قصص وروايات

زهره الربيع ٢

لكن، الدنيا مابتسيبش حد في حاله.. وبعد مرور شهرين من قعدة منى معانا، حصلت المفاجأة الكبرى اللي مكنش حد متوقعها!

في ليلة صيفية هادية، رن جرس الباب برقة وخفة.

قمت فتحت، وكانت الصدمة…

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

في ليلة صيفية هادية، رن جرس الباب برقة وخفة. قمت فتحت، وكانت الصدمة… كان واقف قدامي.. أبويا! أو الراجل العجوز اللي انكسر نصه بعد ما لقى نفسه وحيد في بيت كله قسوة وكدب، وكان واقف وراه أخويا الكبير مطاطي راسه في الأرض!

أبويا بص لي بعيون مليانة دمع وقال بصوت مكسور يقطع القلب:
— ينفع يا عبد الله.. أبوك يجيلك لحد باب بيته.. وتقفل في وشه؟

وقفت على باب الشقة، وعيوني مش مصدقة مين واقف قدامي. أبويا.. الراجل اللي طول عمره كان بيمثل هيبة العيلة وسلطتها الصارمة، واقف قدامي دلوقتي، ظهره منحني، وعيونه مليانة دموع الندم والانكسار، ووراها أخويا الكبير اللي كان مكسور ومطاطي راسه في الأرض كأنه جثة هامدة.

صوت أبويا وهو بيسألني بصوت مكسور: “ينفع يا عبد الله.. أبوك يجيلك لحد باب بيته.. وتقفل في وشه؟”.. تردد في الصالة وخلى قلبي يدق بعنف. فتحت الباب على الآخر، ووسعت لهم الطريق وقلت بصوت حاد بس جواه رجفة وجع:

— ادخل يا أبوي.. أهلاً بيك.

الباب مبيتقفش في وش أبداً، بس ياريتك جيت قبل ما ينكسر كل حاجة بينا. دخل أبويا وقعد على أول كرسي قابله في الصالة، وباسك على كفيه كأنه طفل تايه. ومنى جريت عليه بسرعة، وقعدت جنبه بتعيط وهي بتمسح دموعه.

أما أخويا الكبير، فدخل وهو مكسور، ووقف قدامي مباشرة، ونزل على ركبه فجأة قدام الكل، ورفع إيده وقال بصوت مختنق بالدموع:

— سامحني يا عبد الله.. سامحني يا أخوي! أنا الكبر والفلوس عموني، أنا اللي ضحكت على أمي وشحنتها ضد دنيا، وأنا اللي هددت دنيا يوم الحادثة وخليتها تبتعد عشان أخاف تفضح إهمالنا للبنت!

أنا شيطان.. دمرت عيلتنا بيدي، وسيبتك تلف في الدنيا وأنا عارف الحقيقة! الصدمة دي كانت أقوى من أي حاجة سمعناها قبل كده. دنيا حطت إيدها على بقها وبكت بحرقة، ومنى فضلت تعيط بصوت عالي. أبويا بص لأخويا بغضب وعتاب، وقال بصوت مهزوز:

— قوم يا أعمى البصر والبصيرة.. قوم شوف عملت إيه في أخوك ومراته! (وبص لي بدموع وقال): حقك عليا يا عبد الله.. أنا كنت نايم في العسل، وسايب البيت لسم أمك وطمع أخوك، مفكر إن الرجولة هي الشدة وبس، لغاية ما لقيت البيت اتهد فوق دماغنا، وأمك قاعدة لوحدها بتندم بعد ما الكل سابها!

أنا جيت أقولك: حقك راجع، وكل اللي سابهولك أبوك هيرجع لك، بس الأهم.. ترجع لأبوك وتسامحه! قربت من أبويا، ودموعي نزلت غصب عني. نزلت على ركبي قدامه، وخدت راسه وبستها بحب واحترام وقلت:

— مسامحك يا أبوي.. أنت على عيني وعلى راسي، وأنت أبويا اللي علمني الأصول مهما الزمن مال بيكم.

بس… وقفت وبصيت لأخويا ولأبويا بحسم:

— أمي.. أمي هي اللي كسرت بيتي وطردت مراتي وهي مكسورة، وهي اللي لسه لغاية دلوقتي مكابرة ومش حاسة بخطئها. أنا هفتح بيتي ليك يا أبوي، ولأختي منى اللي أصلاً مننا وفينا، لكن أخويا ده.. محتاج وقت طويل عشان يطهر ذنبه، ومش هسمح له يدخل بيتي غير لما يصلح كل كسر كسره في قلوبنا!

أخويا عيط بمرارة، وقال:
— أنا مستعد أعمل أي حاجة ترضيك يا عبد الله، لو تطلب مني أمشي في الشارع حافي، هعمله، بس متحرمنيش من أخوتك.

أبويا مسك إيدي وقال بصوت حنون:
— سيبه عليّا يا عبد الله.. أنا خدته وجيته عشان أعرفك إن الظلم مهما طال ليله، لابد ييجي اليوم اللي ينفضح فيه أصحابه. أمك قاعدة في البيت لوحدها بتدفع تمن جبروتها وقسوتها، ومحدش جنبها.

دخلت دنيا، وقفت جنبي، وحطت إيدها على كتفي، وبصت لأبويا وقالت بصوت هادي:
— أهلاً بيك يا عمي.. البيت بيتك، واللي فات مات، وربنا قادر يداوي كل الجروح. في اللحظة دي، حسيت إن العاصفة اللي هددت بإنهاء حياتنا كلها، سكنت أخيراً.

مش عشان الأشرار انتصروا، بل لأن الحقيقة لما ظهرت، نقّت البيت من السموم، ورجعت الأصول لمكانها الصح. أبويا قعد معانا، ومنى بقت وسطنا، وأنا ودنيا وبسملة ابتدينا نشوف بكرة بشكل تاني.. بكرة نضيف، من غير كدب ولا قسوة، وبحياة أساسها الرحمة والمحبة الحقيقية.

الجزء والأخير مرت الأيام والشهور، وكأن العاصفة الهوجاء التي كادت تقتلع جذور بيتنا قد تركت خلفها أرضاً طيبة وصالحة لإنبات حياة جديدة نقية ومزدهرة. أبويا استقر معانا في البيت لفترة، وبقى سند حقيقي لينا. وجوده وسطنا كسر حدة الجفا، وبقى يقضي أيامه بيلعب مع بسملة ويضحك ضحكة الصفا اللي افتقدناها سنين طويلة.

أما أخويا الكبير، فبدأ يتغير تدريجياً؛ نزل واشتغل بجهده وعرقه عشان يسدد ديونه ويصلح الغلط اللي ارتكبه، وبقى يتردد علينا من بعيد لبعيد من غير ما يفرض نفسه، مستني اللحظة اللي قلوبنا تصفى له تماماً. وأمي..

أمي ظلت مكابرة في بيتها القديم لفترة، وحدها بلا حطام يونسها، لحد ما أدركت أخيراً أن جبروت القسوة لا يترك صاحبه إلا وحيداً محاطاً بالندم. في يوم من الأيام، وفي وقت العصر، رن جرس الباب. فتحت، لقيتها واقفة قدامي.. عجوز مكسورة، عيونها مليانة دموع، وماسكة في إيدها طرحتها بتترعش.

بصت لي بحياء وقالت بصوت مكسور:
— ينفع يا عبد الله.. أمك تيجي تطلب رضاكم.. ولا قسوتي قفلت بابي قدامكم للأبد؟

قبل ما أنطق بحرف واحد، ظهرت “دنيا” من جوة الصالة، وعيونها لمعت بالدموع. قربت منها بسرعة، ومدت إيدها بحنان وخدتها في حضنها وقالت بصوت دافي:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى