للأرض ودموعها نازلة على خدودها بصمت، وماسكة الطبق بإيد بتترعش.

جوايا كان فيه صراع قديم؛ صراع بين غضبي من عيلتي كلها وبين طيبة قلبي اللي عرفت إن منى ديما كانت غلبانة ومسلوبة الإرادة تحت سيطرة أمي وأخويا الكبير. فتحت الباب على الآخر، ووسعت لها الطريق وقلت بصوت هادئ بس جاد:

— ادخلي يا منى.. الباب مبيتقفش في وش أختي، بس بشروط.

منى دخلت وهي باصة في الأرض، وحطت الطبق على ترابيزة الصالة. أول ما دخلت، طلعت “دنيا” من المطبخ، وأول ما شافتها، وقفت مكانها بتوتر وخوف قديم. بس منى جريت عليها فجأة، وحضنتها بقوة وبقت تعيط بحرقة وتقول بصوت متهدج:

— سامحيني يا دنيا.. سامحيني! والله العظيم كنت مقهورة ومش عارفة أعمل حاجة.. ماما وأخويا هددوني لو فتحت بوقي وقولت الحقيقة لكل اللي حصل يوم الحادثة.. كنت خايفة أكون ضحية زيك، بس ضماري كان بياكلني كل يوم!

دنيا اتفاجأت بردة فعل منى، وبعد لحظة تردد، نزلت دموعها وخدت منى في حضنها، وبقوا الاتنين يبكوا مع بعض ويمسحوا وجع سنين طويلة من القهر والخوف.

قربت منهم وقعدت على الكرسي، وبصيت لمنى وقلت:

— إنتي مش محتاجة تعتذري لدنيا وبس يا منى.. إنتي جيتي هنا ليه لوحدك؟ وأمي وأخويا لسه على طريقتهم السودا؟

منى مسحت دموعها بكم هدومها، وقعدت جنبنا وقالت بصوت مكسور:

— أمي وأخويا لحد دلوقتي مكابرين، وفاكرين إنهم صح وإنهم مظلومين! أمي كل يوم تقعد تدعي وتصرخ وتقول إنك عقّيتها عشان ست “ابتعدت” البيت! بس أنا.. أنا مبقتش أقدر أستحمل العيشة معاهم والظلم اللي عشت أشوفه بعينيا. أنا ابتعدت منهم وجيت لك، لأن هنا وبس هو مكان الصح والحق.

بصيت لدنيا، وبصيت لباسملة اللي كانت قاعدة بتلعب وبتسمعنا ببراءة، وحسيت إن ربنا بيبعت لنا طوق نجاة عشان يلم شتاتنا ويقفل صفحات الشر نهائي. قلت لمنى بحنان:

— اعتبري البيت بيتك، ومن النهاردة مفيش خوف.. اللي يحبنا يقف جنبنا، ومن باعنا برخيص.. ربنا يسهل له.

مرت الأيام، ومنى بقت عضوة أساسية في بيتنا؛ بتساعد دنيا في شغل البيت، وبتلعب مع بسملة، وبتعوضها عن حنان الأخت اللي راحت. بيتنا الصغير رجع ينبض بالحياة والدفء الحقيقي البعيد عن سم العيلة وجبروتهم.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى