قصص وروايات

حماتى بتحاسبنى ل زهره

لصدمة نزلت على صفاء زي الصاعقة؛ متعودتش تسمع الكلمة بوشها ومن غير عياط أو كسرة. قامت وقفت بعصبية وعنيها بتطلع شرار، ورفعت صباعها في وش مريم: “يا قليلة الأدب يا اللي ما عرفتيش تربية! لسانك طول وبقى طالع لشبرين في بيتي?!”

ردت مريم بكل برود وجرأة مكنتش تتوقعها في نفسها: “بيتك لوحدك؟ ما هو ابني اللي متجوزني وهو اللي جابني هنا، ومش هسمح لست مهما كانت مين إنها تهين كرامتي وتدوس عليّا كل يوم! الكيد ده خليه لنفسك، واللي عندك اعمليه!”

في اللحظة دي، دخل جوز مريم على صوتهم وهو ماسك شنطته وصدمته ظاهرة على وشه، لقى أمه بتلطم ومراته واقفة بشجاعة عينها في عين أمه. صفاء جريت عليه تصوت وتعيط: “الحق يا ابني مراتك قليلة الأدب بتمد لسانها عليّا وعايزة تطردني من بيتي!”

لكن المرة دي، جوزها مابقاش زي كل مرة؛ شاف بعينه نظرة الاستقواء من أمه والنار اللي في عيون مراته اللي جابت آخرها، فخد نفس عميق وبص لأمه لأول مرة بنظرة حازمة وقال: “معلش يا أمي، المرة دي إنتي اللي زودتيها.. ومريم عندها حق في كل كلمة!”

ساعتها، سكت البيت كله كأنه محكوم بإعدام، وحست صفاء إن كرسي الملك والسيطرة بيبدأ يهتز تحتها لأول مرة.

إيه رايك في التطور ده، وتحبي نكمل ونشوف رد فعل صفاء هيكون إيه بعد ما لقت إن ابنها وقف في صف مراته؟

بعد ما جوز مريم قال كلمته وحط النقط ع الحروف، سكتت الشقة كأن الطير على رءوسها. الحاجة صفاء ما كانتش مصدقة ودها؛ ابنها الوحيد، سندها، اللي طول عمره ماشي على كلمتها والأمر لضربه، يقف قدامها ويقول لها “إنتي اللي زودتيها”!

برقت عينيها بصدمة، وجم الدموع في عينيها مش من القهر، لأ، من “الكسرة” اللي لأول مرة تدوق طعمها في بيتها. بصت له وقالت بصوت مهزوز ومرتجف من الغضب: “بقا أنا يا صفاء.. أنا يتقال لي الكلام ده في بيتي؟ عشان حتة بنت.. بايع أمك علشانها؟ ماشي يا بني، كتر خيرك!”

دخلت صفاء أوضتها وقفلت الباب وراها بخشونة، ومن اليوم ده، اتحولت المعركة في البيت من “نار وصراخ” إلى “صمت قاتل”. صفاء مابقتش تطلع من أوضتها، ولا تكلم حد، ولا حتى تبص في وش مريم. بقت تقعد لوحدها، وكل ما حد يدخل عليها تكتفي بكلمتين ناشفين، وكأنها بتلعب دور الضحية الكبيرة اللي الزمن غدر بيها.

مريم صحيح خدت حقها وجوزها وقف جنبها، بس قعدت حاسة بقبضة في قلبها؛ الجو في البيت بقى مكفهر وثقيل، ومفيش ضحكة بتطلع، ومارت نفسه بقى رايح جاي مكشر ومش عارف يرضي أمه اللي مقاطعة الأكل والكلام، ولا مراته اللي حاسة بذنْب خفي رغم إنها مظلومة.

في يوم، ومحدش واخد باله، دخلت مريم المطبخ عشان تعمل كوباية شاي، وسمعت صوت كحة واهات جاية من أوضة صفاء. وقفت مكانها مترددة.. عقلها بيقول لها: “خليكي في حالك، دي هي اللي جابته لنفسها”، وقلبها بيقول لها: “الست كبيرة في السن، ولو جرى لها حاجة ذنبها في رقبتك.”

سابت الكباية، وخدت نفس عميق، وخدت خطوة شجاعة؛ راحت خبطت على باب أوضة صفاء خبطة خفيفة، ومستنتش إذن، فتحت الباب ودخلت وهي شايله في إيدها كوباية يانسون دافية.

لقيت صفاء قاعدة على السرير، وشها باين عليه التعب ومنكمشة على نفسها. بصت لها صفاء بنظرة حادة وقالت بصوت مأساوي: “جاية تشمتي فيا.. ولا إيه؟ اطمني، لسه ما متّش عشان تفضى لك الشقة!”

وقفت مريم قدام السرير بكل هدوء، حطت الكوباية على الطرابيزة جنبها، وقالت بصوت هادي وخالي من أي تحدي: “أنا عمري ما شمت في حد يا حاجة صفاء، وربنا يطول في عمرك.. بس البيت ملوش طعم، والزعل مش هيوصلنا لحاجة. أنا يمكن طولت في لساني يومها، بس الكيل طفح.. وإنتي كمان عارفة إنك زودتيها معايا.”

سكتت صفاء، وبصت في كوباية اليانسون، وبعدين بصت لمريم طويلاً.. كأنها بتشوفها لأول مرة من غير نظارات الكبر والسيطرة. مدمعتش صفاء، بس حست إن الحصون اللي بناها عمرها كله بدأت تتصدع قدام كلمة حق وطيبة.

قالت صفاء بصوت واطي وناشف: “اطلعي اقفلي الباب وراكي يا مريم.. سيبيني لوحدي.”

طلعت مريم وسابت الباب مردود، وهي حاسة إن الحكاية لسه مخلصتش، وإن كسر الجليد ده هو البداية لمرحلة جديدة خالص في بيت العيلة!

مرت الأيام بعد الليلة دي، ومبقاش بيت العيلة زي الأول، بس الأجواء اتغيرت للأحسن. صحيح الحاجة صفاء ما اعترفتش بغلطها صراحة، فالكبرياء القديم صعب يتكسر في يوم وليلة، لكن طريقتها اتغيرت 180 درجة. بطلت تقف على الواحدة، ومبقتش تحاسب مريم على اللقمة ولا الشربة، وحتى لما كانت تدخل المطبخ، بقت تبتسم من غير تلقيح ولا كلام يسم البدن.

مريم كمان، بقلبها الطيب وأصلها النظيف، مابطلتش تحط لها الأكل الدافئ وتدخل تطمئن عليها، وكأنهم اتفقوا من غير ما يتكلموا إن الحياة بالشكل الجديد ده أريح بكتير وأهدى للكل.

في يوم، كانت صفاء قاعدة في الصالة، ومريم معدية بصينية الشاي، نادت عليها صفاء بصوت هادئ لأول مرة تحسه حقيقي وخالي من أي سموم: – “تعالي يا مريم.. اقعدي جنبي يا بنتي.”

استغربت مريم وقعدت بترقب، فبصت لها صفاء وقالت بصوت واطي وبشيء من الكسوف: – “أنا عارفة إن دمي كان حامي، وإني كنت مخلية عيشتكم مرّة.. بس تعودت أكون أنا السيادة ومحدش يراجعني.. مش معني كده إني بنكر إنك ست بيت شاطرة وبنت أصل، ووقفتك جنبي وهي مريضة علمتني كتير.”

دمعت عيون مريم من الكلام اللي كانت تتمناه من أول يوم دخلت فيه العتبة، وقالت بابتسامة: – “ولا يهمك يا حاجة صفاء، كلنا بنتعلم، والمهم إننا فهمنا بعض خلاص.”

من اليوم ده، مبقاش بيت العيلة “ساحة حرب”, بل بقى بيت بجد، فيه احترام متبادل، وست كبيرة عرفت إن القوة الحقيقية مش في التسلط والتحكم، بل في المحبة واللمة اللي تدوم. ومريم كسبت احترام حماها وبيتها، وعرفت إن بالصبر والحكمة، كل جبل عالي بيوطى.

تمت

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى