
الطلقة الأولى اخترقت الشباك القديم جنبنا ودشدشت الزجاج لألف حتة، والصوت المرعب دوي في المكان كأنه رعد.
الراجل العجوز زقني بكل قوته ناحية ممر مظلم ورا الترابيزة وقال بصوت عالي وسط الدوشة:
“اجري يا سارة! اخرجي من الباب الخلفي للزقاق، متوقفيش ولتلفي وراكي أبدًا!”
بكل عزم وقوة، رغم الرعب اللي كان بيمزق قلبي، حضنت آدم لصدري بإيد واحدة، ومسكت الملف الجلد القديم بالإيد التانية، وجريت في الممر المظلم. ورايا سمعت صوت اشتباك، وصوت الراجل وهو بيصرخ، وبعدها صوت صدمة قوية وكأن حد وقع على الأرض، وسكت صوته تماماً!
الدمع كان بينزل من عيني بغزارة، بس رجليا مكنش ينفع تقف. وصلت للباب الخلفي، زقيته برجلي وخرجت للزقاق الضيق المظلم. الدنيا كانت مطرة وخفيفة، والهواء الساقع ضرب وجهي.
جريت بين الحواري والبيوت القديمة لحد ما طلعت على الشارع الرئيسي، وشوفت عربية تاكسي معدية. رفعت إيدي بسرعة، فوقف جنبي. فتحت الباب وربطت آدم كويس في حضني، وركبت وأنا بأنفاس مقطوعة.
السائق بص لي باستغراب وخوف من شكلي ومنطري وأنا مبلولة وبعيط، وقال: “على فين يا فندم؟”
قلت بصوت متهدج ومش قادرة ألم نفسي: “على… على مديرية أمن الجيزة… بسرعة أرجوك!”
طول الطريق، قلبي كان بيدق بجنون. كنت باصة لآدم اللي نام تاني من التعب، وفتحت الملف اللي في حضني بسرعة. تحت النور الخافت اللي داخل من شباك التاكسي، فتحت أول ورقة… وكانت الصدمة الأكبر!
مستندات بخط يد الراجل، وصور قديمة لأبويا وأمي، ومعاهم إقرار رسمي وموثق من محامي يثبت إن شركة العقارات والشركات الكبرى التابعة للمسؤول الكبير اللي كان مغطي على كريم، هي نفسها الشركة اللي دبرت الحادثة، وإن خالتي سهير مش بس قبضت تمن سكوتها، دي كانت “الشاهد المزيف” في قضية الميراث اللي حرمتني من كل حقوقي بعد موتهم!
يعني الناس دي مش مجرد لصوص منح دراسية… دول مجرمون، وكانوا ناويين يخلصوا مني أنا كمان لولا إن ربنا أنقذني في اللحظة الأخيرة.
وصل التاكسي قدام بوابة مديرية الأمن الكبرى. نزلت وأنا ماسكة الملف والشهادات وملف الكفالة، وخطواتي كانت ثابتة بروح جديدة لا تقبل الهزيمة. دخلت بوابة البوليس، وعيني على ضابط البوابات اللي بص لي بتساؤل.
رفعت الملف قدامه بصوت قوي ومسموع:
“أنا معايا مستندات وتسجيلات بتثبت تورط شبكة فساد كبرى وقضية قديمة متجمدة من سنين… وعايزة أقابل رئيس المباحث حالاً!”
الضابط بص لثباتي والملف اللي في إيدي، وفجأة فتح الباب وقال: “تفضلي يا فندم…”
دخلت المكتب، ووقتها حسيت إن أول خطوة حقيقية للقصاص بدأت. بس وأنا قاعدة على الكرسي قدام مكتب الضابط، الباب اتفتح بهدوء، ودخل شخص مكنتش أتخيل أبدًا إنه يكون موجود هنا في الوقت ده.
شخص بص لي بابتسامة غريبة، وقال بصوت بارد:
“أهلاً بكي يا دكتورة سارة… تعالي، إحنا كنا لسه بنستكي في مكتب التحقيقات!”
رفعت عيني بصدمة، ولقيت الشخص ده هو…
“دكتور (…)، رئيس مجلس إدارة الجامعة بنفسه! هو اللي قاعد قدامي على مكتب المباحث… يا ترى هو جاي كشاهد، ولا هو الزعيم الحقيقي للشبكة؟!”
التراب كله اتلخبط، والدنيا وقفت عند اللحظة دي… يتبع.
@أبرز المعجبين
#حكايات_صافي_هاني
#حصري
الفصل السادس: رأس الأفعى
المكتب كان واسع ومكيف، لكن الهواء تحول فجأة لكتلة نار.
دكتور “رؤوف”، رئيس مجلس إدارة الجامعة والرمز الكبير اللي المفروض يكون قدوة لآلاف الطلاب، كان واقف قدامي بكل غرور، وابتسامة باردة مرسومة على شفايفه. الضابط اللي كان قاعد على الكرسي قام باحترام ومد إيده للرئيس، وقال بصوت خافت: “أهلاً يا فندم، زي ما حضرتك قلت، الآنسة سارة وصلت بالمستندات تماماً زي ما توقعنا.”
الكلمة دي نزلت على وداني زي الصاعقة. “زي ما توقعنا؟!”
يعني مديرية الأمن مش بعيدة عن اللعبة؟ يعني الأفعى مش بس مدخلة سمها جوه جدران الجامعة، دي ممدودة لحد مكاتب التحقيق نفسها؟!
رجعت لورا خطوة، وحضنت آدم اللي بدأ يتململ في نومه ويطلع صوت عياط خفيف، كأنه خايف من النبرة المرعبة اللي في الجو. بصيت للدكتور رؤوف وقبل ما أنطق، لقيته بيقعد على الكرسي بكل ثقة، وبيشاور لي بإيده باستهزاء:
“قعدي يا سارة… تعبتي نفسك ليه وطلعتي المشوار ده كله في المطر؟ الملف اللي في إيدك ده… نسخة واحدة صح؟ وبقية الأوراق اللي عند الراجل العجوز في الكافيه المهجور… أظن رجالتنا هناك سلموا الواجب وخلوه يرتاح نهائي.”
الكلمة دي خلت دمي يقف في عروقي. الراجل العجوز… أنهوا حياته؟!
صرخت بصوت مالي المكتب: “أنهيتم حياته؟! أنتم مجرمون وسفاحون! مش مجرد لصوص منح ولا مزورين!”
الدكتور رؤوف ضحك بصوت عالي، وقال ببرود: “يا بنتي افهمي… الدنيا مش بتمشي بالأخلاق، الدنيا بتمشي بالفلوس والسلطة. أبوكي زمان كان فاهم نفسه بطل شجاع وهيصلح الكون، فالعربية اقلبت بيه واتحرق هو ومراته ومبقاش ليهم أثر… وأنتي ماشية في نفس الغلط. فاكرة إن معاكي ملف هيهد إمبراطورية بناءها سنين؟!”




