
حماتي بتحاسبني على كل حاجة.. على لقمة العيش، وشربة المية، وحتى نفس نفس الدخول والخروج!”
بدأت مريم جملتها وهي قاعدة في الصالة، عيونها مليانة دمع مقهور، وبتفضفض لأختها في التليفون بصوت مكسور وواطي عشان محدش يسمعها. مريم دي عروسة جديدة دخلت “بيت العيلة” وهي فاكرة إنها راحة تعيش في أمان، لكنها لقت نفسها جوه معسكر تدريب تقوده الحاجة “صفاء”، الحما اللي قوامها أثقل من الجبل، واللي مفكرة إن الشقة وما فيها ملك شخصي ليها وحدها.
الحاجة صفاء ما كانتش مجرد حما عادية، دي كانت ست بـ “مية راجل”، لسانها متفصل على مقاس التحكم والتحزيم. من أول يوم مريم دخلت فيه العتبة، اتحطت القواعد على الطرابيزة ببرود عجيب: “اسمعي يا بنت الناس، البيت ده له سيستم ماينفعش يتخالف. الكيلو البصل بيتقطع إزاي، الزيت بيتحط منه قد ايه، والصابون بينصرف إمتى؟ أنا بحاسب على كل دبة تراب في الشقة دي، وعينيا دراعي على البيت.”
مريم كانت تبلع ريقها وتعديها، وتقول لنفسها معلش بكرة تتعود عليّا وتحبني، بس ياريتها ما سكتت! بقت صفاء تتابعها في المطبخ كأنها مراقب حسابات. لو مريم طبخت صينية بطاطس، تدخل صفاء تفتح الغطا وتكرمش وشها بملل: “إيه ده؟ هي دي صينية بطاطس ولا شوربة مية؟ خسارة البطاطس وفلوسها في إيدك! طول عمر ابني بياكل من إيدي أكل مخدوم، مش تهريج الأيام دي.” ولو فتحت الثلاجة تاخد تفاحة، تلاقي الحاجة صفاء وراها على طول بنظرة تخترق العظم: “رايحة فين بالفاكهة؟ الحاجة دي محسوبة للبيت كله مش لكي لوحدك! استني لما الكل يتجمع الأول.”
المشكلة مكنتش بس في الأكل والشرب، دي كانت في “التلقيح” المستمر اللي بيسم البدن. لو صفاء قاعدة في الصالة وحوليها الجيران أو السلفات، تبدأ ترفع صوتها بالحكاوي: “آآآه.. الواحد كان زمان بيشيل البيت فوق راسه ويراعي النعمة، مش زي بنات الأيام دي اللي طالعين يعرفوا الشكل والموبايلات وبس، لا بيعرفوا يحسبوا قرش ولا يقدروا تعب الشقيان!”
مريم تكون سامعة الكلام وواكلها الجو، تيجي تتكلم أو توضح، تقوم الحاجة صفاء عاملة نفسها البريئة اللي ما تقصدش: “هو أنا خصيتك بالكلمة يا بنتي؟ هو اللي على راسه بطحة بقى بيحس ولا إيه؟!” ودايماً تظبط الوش الطيب أول ما الجو يروق، وتخلي مرات الابن هي اللي تبان قليلة الأدب وغلطانة في كل قاعدة.
وصلت العلاقة لنقطة الصفر، وبقت أي شرارة صغيرة تولع الدنيا. في يوم من الأيام، ولعت المعركة الكبرى! مريم كانت مجهزة الغدا لجوزها وواقفة تعبانة طول النهار في المطبخ. دخلت الحاجة صفاء كالعادة، شافت الحلة، فبدل ما تسيب الحاجة، قامت بكل برود زادت على الأكل ملح بكمية تخلي الأكل زفت، وقالت بصوت عالي: “ايه ده؟ انتِ حاطة ملح قد كده في الأكل؟! انتِ هتموتي ابني بالضغط ولا إيه؟ تعالي شوفي الهبل في عمايل إيدك!”
هنا مريم طفح بيها الكيل، ونزل عليها الغضب دفعة واحدة؛ رمت المعلقة في الحوض وقالت بصوت مسموع هز الحيطان: “حرام عليكي بقى! كفاية ترصد بقى! أنا ساكتة وساكتة من يوم ما دخلت البيت ده، كل حاجة بعملها مش عاجباكي، بتحاسبيني على الهوا اللي بتنفسه! حاسبيني على اللقمة والشربة، وكأني خدامة باخد بالأجر! حرام ارحميني بقى!”
الحاجة صفاء ما صدقت سمعت الكلمة دي، قامت رمست نفسها على الكرسي وبدأت تعمل “مسرحية العمر” وتلطم على وشها: “الحقوني يا ناس! يا قهرتي! مرات ابني بتعلي صوتها عليّا وبتهزقني في بيتي! بتطردني أنا يا صفاء من مطبخي؟ شوفوا قلة الأدب اللي بتطلع من بنات الأيام دي!”
لمت البيت والحارة كلها على الصوت، وطبعاً زي كل مرة، الكل بيجري يطبطب على الحاجة صفاء المظلومة اللي بتعيط بدموع تمثيل، ومريم واقفة في الجنب بتعيط من القهر والحسرة، وحاسة إن الحيطان بتقفل عليها، وهي بتفكر: هل العيشة دي ليها آخر، ولا هتدفن وهي عايشة في بيت العيلة؟
تعدت الساعة بمرور الأيام، ومابين ليلة وضحاها، اتحولت العيشة لقطع من الجمر. صفاء ما كفتش عن تدبير المكائد، وكل يوم كانت بتخترق خط جديد في حرب النكد، لدرجة إن مريم بقت تحس إن كل ركن في الشقة دي بيراقبها، وإن الحيطان نفسها بتحفظ شكوتها.
في يوم، ومن كتر القهر والخنقة، صممت مريم إنها مش هتسكت، وقررت تواجه صفاء وش في وش ومن غير ما تخاف من عواقب التمثيل ولا صراخ الحارة. دخلت عليها الصالة وكانت صفاء قاعدة حاطة رجل على رجل زي كل مرة، فقالت لها بصوت ثابت وناشف: “بقولك ايه يا حاجة صفاء، للحد هنا وكفاية! أنا لا سرقت لقمة، ولا قصرت في بيتي، وحسابك اليومي ده خليه لنفسك.. أنا مش خادمة أخدتيها بالأجر عشان تحاسبيني على الهوا اللي بتنفسه!”




