قصص وروايات

المطارد

— يعني هيقدر يمشي على رجله لو قولنالوا خد بعضك وامشي بعد ما خدت اللي انت عايزه وعلجناك؟

تحركت راسها باعتراض:

— لا يابويا ما ينفعش، ضربة المخ كانت جامدة قوي، دا ما يقدرش يحرك راسه حتى!

— ياكش كان ماات.

صدرت من يونس وهو خارج من غرفته نحوهم بعد ما سمع آخر حديثهم.

مسح سالم على وجهه بكف يده بتعب وكلماته تخرج بصعوبة:

— ما خلاص يا يونس ياخوي، هو احنا مش هانفضها خالص بقى من الكلام في الموضوع ده؟

رد يونس بحدة:

— لا يا سالم، مش هنخلص. كان مالنا احنا بس بالمصايب دي؟ حد عارفوا مجرم ولا ابن حرام؟ أدي آخرة مشورة الحريم!

نظرت إليه نجية بامتعاض ثم ما لبثت أن تنهض من أمامهم جميعًا وهي تقول:

— أنا قايمة أسخن له حاجه يتقاوت بيها، ماهو ما ينفعش نسيبه كدة.

فغر يونس فمه قليلًا بدهشة قبل أن يرد:

— وكمان هاتأكليه يا مرة أخويا؟ والله عال، ما نحجزلوا بالمرة أوضة بمنافعها، مدام الخدمة فندقية بالشكل ده.

تجاهلته نجية وهي تدلف لداخل المطبخ.

لم تخف يمنى ضيقها من تهكم عمها، نهضت من جواره لتتجنب الجدال معه، وتكفل سالم بالرد على أخيه:

— يعني هتيجي على اللقمة يا يونس؟ نسيبه يموت من الجوع يعني!

ضرب يونس بكفه على فخذته بغيظ:

— لا طبعًا ما يصحش ياواد أبوي، احنا نعالجه ونوكله ونشربه ونعلفه كمان بالمرة، ماهي خربانة خربانة.

زفر سالم بقلة حيلة وهو ينفض جلبابه ليشيح بوجهه للناحية الأخرى، لا يدري متى سوف يكف أخيه عن تقريعه بسبب هذا الغريب الذي اضطرار لعلاجه بدافع إنساني حينما وجده بين الحياة والموت، وليس رضوخًا لرغبة زوجته وابنته. هو لو بيده لكان بلغ الشرطة عنه وانتهى من مشكلته، ولكن الخوف من المجهول منعه، فهو لا يدري أي مصيبة قد قام بارتكابها هذا الغريب وما خلفيته، إن كان لصًا أم قاتلًا مأجورًا وخلفه عصابة.

فتحت نجية باب الغرفة لآخره حتى تستطيع إدخال صينية الطعام، مما جعله يستفيق منتبهًا لها وهي تدخل وتلقي السلام:

— حمد لله عالسلامة.

أومأ بعينه مرحبًا قائلًا بضعف:

— الله يسلمك ياخالة، هي الساعة كام دلوقتي؟

نجية وهي تضع الصينية على طاولة صغيرة من سريره:

— الفجر يأذن، قوم قوم كلك لقمة عشان تصلب طولك.

رمق الطعام بطرف عينه ثم أشاح بوجهه قائلًا بصعوبة:

— خدي وكلي ياخالتي واطلعي، أنا ماليش نفس لوكل ولا شرب حتى.

قالت نجية وهي تتناول طبق شربة من فوق الصينية:

— عادي ياولدي إن تبقى نفسك مسدودة عشان اللي حصل معاك، بس انت لازم تاكل حاجة تسند قلبك.

هتف هو بانزعاج:

— الله يرضى عنك سيبيني، ما أنا قولتلك مش عايز.

استمرت بمحايلة وهي منه:

— ياولدي بقولك عشان صحتك، ثم إن دي حاجة خفيفة، دي شربة خضار.

— لا، أنا هاقوم أمشي، كفاية عليا كده.

تشنج قائلًا بحرج وهو يحاول أن ينهض، مما جعله يصرخ متأوهًا:

— ااه اه يامخي.

صاحت نجية وهي تحاول بيدها الضعيفة إعادة رأسه المصابة للوسادة ثانية قائلة:

— ليه بس كده يابني؟ مش قالتلك يمنى بتي ما تتحركش من مكانك.

تأوه بصوت عالي من الألم:

— اااه اااه.

لم تتحمل رؤيته يتألم فأخذت تنادي على ابنتها بصوت مرتفع:

— بت يا يمنى، تعالي يابتي هنا، عايزاكي.

فأتت الأخرى سريعًا مجفلة على صرخة والدتها:

— مالك يا أمى؟ بتندهي ليه؟ ودا بيصرخ ليه دا كمان؟

نجية وهي تربت على كتفه لتهون عليه الألم:

— تعالي شوفيه يابنتي! أصله قام فجأة من فرشته وكان عايز يمشي.

— أنا مش مأكدة عليك ما تحركش نفسك عشان ما تتأذيش، هاديك حقنة تهدي الألم شويه معاك وتنام بعدها.

— شيلي الأكل ده يا أمى.

قالت نجية بحزن:

— ياعيني عليك يابنى، أنت هاتتحمل ايه ولا ايه بس.

يمنى وهي تغرز الحقنة في المحلول المعلق:

— مش وقت ندب دلوقتي يا ماما، شيلي الأكل ده، أنا هقعد هنا جمبه شويه وأراعيه على ما يصحى.

— حاضر يابنتي.

قالتها نجية ثم رفعت صينية الطعام عن الطاولة وخرجت بها، فجلست يمنى على كرسي قريب منه

أشرق الصباح بأنواره وتجلت نعم المبدع بهذه الأصوات الجميلة للعصافير المغردة على غصون الأشجار القريبة من المنزل، تسبح للرحمن في سيمفونية رائعة منظمة بقدرة القادر وحده.

استيقظ هو على هذه الأصوات وانتظر دقائق ليستوعب أين هو! طاف بعينيه في الغرفة الغريبة يعيد تذكرها مرة أخرى ويستعيد ما حدث له في الساعات الأخيرة، وجدها أمامه جالسة ورأسها مائلة على طرف الكرسي وهي في سبات نوم عميق. انتهز الفرصة ليتحقق من ملامحها الجميلة التي تشبه في أفعالها الملائكة قولًا وفعلًا، لا يدري كم مر عليه من الوقت وهو يشبع أنظاره منها ولا يمل.

تحركت رأسها بحركة لا إرادية جعلتها تستيقظ من النوم، تثاءبت وهي تمسح بكفيها الاثنين على وجهها وفردت ذراعيها وبدأت في الاستيقاظ، ولكنها شهقت مفزوعة تنكمش على نفسها خجلًا حينما رأته أمامها بهذه الأعين المتربصة وطيف ابتسامة ماكرة على وجهه، فأردفت بخجل:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى