
الفصل الثالث: السر الملعون
شاشة الموبايل كانت منورة بالرسالة، والكلمات بتتحفر في عيني كأنها حديد محمي بالنار.
“مين اللي بعت الرسالة دي؟ وإزاي يعرف حاجة عن موت أبويا وأمي اللي ماتوا في حادثة طريق وأنا لسه طفلة؟”
الأسئلة دي ضربت عقلي زي الصاعقة. كنت لسه واقفة في منتصف المسرح، ولسه صدى تصفيق آلاف الطلاب مالي أرجاء القاعة، لكن بالنسبة لي، العالم كله اختفى وما بقيتش سامعة غير دقات قلبي اللي بتتسارع بعنف.
نزلت من على المنصة بخطوات بطيئة، وعيون الكل متابعاني باحترام وذهول. خالتي سهير كانت قاعدة في مكانها شبه فاقدة النطق، وريم منهارة من العياط جنب كرسيها بعد ما أخدوا كريم في اتهامات رسمية بالتزوير واختلاس الأموال.
أول ما وصلت لقاعة الاستراحة ورا المسرح، قفلت الباب ورايا كويس. آدم كان بدأ يتحرك ويزغرد بصوت خفيف، حضنته بقوة وأنا بكلم نفسي بصوت مسموح: “متقلقش يا آدم… أنا معاك، ومحدش هيقدر يأذينا تاني.”
فتحت الموبايل تاني عشان أرد على الرقم المجهول، وكتبت بسرعة:
«أنت مين؟ وعايز إيه؟ وإيه اللي دخلك بأهلي؟»
في أقل من ثانية، وصلني الرد:
«مش بالتليفون يا سارة… لو عايزة الحقيقة والملف الحقيقي اللي خالتي سهير خبيته عنك سنين، وتعرفي ليه أخدوكي من بيت أهلك أصلًا… تعالي دلوقتي حالا على العنوان ده. لو اتأخرتي دقيقة واحدة، الملف هيتحرق للأبد ومعاه آخر أمل ليكي.»
ومع الرسالة، اتبعتلي عنوان مكان قديم ومعروف في منطقة وسط البلد، كافيه مهجور الناس بتبعد عنه.
بصيت لآدم، وبصيت للشهادة وملف الكفالة اللي في إيدي الثانية. خوفي كان بيحاول يوقفني، بس الفضول والرغبة الملحة في معرفة الحقيقة اللي اتحرمت منها طول عمري كانت أقوى.
نزلت من الجامعة بسرعة، وركبت تاكسي وأنا ماسكة آدم بايدي اليمين والموبايل في ايدي الشمال. طول الطريق، صور خالتي سهير وهي بتعاملني بجفاء، وهي بتفكرني بكل لقمة وكل هدوم، وهي دايمًا بتقول لي بصوت حاد: “احمدي ربنا إننا استلمناكي من غير فضايح”، بدأت تتربط قدامي بشكل غريب.
هل حادثة أهلي مكنتش مجرد حادثة عادية؟
وهل خالتي سهير كانت شريكة في سرقتي، ولا مجرد واجهة لحاجة أكبر بكتير؟
وصلت للعنوان المكتوب. المكان كان هادئ ووحش، منطقة شعبية قديمة والناس فيها قليلة في الوقت ده من اليوم. نزلت من التكسي، وبخطوات ثابتة رغم الرعب اللي كان جواه عروقي، قربت من باب الكافيه المهجور.
الباب كان مرفوع نصه لفوق، وفيه نور خافت طالع من جوه.
دخلت وأنا حاضنة آدم، وناديت بصوت عالي شوية: “فيه حد هنا؟ أنا جيت زي ما طلبت.”
فجأة، طلع شخص من الظل، كان لابس كاب مداري نصه وملامحه مش واضحة كويس. بس أول ما النور جه على وجهه، تنفست بصعوبة بالغة…
مش مصدقة مين واقف قدامي!
“أهلاً بكي يا سارة… تعالي، أنا مستنيكي من زمان قوي عشان أقولك الحقيقة الكاملة عن مين اللي أذى أهلك… وخالتك كانت مجرد لعبة في إيد مين!”
الشخص ده خطف نفس اللي باقي في صدري، وخلاني أعرف إن اللي جاي أخطر بكتير من اللي عدى… يتبع.
