
تدور الرواية عن صراع بين عائلتين كبيرتين في تجارة بصعيد مصر، وهما عائلة صالح الجارحي وعائلة ضياء الموافي.
حيث أطاح صالح الجارحي بضياء الموافي، تاركًا خلفه ابنه جاد بطل الرواية، وكان ما يزال فتى في الثانية عشرة من عمره تحت وصاية عمه وابنه إسماعيل.
تزداد حدة الصراع بين العائلتين أكثر ويزداد العداء، حتى تنجح عائلة الموافي في الرد بإطاحة اثنين من أبناء صالح، منهم ابنه الأصغر ويدعى طه، وهو أستاذ جامعة كان بعيدًا عن أبيه ومشاكله، إلا أن ضغط أبيه جعله يعود للبلدة بعد فقدان أخيه الكبير، ليلقى هو الآخر حتفه تاركًا خلفه زوجته الحامل في شهرها الأخير.
تلد زوجة طه الجارحي فتاة، فيتعلق بها جدها صالح ويقرر الاحتفاظ بها ورعايتها مطلقًا عليها اسم والدته الراحلة “رحيل”، وهي بطلة الرواية.
تضطر العائلتان بمرور السنوات للتظاهر بعقد هدنة وإيقاف سلسلة الخلافات بعد التدخل الحكومي وكبار عائلات الصعيد.
رغم الهدنة، إلا أن العائلتين لا تضيعان فرصة في الانتقام في كل مناسبة دون ترك أي أثر يدينهم، ليبدو الأمر وكأنه حادث أو قضاء وقدر.
تمر الأعوام ويكبر جاد الموافي في كنف عمه وزوجته وابن عمه إسماعيل وابنته فاطمة، حتى يموت عمه فيتولى ابن عمه إسماعيل كل أمور العائلة نظرًا لكونه الكبير سنًا، وإن كان لشدة مرضه بالقلب يبدو ظاهريًا أنه هو كبير العائلة، إلا أن جاد هو من يقوم بكل شيء من تجارة وتولٍّ لكل الأمور الأخرى، خاصة مع قوة شخصيته وذكائه وتعليمه الجامعي، ما يثير غيرة إسماعيل أحيانًا وضيقه بمرور الوقت من تهميش دوره أمام الجميع.
كان جاد في بداية الثلاثين من عمره، طويل الجسم قوي البنية مفتول العضلات، أسمر اللون بعض الشيء. تعمد طوال عمره أن يقص شعره قصيرًا وأن يطلق لحية أعطته وقارًا وجاذبية فوق جاذبيته، وإن كانت ملامحه قاسية وهدوءه وكلماته القليلة مبعث قلق وخوف لكثير ممن حوله، خاصة مع نظرات عينيه الثاقبتين.
كان جاد رغم ما يعيشه من ثراء يعود إليه من ورثه من أبيه وأمه، إلا أنه لم يشعر إسماعيل ابن عمه وأمه وأخته بهذا يومًا، فقد كان يحبهم ويحترمهم، وبخاصة إسماعيل الذي كان يعتبره أخًا كبيرًا، حتى أنه وافق على مضض على خطبة أخته فاطمة، والتي لطالما اشتكت من تجاهل جاد لوجودها أو الحديث معها ولو ببضع كلمات كلما رأته، رغم عشقها له منذ صغرها.
على الجانب الآخر كبرت رحيل يتيمة الأب في بيت جدها، بعدما أبلغها جدها أن أمها قد رمتها منذ صغرها إليه وسافرت خارج مصر وتزوجت هناك وأنجبت أطفالًا آخرين.
كانت رحيل نقطة ضعف جدها صالح، والذي كان الجميع يهابه ويخشى غضبه وقوته، إلا أنها كانت الوحيدة التي استطاعت أن تخترق قلبه، حتى أنه كان منذ مولدها لا يتركها من على كتفه إلا وقت نومها.
كانت زوجات أبنائه الآخرين وأبناؤهم يغارون من تعلق الرجل الكبير بالطفلة، وبخاصة أنه لم يكن يسمح لأي أحد أن يتعرض لها ولو بكلمة.
كبرت رحيل وصممت أن تكمل دراستها بالجامعة في القاهرة، فسمح لها جدها على أن تلازمها سيدة مسنة ربتها منذ صغرها وسائق عينه كحارس لها، واشترى لها شقة في كومباوند لصديق له أوصاه أن يجعل أمن الكومباوند يتابع رحيل وألا يسمح لأي أحد أن يتعرض لها.
كانت رحيل في بداية العشرين من عمرها، جميلة، يقولون إنها ورثت جمال أمها البيضاء بشعرها الناعم ورموشها الكثيفة وعيناها البنيتان، وإن كانت ورثت طول أبيها وجدها الذي تناسق مع قوامها الفارع. رغم أنها تربت على التدليل من جدها، إلا أنها كانت فتاة عاقلة ومتزنة في حياتها، وإن كانت مرحة ومنطلقة تحب الحياة ولكن بحدود وفكر وثقافة فتاة من مجتمع صعيدي.
التحقت رحيل بجامعة خاصة بعد إصرارها أن تكمل تعليمها وأن تبعد عن البيت بقدر استطاعتها كي تهرب من همسات وتدخل زوجات أعمامها الأرامل في حياتها، وبخاصة زوجة عمها عيشة التي ظلت تلح على جدها كي يخطب رحيل لابنها يونس، رغم رفض رحيل، والتي امتثلت في النهاية إرضاءً لجدها.
كان قصر صالح الجارحي في الطرف الآخر من البلدة تحرسه جيوش غفيرة من رجاله، وقصر بيت الموافي على الطرف الآخر، والمسافة بين القصرين رغم قصرها إلا أنها كانت كأنها أميال مليئة بالكره والحقد حتى النهاية.
كان صالح الجارحي قد نشب خلاف كبير بينه وبين عائلة كبيرة من العرب الموجودين على الحدود بسبب تجارة، فقرروا أن ينتقموا منه بخطف أقرب الناس لقلبه، بعدما علما بأنها حفيدته، والتي تعود من القاهرة مساء كل خميس بالطائرة، وأنه يبعث لها بسيارته وسائقه كي يوصلها للبيت.
كان الوقت ليلًا، ورحيل تعبث بهاتفها وهي تجلس في المقعد الخلفي في سيارة جدها الجيب، قبل أن تسمع صوت انفجار وضوء شديد مفاجئ، مما جعلها تصرخ وهي تتثبت بمقعدها قائلة للسائق:
– رحيل: في إيه يا عم بسطاوي؟
بسطاوي في هلع محاولًا السيطرة على عجلة القيادة:
– مش عارف يا ست رحيل.
فجأة تجد رحيل السيارة تنقلب بهم بعدما يظهر ضوء شديد من بعيد أمامهم عمى عيناها عن الرؤية، تنقلب بهم السيارة عدة مرات وأصوات طلقات تقترب منهم.
تفتح عيناها بعدما تستقر السيارة على صوت السائق الغارق في دمائه:
– السائق: اجرى يا ست رحيل.
رحيل بخوف:
– وانت يا عم بسطاوي؟
السائق:
– مالكيش دعوة بيا، دول أكيد قاصدينك انتي، اجرى يا بنتي وأنا هحاول أعطلهم، وخدي ده معاكي جايز تحتاجيه.
قالها وهو يخرج مسدسه كي يناوله لها، التقطته منه رحيل وجرت بهلع والدماء تغطي شعرها.
في نفس اللحظة كان جاد عائدًا من المدينة بعد انتهائه من مشوار هام له مع أحد عملائه الأجانب والذي نزل بأحد فنادق البلدة.
كان جاد مشغولًا بالحديث في هاتفه عندما سمع صوت طلقات وأضواء كثيفة تعمي العين من بعيد، ليفوجأ عند اقترابه بسيارة مقلوبة أمامه، مما أفقده السيطرة على توازن سيارته فانحرفت جانبًا لتنقلب هي الأخرى، بينما استطاع هو القفز منها خارجًا.
اتجه جاد ناحية الأراضي الزراعية أمامه، وكانت مزروعة بالقصب كغالبية أراضي الصعيد، دخل مسرعًا وهو يتحسس جيبه بحثًا عن هاتفه، قبل أن يزم شفتيه في ضيق بعدما تذكر سقوطه منه أثناء نزوله.
كان الظلام حالكًا وصوت الطلقات عاليًا، وجاد ما يزال يتوغل داخل أرض القصب، عندما ارتطم فجأة بجسم ليكتشف أنها فتاة.
نظر إليها للوهلة على أثر ضوء القمر المكتمل وأضواء الانفجارات البعيدة.
أشهرت رحيل في وجهه محاولة الادعاء بالقوة وهي تصرخ بصوت عالٍ يشوبه الخوف:
– رحيل: لو قربتلي هقتلك.
كان جاد ما يزال ينظر إليها وهو متسمر مكانه محاولًا فهم ما يجري، فمنذ سماعه لصوت الطلقات وارتطام سيارته بالسيارة المقلوبة أمامه وهو يظن أنها محاولة للإطاحة به من بيت صالح الجارحي، إلا أن وجود فتاة غريبة أمامه الآن غير كل ما كونه عقله منذ دقائق.
صرخت فيه أكثر وهي تلوح في وجهه بخوف ظهر أكثر على ملامحها:
– رحيل: أنا حذرتك لو قربت مني خطوة هقتلك، وأوعى تفتكر إني مبعرفش أستخدم.