@أبرز المعجبين
#حكايات_صافي_هاني
#حصري
الفصل الرابع: وجه من الماضي
النور الخافت اللي كان طالع من كشاف قديم على ترابيزة مصدية انعكس على وجه الشخص الواقف قدامي. بصيت له بتركيز، ووعيي كله كان بيحاول يستوعب الملامح اللي قدامي.
ده مكنش مجرد غريب… ده كان شخص أنا شفته قبل كده، بس فين وفوق أمتا؟
الرجل تقدم خطوة ناحيتي، والنور ظهر عيونه كويس. كان راجل في أواخر العقد الخامس من عمره، شعره أبيض ومختلط بسواد، وفي وشّه علامة جرح قديم نازل من عند حاجبه لحد شفته العليا. بص لي نظرة مليانة أسى وندم، وقال بصوت خشن:
“شكل السنين غيرتني كتير يا سارة… بس أنا متأكد إنك لسه فاكرة الراجل اللي كان دايماً بيقف قدام ورشة أبوكي زمان.”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. “ورشة أبوكي!”
افتكرت فجأة، وأنا طفلة عندها خمس سنين، الراجل ده كان شغال مع أبويا في معرض الأثاث الصغير بتاعنا، وكان دايماً يطبطب عليا ويديني شوكولاتة. يوم الحادثة، اتقال لنا إنه سافر بلد تانية وفقدنا الاتصال بيه خالص!
رجعت لورا خطوة وأنا باصمته بخوف، وقبل ما أنطق بحرف، قال بسرعة وبصوت فيه نبرة تحذير:
“أنا عارف إنك مفكرة إن أهلك ماتوا في حادثة طريق عادية… وان خالتي سهير هي اللي أخدتك شفقة منها ومن جوزها… بس الحقيقة المرة اللي محدش يعرفها، إن أبوكي وأمك ماماتوش في حادثة قضاء وقدر!”
حسيت الأرض بتلف بيا، وآدم في حضني بدأ يعيط بصوت عالي كأنه حاسس برعب الموقف.
كمل الراجل بصوت مقبوض:
“المعرض بتاع أبوكي مكنش مجرد ورشة عادية. أبوكي اكتشف وقتها إن واحد من كبار رجال الأعمال في المحافظة بيستخدم الورشة دي غطاء لعمليات غسيل أموال وتجارة ممنوعات. أبوكي رفض تماماً وكتب بلاغ رسمي… وفي نفس الليلة، اتقلب عربيتهم في النقل بطريقة مدبرة. وخالتي سهير؟ سهير مش خالتك الحقيقية… دي أخت جوز عمة أبوكي، وهي قبضت تمن تربيتك وسكوتها ملايين، والفلوس دي هي اللي فتحت بيها مشاريعها وكتبت كل حاجة باسم بنتها ريم!”
الأسئلة والقصص كلها ركبت فوق بعضها. ليه سهير كانت دايماً بتحسسني بالذنب؟ وليه كانت بتعاملني كأنها مشترياني بفلوس؟ وليه كريم وريم كانوا عاملين شبكة فساد تسرق الجامعة بكل أسواقها؟ لأن الفساد ده متوارث، والدم واحد!
قبل ما أقدر أنطق بكلمة واحدة أو أسأله عن دليل، سمعنا صوت فرامل سيارة قوية بره الكافيه المهجور، وأصوات خطوات أقدام سريعة بتقرب من الباب الخارجي!
الراجل اتنفض برعب، ووشه اصفر وقال بصوت مخنوق:
“لقونا… هما مراقبيني! خدي الملف ده يا سارة، ده فيه كل المستندات الأصلية وتسجيل صوتي بصوت سهير وهي بتقبض تمن سكوتها… اهربي فوراً من الباب الخلفي!”
مد إيده بملف جلد قديم مليان ورق، وفي نفس اللحظة دي، انفتح باب الكافيه الأمامي بقوة، وظهرت ظلال رجال أسوياء بيصوبوا أداة ناحيتنا!
“وقعي عندك… مكانك إنتي وهو!”
الصوت رن في المكان، وآدم صرخ أضعاف صراخه، وأنا قدام اختيار واحد: إما أستسلم ويموت السر معاي، أو أجري في الظلام وأواجه مصير ماعرفش نهايته… يتبع.
@أبرز المعجبين
#حكايات_صافي_هاني
#حصري
الفصل الخامس: المطاردة والهروب




